الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والذي يعنينا هنا هو رصد هذه اليهودية الكلاسيكية من خلال زاويتين فقط:
- العقيدة المشَّيحانية.
- علاقة اليهود بالأغيار.
العقيدة المشَّيحانية Messianism:
(الماشَّيح Messiah) كلمة عبرية تعني (المسيح المخلِّص)، ومنها (مشيحيوت) أي (المشيحانية) وهي الاعتقاد بمجيء الماشَّيح، والكلمة مشتقة من الكلمة العبرية (مشح) أي (مسح) بالزيت المقدَّس. وكان اليهود، على عادة الشعوب القديمة، يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصيبهما، علامة على المكانة الخاصة الجديدة وعلامة على أن الروح الإلهية أصبحت تحل وتسري فيهما. وكانت كلمة الماشَّيح تشير إلى كل ملوك اليهود وأنبيائهم، بل كانت تشير أيضًا إلى قورش ملك الفرس، أو إلى أي فرد يقوم بتنفيذ مهمة خاصة يوكلها الإله إليه. كما أن هناك في المزامير إشارات متعددة إلى الشعب اليهودي على أنه شعب من المشحاء.
وهناك أيضًا المعنى المحدد الذي اكتسبته الكلمة في نهاية الأمر إذ أصبحت تشير إلى شخص مُرسَل من الإله يتمتع بقداسة خاصة، إنسان سماوي وكائن معجز خلقه الإله قبل الدهور يبقى في السماء حتى تحين ساعة إرساله. وهو يُسمَّى (ابن الإنسان) لأنه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الإله والإنسان، فهو تَجسُّد الإله في التاريخ. وهو ملك من نسل داود عليه السلام، سيأتي بعد ظهور النبي إليا ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطم أعداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، ومن هنا كانت تسمية (الأحلام الألفية) و (العقيدة الاسترجاعية).
وأصل عقيدة الماشَّيح المخلِّص فارسية بابلية، وقد بدأت هذه العقيدة تظهر أثناء التهجير البابلي، ولكنها تدعمت حينما رفض الفرس إعادة الأسرة الحاكمة اليهودية إلى
يهودا. وقد ضربت هذه العقيدة جذورًا راسخة في الوجدان اليهودي. ويفسر الحاخامات تأخُّر وصول الماشَّيح بأنه ناتج عن الذنوب التي يرتكبها الشعب اليهودي، ولذا فإن عودته مرهونة بتوبتهم.
وثمة محاولات قامت بها المؤسسات اليهودية الحاخامية لتهدئة التطلعات المشيحانية المتفجرة [والتي كانت تفرز كل حين بعض الدجالين أدعياء المشيحانية أمثال شبتاي تسِفي Shabbetai Tzevi (1626 - 1676 م) وچيكوب فرانك Jacob Frank (1726 - 1791 م) وغيرهم] .. فركزت على الجانب الإلهي لعودة الماشَّيح، وعلى الماشَّيح من حيث هو أداة الإله في الخلاص. وبناءً على ذلك، أصبح من الواجب على اليهود انتظار عودة الماشَّيح في صبر وأناة، ويصبح من الكفر أن يحاول فرد أو جماعة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتز Dahikat ha-Ketz)(1) .
ومما يذكره شاحاك وميز?ينسكي أن «الحاخام موشيه نخمانيدس Moshe Ben Nachman (Nachmanides) [1194 - 1270 م] كان الزعيم اليهودي الوحيد الذي كان يؤمن بأن اليهود يجب عليهم ليس فقط الهجرة ولكن أيضًا أن يقوموا بغزو أرض إسرائيل، وهناك حاخامات آخرون ذوو أهمية في ذاك الوقت وفي أوقات أخرى لمدة قرون عديدة تجاهلوا أو اختلفوا بقوة مع رأي نخمانيدس» (2).
