المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

«أما يهود ألمانيا، فكان من الصعب طردهم من بلادهم بصورة - حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

[عمرو كامل عمر]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة بقلم الدكتور محمد بن موسى الشريف

- ‌تعقيب

- ‌{مقدمة المؤلف}

- ‌الباب الأول حصان رومي

- ‌الفصل الأول: المسلك المختار لدعوة الحوار

- ‌الاتجاه الأول (وحدة الأديان):

- ‌الاتجاه الثاني (توحيد الأديان):

- ‌الاتجاه الثالث (التقريب بين الأديان):

- ‌الخصائص الفكرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه والملاحظ عليها:

- ‌مفهوم التقريب لدى مجلس الكنائس العالمي:

- ‌الدولة الفاطمية الثانية:

- ‌تأييد آية الله التسخيري:

- ‌دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بين الماضي والحاضر:

- ‌تجارب فردية للتقريب حفظها لنا التاريخ:

- ‌1 - مصطفى السباعي:

- ‌2 - محمد رشيد رضا:

- ‌3 - علماء السعودية في عهد الملك فيصل:

- ‌4 - محمد الأمين الشنقيطي:

- ‌5 - يوسف القرضاوي:

- ‌دافعي لبحث مسألة التشيع:

- ‌الفصل الثاني: بين أوربانية الماضي والحاضر

- ‌فتح القسطنطينية وتبعاته:

- ‌اختلال موازين القوى الغربية بين ضفتي الأطلسي:

- ‌الارتباك الفكري يهدد القيادة الأمريكية للنظام العالمي الجديد:

- ‌العالم من الثنائية إلى الأحادية القطبية:

- ‌زوال (الخطر الأحمر) وظهور (الخطر الأخضر):

- ‌صمويل هنتجتون يتقدم:

- ‌نظرة على علاقة المجتمع الغربي المعاصر بالإسلام:

- ‌هل المجتمع الغربي علماني أم مسيحي

- ‌غزوة مانهاتن

- ‌عودة إلى ساحة التنظير السياسي:

- ‌أوربان الأمريكي يعلن حربًا صليبية جديدة:

- ‌حرب العراق:

- ‌فرصة ذهبية:

- ‌بلاكووتر والاتحاد الكاثوليكي الپروتستانتي:

- ‌تعديل في المسار:

- ‌حرب الأفكار: معركة القلوب والعقول:

- ‌شيريل بينارد و (الإسلام المدني الديمقراطي):

- ‌توماس فريدمان و (حرب الأفكار):

- ‌أندرو ترنبُل و (عملية المنافسة):

- ‌أنچل راباسا و (بناء شبكات إسلامية معتدلة):

- ‌الفصل الثالث: الصهيونية، رؤية مغايرة

- ‌{مدخل}

- ‌الاستمرار اليهودي من منظور إسلامي:

- ‌پروتوكولات حكماء صهيون:

- ‌{الصهيونية .. رؤية مغايرة}

- ‌اصطفاء مشروط لبني إسرائيل:

- ‌وعد أولاهما:

- ‌ورسولا إلى بني إسرائيل:

- ‌وعد الآخرة:

- ‌فائدة:

- ‌يهود الدياسپورا:

- ‌نظرة على المجتمعات اليهودية الأوروپية من الداخل:

- ‌العقيدة المشَّيحانية Messianism:

- ‌علاقة اليهود بالأغيار:

- ‌الجيتو اليهودي:

- ‌واقع العلاقة بين اليهود والنصارى في المجتمعات الأوروپية:

- ‌الصَدْع اللوثري:

- ‌ورهبانية ابتدعوها:

- ‌الكنيسة تجني أرباحًا كبيرة:

- ‌صراع الأباطرة والبابوات:

- ‌تسرب مظاهر الضعف والانحراف إلى المراكز الدينية:

- ‌مهزلة صكوك الغفران:

- ‌عصر الإصلاح الكنسي: جيرولامو سافونارولا:

