الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1) وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لتُفتَحَنَّ القسطنطينية فلنِعم الأمير أميرها ولنِعم الجيش ذلك الجيش» [المسند (4/ 335)]، وضعفه الألباني.
(2)
محمود شاكر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص (36 - 7).
ومضت أعوام أخرى، تتقدم فيها أوروپامسرعة نحو الأمام، في حين تتراجع الأمة الإسلامية نحو الوراء، والأيام دُوَل! حتى جاء الوقت الذي بلغ (الطفل) الأوروپي فيه أشده، وقد ترسخت في وجدانه فكرة مغلوطة عن الإسلام عاطفية وغير متزنة.
وكما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} (3)، فطاقت غريزته التوسعية غير الرشيدة إلى التسلط و (الاستخراب)، فخرج بقواته غازيًا أركان
(1) السابق، ص (46) بتصرف يسير.
(2)
السابق، ص (47 - 8).
(3)
العلق: 6 - 7
المعمورة الأربعة. ولكن، حينما وقف على أعتاب العالم الإسلامي، تذكر ماضيه الأليم، وعلم يقينًا أنه إذا أراد المُضيّ فعليه أن يتدارك الخطأ؛ فالمواجهة يدًا وحدها ما كانت تكفي للقضاء على جماعة الإسلام؛ فإن «يد الله مع الجماعة» (1)، و «إنما يأكل الذئب القاصية» (2).
كذلك أيقن أن الأمر لا يقف على مجرد كونها جماعة؛ فثمة جماعات كثيرة سهُل هزيمتها عسكريًا، وإنما الأمر يكمن في منهج الجماعة ذاته، ذلك المنهج الذي {لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (3).
ولذا، كان المخرج من ذلك كله هو إحداث صدع في هذا البنيان المرصوص، وزرع خلية سرطانية خبيثة في جسد الأمة الواحد، والذي «إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (4)، وذلك عن طريق إحياء روح الشعوبية، القومية العنصرية، الجاهلية المنتنة، كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)؛ ذلك أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى كما قال الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (6).
وسيأتي بيان هذا في موضعه، ولكن ما ترتب هو استشراء سرطان القومية في جسد الأمة. وكانت القاصمة التي لم تتبعها عاصمة هي مبعث الذئب الأغبر من مرقده في جبل طوران، على يد (خالد التُرك!) الدونمي (7)، إذ قام الذئب مسعورًا جائعًا، فلم يجد أمامه
(1) الحديث رواه الترمذي، كتاب الفتن: 2166، وصححه الألباني.
(2)
الحديث رواه أبو داود، كتاب الصلاة: 547، وحسنه الألباني.
(3)
فصلت: 42
(4)
الحديث رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب: 2586
(5)
روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: «كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة» [البخاري، كتاب تفسير القرآن: 4905].
(6)
الحجرات: 13
(7)
حينما حقق مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938م) انتصاره المشبوه على جيوش اليونان، بدأ يطفو على السطح تدريجيًا، وابتهج العالم الإسلامي وأطلق عليه لقب الغازي ومدحه الشعراء وأشاد به الخطباء، حتى قرنه أحمد شوقي (1868 - 1932م) بخالد بن الوليد رضي الله عنه في أول بيت من قصيدة مشهورة، قال فيها:«الله أكبركم في الفتح من عجب .. يا خالد الترك جدد خالد العرب» !، ثم أفاق من غفلته ورجع عن ذلك وهاجمه بعد سقوط الخلافة. والشائع أن أتاتورك كان من يهود الدونمة المتخفين Crypto-Jews.
إلا رجل أوروپاالمريض (1)، والذي عقَّه أولاده الإخوة لعَلَاّت، فانقض عليه فصرعه والتهمه .. وسقطت الخلافة الإسلامية!!
ورحم الله شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقادي (1286 - 1373هـ/1869 - 1954م)، آخر شيوخ دولة الخلافة، قال:«يا أسفًا على الخلافة، قطعوا دابرها وأبدلوها خلافًا!» اهـ (2).
ثم توالت عرى الإسلام في انتقاضها كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، قال صلى الله عليه وسلم:«لَيُنْقَضَنَّ عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتَقَضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة» (3).
يقول الدكتور مصطفى حلمي واصفًا حال الأمة بعد سقوط الخلافة (4): «كنا كمن يقف على مفترق طرق يبحث عن امتداد خط السير الذي بدأ به، وربما انحرف عنه أحيانًا، ولكن الاتجاه نفسه كان صحيحًا، ولكن بالوصول عند المفترق، ضل السائق الذي أسلمنا له القيادة بدلًا من الاستمرار في طريقنا الذي عرفناه، انحرف عن الطريق إلى طريق آخر لن يوصلنا إلى محطة الوصول سالمين، بل سيصل بنا إلى ما يشبه الهاوية، إن لم تتداركنا رحمة الله تعالى وفضله» اهـ.
…
(1) تعبير شائع يراد به الدولة العثمانية وقتها.
(2)
قاله الشيخ في كتابه (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة)، وقد أعاد نشره وعلق عليه الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي، في كتابه (الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية). يقول:«أما كتاب الشيخ مصطفى صبري، فإنه ربما يعد من هذه الزاوية بمثابة الوثيقة الوحيدة المثبتة للخطط اليهودية والصليبية ضد الخلافة العثمانية، حيث سجلها خطوة خطوة، وشرح أبعادها، وحذر منذ البداية من خطورة نتائجها. لذا، فقد أطلقنا على الكتاب عنوانًا جديدًا مطابقًا لما أسفرت عنه الانقلابات، فسميناه: (الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية)» اهـ[انظره، ص (32، 128)].
(3)
رواه أحمد في مسنده (5/ 251) من حديث أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه، وقال شعيب:«إسناده جيد» .
(4)
د. مصطفى حلمي: الأسرار الخفية، ص (36).