ولو نظرنا إلى الفكر الكاثوليكي التقليدي، نجد أنه لم يكن فيه - قبل عهد الإصلاح الديني - أدنى مكان لاحتمال العودة اليهودية إلى فلسطين، أو لأية فكرة عن وجود الأمة اليهودية. وكان القساوسة الأوائل يرفضون التفسير الحرفي للتوراة ويفضلون الأساليب الأخرى للتفسيرات اللاهوتية وبخاصة التفسيرات المجازية التي أصبحت الأسلوب الرسمي للتفسير التوراتي كما وضعته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وكان يعتقد أن الفقرات الواردة في التوراة، وبخاصة في العهد القديم، التي تشير إلى عودة اليهود إلى وطنهم لا تنطبق على اليهود بل على الكنيسة المسيحية مجازًا. أما اليهود فإنهم، طبقًا
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (5/ الماشَّيح والمشيحانية) باختصار وتصرف.
(2)
شاحاك وميزفينسكي: الأصولية اليهودية في إسرائيل (1/ 62).
للعقيدة الكاثوليكية الرسمية، اقترفوا إثمًا فطردهم الله من فلسطين إلى منفاهم في بابل. وعندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر نفاهم الله ثانية، وبذلك انتهى وجود ما يسمى (الأمة اليهودية) إلى الأبد، ولذلك فليس لليهود مستقبل قومي جماعي، ولكنهم كأفراد، يستطيعون أن يجدوا الخلاص الروحي بارتدادهم للمسيحية.
والنبوءات المتعلقة بعودة اليهود كانت تؤول على أنها عودة للإسرائيليين من المنفى في بابل. وقد تحقق ذلك في القرن السادس قبل الميلاد حين أعادهم قورش إلى فلسطين. أما الفقرات الأخرى التي تتنبأ بمستقبل مشرق لإسرائيل، فإنها كانت تحمل على أنها تنطبق على (إسرائيل الجديدة) أي الكنيسة المسيحية التي كانت تعتبر إسرائيل (الحقيقة) والوريث المباشر للديانة العبرية.
كانت هذه هي فكرة كتاب (مدينة الإله De Citivate Dei) الذي كتبه أوغسطين الملقب بالقديس، والذي يعتبر التحفة الأدبية للاهوت الكاثوليكي. ويعتبر أوغسطين - والذي كتبه في القرن الخامس - واضع العقيدة التي كانت الكنيسة بموجبها تجسد مملكة الله الألفية السعيدة. وبقي الأمر المسلم به أن هذه العقيدة هي الرأي المسيحي التقليدي في اليهود حتى القرن السادس عشر. ونتيجة لذلك كانت فترة العصور الوسطى تميل إلى الفصل بين اليهود المعاصرين والعبرانيين القدامى [الذين كانوا يعتبرون شعبًا مثاليًا](1).
وينبع موقف الكنيسة من أعضاء الجماعات اليهودية من فكرتين أساسيتين مختلفتين ومتكاملتين عن اليهود:
(1) د. ريچينا الشريف: الصهيونية غير اليهودية، ص (21) بتصرف يسير.
(2)
د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (2/ الصور الإدراكية النمطية وكلاسيكيات وتاريخ معاداة اليهود حتى بداية القرن الثامن عشر).
- اليهود قتلة المسيح الذين أنكروه، ولذا لا بد من عقابهم على ذلك.
- اليهود هم أيضًا الشعب الشاهد الذي عاصر أعضاؤه ظهور المسيح وبداية الكنيسة، وهم بتَمسُّكهم بشعائر دينهم - التي ترمز إلى الشعائر المسيحية منذ القدم - وبتدني وضعهم، يقفون شاهدًا حيًا على صدق الكتاب المقدَّس وعلى عظمة الكنيسة (1).
وقد تَمثَّل هذا الموقف المزدوج في سياسة الكنيسة التي وضعها البابا جريجوري الأول (الأعظم) Pope Gregory I (The Great)(540 - 604 م) وآخرون من بعده، والتي ترى ضرورة الإبقاء على اليهودية وعلى الشعب اليهودي باعتباره شعبًا شاهدًا سيؤمن في نهاية الأمر بالمسيحية، ولذا ينبغي حماية اليهود من الدمار والإبادة، ولكن ينبغي في الوقت نفسه وضعهم في مكانة أدنى.