- ‌مارتن لوثر: ترجمة:

- ‌مارتن لوثر واليهود:

- ‌أفكار لوثر أحدثت ثغرًا لا يزال يتسع حتى اليوم:

- ‌المجتمع النصراني الغربي في بداية عصر النهضة: بداية التزوير التاريخي:

- ‌ظهور أول أثر أدبي مطبوع عن التفكر في العصر الألفي السعيد:

- ‌يوحنا وابن عازر كارترايت وإعادة اليهود إلى إنجلترا:

- ‌مناسح بن إسرائيل و (أمل إسرائيل):

- ‌الصهيونية منذ عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) إلى ظهور المسألتين اليهودية والشرقية:

- ‌بوناپارت وتلاقي المسألتين اليهودية والشرقية:

- ‌إنجلترا تتلقف الراية:

- ‌جذور المسألة اليهودية:

- ‌ونعود إلى إنجلترا

- ‌لورد پالمرستون الثالث:

- ‌كانت الأهداف الثلاثة على النحو التالي:

- ‌حلقة الوصل بين الصهيونيتين (اليهودية وغير اليهودية): بنيامين زئيف:

- ‌هرتزل: ترجمة:

- ‌الموقف اليهودي الأرثوذكسي تجاه (البدعة) الصهيونية:

- ‌المرحلة البلفورية:

- ‌الصهيونية والنازية، وفاق أم شقاق

- ‌أمريكا تتلقف الراية:

- ‌الصهيونية في أمريكا: نبذة تاريخية:

- ‌ثلاثة مؤشرات (1948 - 1967

- ‌نظرة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي:

- ‌قضية تامارين:

- ‌الموقف حيال يشوع والجيش الإسرائيلي

- ‌الموقف حيال القتل الجماعي

- ‌زواج مصالح…ولكن

- ‌العلاقة (الأمريكية-الإسرائيلية) أشبه بالزواج الكاثوليكي:

- ‌اللوبي الإسرائيلي وتأثيره في قرارات الولايات المتحدة:

- ‌الباب الثاني حصان فارسي

- ‌الفصل الأول: تشيع أم رفض؟ وقفة تاريخية تأصيلية

- ‌أيُكسَر الباب أم يُفتَح

- ‌حقيقة موقف كعب الأحبار من مقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه

- ‌جذور البلاء:

- ‌القذيفة الأولى:

- ‌بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌وهذه المسائل الأربعة هي:

- ‌ أولًا: تدوين التاريخ

- ‌ثانيًا: عدالة الصحابة:

- ‌تعريف الصحابي:

- ‌طبقات الصحابة:

- ‌عدالة الصحابة:

- ‌عقيدتنا في الصحابة:

- ‌حكم سب الصحابة:

- ‌ثالثًا: حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما:

- ‌وقعة الجمل (36ه

- ‌معركة صِفِّين (37ه

- ‌قضية التحكيم (37 ه

- ‌رابعًا: موقف أهل السنة والجماعة من الفتنة:

- ‌عودة إلى البدء: استمالة السبئية لشيعة علي رضي الله عنه

- ‌ولكن من هم (الشيعة الأولى)

- ‌تبرؤ شيعي:

- ‌عام الجماعة (41ه

- ‌مناقب أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه

- ‌الشيعة بعد عام الجماعة:

- ‌وفاة أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وخلافة يزيد:

- ‌ولماذا أوصى معاوية رضي الله عنه لابنه يزيد بالخلافة

- ‌موقف أهل السنة من يزيد بن معاوية:

- ‌رأي الإمام ابن تيمية في خروج الحسين رضي الله عنه

- ‌جيش التوابين:

- ‌أسباب فشل حركة التوابين:

- ‌في ثقيف كذاب ومبير:

- ‌انحراف عقدي:

- ‌مع الاثني عشرية:

- ‌وبداية: متى كانت بداية ظهورهم

- ‌الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه

- ‌الأصابع الخفية المؤسسة لعقيدة الشيعة الإمامية:

- ‌الفصل الثاني: عقيدة أهل المذهب الفقهي الخامس

- ‌«والأدلة على بطلان مذهب الرافضة لا تُحصى إلا بالمشقة، ألا فليدخلوا في الإسلام!» [الحذيفي]

- ‌عقيدة الإمامة:

- ‌أصل عقيدة الإمامة:

- ‌ولماذا اثنا عشر إمامًا

- ‌اعتقاد الرافضة في أئمتهم:

- ‌مغالطات واضحة:

- ‌المتتبع لسلسلة الأئمة يلاحظ الآتي:

- ‌حيرة

- ‌ولماذا اختفى

- ‌في السرداب:

- ‌كم مدة غيبته

- ‌وعرفت هذه بالغيبة الكبرى

- ‌الثورة الخمينية وولاية الفقيه:

- ‌أولًا: بيان رابطة العالم الإسلامي:

- ‌ثانيًا: بيان مفتي جمهورية تونس الحبيب بلخوجة:

- ‌ثالثًا: فتوى علماء المغرب:

- ‌رابعًا: بيان رابطة العلماء في العراق:

- ‌خامسًا: فتوى الشيخ الألباني:

- ‌متى تكون التقية

- ‌التقية عند الرافضة:

- ‌واقرأ معي هذه النصوص:

- ‌عقيدة البداء:

- ‌من أقوال الرافضة في البداء:

- ‌عقيدة الرافضة في القرآن:

- ‌عقيدة الطينة:

- ‌واقرأ معي هذه النصوص:

- ‌عقيدة الرافضة في أهل السنة:

- ‌اعتقاد أهل السنة في آل البيت رضي الله عنهم

- ‌ثناء آل البيت على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين:

- ‌وماذا عن باقي الأئمة آل البيت رحمهم الله

- ‌بل أنتم الناصبة

- ‌واقرأ معي هذه النصوص:

- ‌موافقة الرافضة اليهود في استباحة دم المخالف:

- ‌عقيدة الرجعة:

- ‌من الراجعون

- ‌وما مهام المهدي الراجع

- ‌إباحة الرافضة زواج المتعة:

- ‌من أدلة تحريم المتعة:

- ‌نظرية الخُمس:

- ‌الخمس عند الرافضة:

- ‌من أقوال علماء أهل السنَّة في الرافضة:

- ‌الفصل الثالث: شبهات وردودها

- ‌الشبهة الأولى: حديث الغدير:

- ‌الشبهة الثانية: حادثة فَدَك والإرث:

- ‌الشبهة الثالثة: آية المودة:

- ‌الشبهة الرابعة: آية التطهير:

- ‌الشبهة الخامسة: آية الولاية:

- ‌الشبهة السادسة: حديث المنزلة:

- ‌الشبهة السابعة: «علي مني وأنا من علي»:

- ‌الشبهة الثامنة: «يا رب أصحابي

- ‌الشبهة التاسعة: آية الفتح:

- ‌الشبهة العاشرة: في صلح الحديبية:

- ‌الشبهة الحادية عشرة: «إنكن صواحب يوسف»:

- ‌الشبهة الثانية عشرة: «هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده»:

- ‌الخاتمة

الفصل: «أما يهود ألمانيا، فكان من الصعب طردهم من بلادهم بصورة

«أما يهود ألمانيا، فكان من الصعب طردهم من بلادهم بصورة كاملة، لأن ألمانيا كانت مقسَّمة إلى عدة إمارات صغيرة ولم تكن بها دولة مركزية قوية. وقد ضمن هذا الوضع استمرارهم إذ كانوا حينما يُطرَدون من إمارة يلجأون إلى أخرى كما كان الحال في إيطاليا، وعلى عكس ما حدث في فرنسا وإنجلترا وإسپانيا حيث كانت توجد سلطة مركزية قوية نسبيًا. ومع ذلك، يمكننا أن نقول: إن معظم المدن الألمانية طردت اليهود في نهاية الأمر. ومع القرن السادس عشر الميلادي، لم تكن هناك جماعات يهودية إلا في فورمز وفرانكفورت، وكانت تُوجَد جيوب يهودية صغيرة متناثرة داخل الإمارات المختلفة. ونتيجة حروب الفرنجة (الصليبية)، ولأسباب أخرى أيضًا، بدأ التجار اليهود بدعوة من الملوك الپولنديين يستوطنون پولندا في القرن الثالث عشر الميلادي، وذلك لتشجيع التجارة» (1). ومن المفارقات أنه حين بدأت أوروپافي نبذ اليهود، اكتسب يهود أوروپامركزية بين يهود العالم بسبب ثقلهم السكاني، إذ كانوا يشكلون غالبية يهود العالم (2).

وفي ظل هذه الأحداث والصراعات، ظهر على الساحة الألماني (المُعتَرِض)، مارتن لوثر ..

‌الصَدْع اللوثري:

قبل أن نكمل حديثنا نرجع بالأحداث إلى الوراء قليلًا لإلقاء الضوء على طبيعة الحياة الدينية النصرانية في المجتمعات الأوروپية وقتذاك ..

فيعتبر تنصر الرومان في عهد الإمپراطور قسطنطين الأول Constantine I (272 - 337 م) تحولًا جذريًا في تاريخ النصرانية، ولقد أبلغ القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت. 415هـ) حينما قال (3): «فإذا تبينت الأمر وجدت النصارى تروموا

(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ العصور الوسطى في الغرب).

(2)

السابق (3/ عصر النهضة (القرنان السادس عشر والسابع عشر)).

(3)

عبد الجبار الهمذاني: تثبيت دلائل النبوة (1/ 158).

ص: 251

ورجعوا إلى ديانات الروم ولم تجد الروم تنصروا»!

تقول هيلين إيليربي (1): «ولقد رأى هذا الرجل [قسطنطين] في المسيحية وسيلة نافعة في تقوية قدرته العسكرية، وفي توحيد الإمپراطورية الرومانية الواسعة والمضطربة. وأما القصة التي تحدثت عن منام قسطنطين الذي اقتاده إلى قبول المسيحية، حيث إنه رأى في منامه صليبًا في السماء مكتوبًا عليه الكلمات التالية: "في هذه العلامة أنت سوف تنتصر"، فهي مجرد حكاية لأن قسطنطين تحول شخصيًا إلى المسيحية فقط عندما كان على فراش موته (2)، فقد اعترف قسطنطين بالمسيحية كمجرد وسيلة للتغلب على التمزق داخل الإمپراطورية الرومانية، وكذلك عوضًا عن الديانة الرومانية الرسمية وبديلًا لها» .

ويقول أبو زهرة (3): «ويسوغ لنا أن نقول أنه كان له في هذا (4) أرب خاص، وهو تقريبها [أي المسيحية] من وثنيته، أو على الأقل عندما رجَّح رأي فريق كان يرجح ما هو أقرب إلى وثنيته، وأدنى إلى ما يعرفه من عقيدة، فلم تكن الحجة القوية في جانب ترجيحه على هذا الاعتبار، أو كان متهمًا في ترجيحه بناء على الاعتبار الأول، وسواء أكان هذا أم ذاك، فهو قد رجح ما هو أقرب إلى الوثنية لوثنيته» .

ويقول الندوي (5): «انتصر النصارى في ساحة القتال وانهزموا في معترك الأديان، ربحوا ملكًا عظيمًا، وخسروا دينًا جليلًا، لأن الوثنية الرومية مسخت دين المسيح (6)،

(1) هيلين إيليربي: الجانب المظلم في التاريخ المسيحي، ص (34).

(2)

تذكر المصادر التاريخية المعتمدة أن القس يوسابيوس النيقوميدي، الآريوسي المتشدد، أسقف القسطنطينية (ت. 341م) قد أثَّر على قسطنطين وعمَّده على عقيدة التوحيد الآريوسية قبل وفاته بوقت قصير في 22 مايو 337م. [انظر، موسوعة ويكيپيديا، مادة: Eusebius of Nicomedia].