ولقد أصدر جريجوري الأول مرسومًا بابويًا يتضمن هذه العبارة: «كما أن اليهود لا يحق لهم أن يفعلوا ما لا يُسمَح لهم به حسب القانون، فإنه يتعيَّن ألا يُحرَموا من المزايا التي منحت لهم» . ومن ثم مُنع قتل اليهود أو الهجوم عليهم أو حرق معابدهم أو مضايقتهم أثناء تعبُّدهم أو استخدام القوة في تنصيرهم. وأصبح هذا المرسوم أساسًا لكل المراسيم البابوية اللاحقة حتى القرن الخامس عشر الميلادي.
ولهذا، حاربت الكنيسة الطرق غير الشرعية لتنصير اليهود قسرًا، معتبرة أن ثمرة هذه العملية لا تشكل أي نصر حقيقي للكنيسة ولا تزيد عظمتها. ولكنها شجعت في الوقت
(1) وكان يرى پولس - الملقب بالقديس - أن رفض اليهود قبول مسيحهم المخلِّص هو سر من الأسرار. وهم يحملون الكتاب المقدس الذي يتنبأ بمقدمه منذ أيام المسيح، ومع هذا ينكرونه، ولذا فقد وُصفوا بأنهم «أغبياء يحملون كتابًا ذكيًا» ، أي لا يعون فحوى ما يحملون. وتنبأ پولس أيضًا بأن قسوة قلب إسرائيل ستزداد على مر الأيام إلى أن يتنصر الأغيار جميعًا، وحينئذ سيتم خلاص إسرائيل نفسها أي اليهود كشعب بالمعنى الديني. كما يرى أن شتات اليهود لم يكن فقط عقابًا لهم على رفضهم العهد الجديد وعدم إدراك أن العهد الجديد وضَّح المعاني الخفية في العهد القديم بل إن هذا الشتات هو نفسه إحدى الوسائل لنشر المسيحية، كما أن ضعف اليهود وتمسكهم في الوقت نفسه بشعائر دينهم التي ترمز للمسيحية منذ القدم، دون أن يعوها، يجعل منهم شعبًا شاهدًا يقف دليلًا حيًا على صدق الكتاب المقدَّس وعلى عظمة الكنيسة وانتصارها. وبذا، تحوَّل اليهود إلى أداة لنشر المسيحية. [انظر السابق (4/ الشعب الشاهد)].
نفسه إلقاء المواعظ عليهم والإقناع بالأشكال المشروعة الأخرى (1).
يقول الحاخام يواكيم پرنز (2): «ومن الإنصاف أن نلاحظ أن كل بابا منذ أيام جريجوري الأول كان يصدر تحذيرات شديدة اللهجة ضد استعمال القوة للتحول إلى الديانة المسيحية، ولكن هذه التحذيرات لم تكن ذات جدوى، إذ إنه كثيرًا ما استعملت القوة، وأصبح عدد المتحولين بسبب الضغط والتهديد كبيرًا» .
وتجدر الإشارة إلى أن علاقة الكنيسة باليهود كانت مضطربة ولا تسير على وتيرة واحدة، ويلخص هذا الوضع پرنز بقوله (4): «عند انتخاب بابا جديد، كانت (السكولا Scholae) في روما - وهي الهيئة التي تمثل المجموعات العرقية والوطنية في المدينة - تجتمع بعد أن يرتدي أفرادها ملابس الأعياد، لتقديم فروض الطاعة والولاء لحاكم الكنيسة الجديد، وكان اليهود يحتلون مركزهم المخصص لهم على طريق مرور موكب البابا
…
وهناك كان اليهود يقفون وفي مقدمتهم الرباني العظيم، ومعه أعيان اليهود
(1) السابق (4/ العصور الوسطى في الغرب) باختصار.
(2)
يواكيم پرنز: بابوات يهود من جيتو روما، ص (39). ويواكيم پرنز (1902 - 1988م) هو حاخام يهودي صهيوني من أصل ألماني، هاجر إلى الولايات المتحدة، وهناك نصب نائبًا لرئيس المؤتمر الصهيوني العالمي، كما أصبح بعد ذلك قطبًا لامعًا في المنظمة الصهيونية العالمية، إضافة إلى كونه صديقًا حميمًا إلى جولدا مائير Golda Meir (1898 - 1978 م). [انظر، إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (114)].
(3)
السابق، ص (38).
(4)
السابق، ص (26 - 7) باختصار.