(3)

محمد أبو زهرة: محاضرات في النصرانية، ص (121).

(4)

أي في اعتماده في مجمع نيقية عقيدة كنيسة الإسكندرية التثليثية الوثنية ونبذه لعقيدة التوحيد الآريوسية (والتي تعمَّد عليها قبيل وفاته كما ذكرنا)، والأمر بإحراق الكتب التي تخالف رأيه.

(5)

أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص (149 - 50) باختصار وتصرف يسير.

(6)

ولا يخفى دور شاءول/شاول Saul (ت. 64/ 65م) - الملقب بالقديس پولس الرسول - الرئيس في إفساد المسيحية الحقة التي أرسل الله تعالى بها عيسى عليه السلام ونقلها من عبادة الله وحده إلي تأليه المسيح وجعله ابنًا لله [انظر، أعمال الرسل 9: 20]؛ يقول مايكل هارت: «فالمسيحية لم (يؤسسها) شخص واحد، =

ص: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وإنما أقامها اثنان: المسيح عليه السلام والقديس پولس، ولذلك يجب أن يتقاسم شرف إنشائها هذان الرجلان. فالمسيح عليه السلام قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وكذلك نظرتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني، أما مبادئ اللاهوت فهي من صنع القديس پولس، فالمسيح هو صاحب الرسالة الروحية، ولكن القديس پولس أضاف إليها عبادة المسيح. كما أن القديس پولس ألَّف جانبًا كبيرًا من (العهد الجديد) وكان المبشِّر الأول للمسيحية في القرن الأول» اهـ[مايكل هارت: الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص (23 - 4). Michael H. Hart: The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History]. وشاول هو يهودي من فرقة الفريسيين ألد أعداء المسيح عليه السلام[انظر، أعمال 26: 5]، ولد في طرسوس، وكان ممن يضطهدون النصارى ويعذبونهم عذابًا شديدًا، وكان يروي ذلك عن نفسه فيقول:«واضطهدت مذهب يسوع حتى الموت، فاعتقلت الرجال والنساء فألقيتهم في السجون» [أعمال 22: 4] .. ثم يذكر أنه حينما كان يسير في طريقه متوجهًا إلى دمشق مطاردًا أتباع المسيح إذ سطع حوله فجأة نور باهر من السماء، فوقع على الأرض، وسمع صوتًا يقول: «يا شاول، يا شاول، لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، فقال له وهو مرتعب خائف: يا رب، ماذا تريد أن أعمل؟

» فأمره بأن يذهب ليكرِّز بالمسيحية (أي يبشِّر بها). [انظر، أعمال 9: 3 - 6، فصل بعنوان: (اهتداء شاول)!]. ولقد تنازع الناس بين كون پولس يهوديًا حاقدًا تظاهر بالنصرانية ليفسدها، وكونه متنصرًا متحمسًا ذا مواهب شخصية فذة لم يستطع أن يتخلص من آثار سابقة ولم يفقه دعوة المسيح وغاياتها؛ فيقول رحمة الله الهندي (1233 - 1308هـ):«پولس وإن كان عند أهل التثليث في رتبة الحواريين، لكنه غير مقبول عندنا ولا نعده من المؤمنين الصادقين، بل من المنافقين الكذابين ومعلمي الزور والرسل الخداعين، الذين ظهروا بالكثرة بعد عروج المسيح، وهو خرب الدين المسيحي، وأباح كل محرم لمعتقديه، وكان في ابتداء الأمر مؤذيًا للطبقة الأولى من المسيحيين جهرًا. لكنه لما رأى أن هذا الإيذاء الجهري لا ينفع نفعًا معتدًا به، دخل على سبيل النفاق في هذه الملة وادعى رسالة المسيح، وأظهر الزهد الظاهري. ففعل في هذا الحجاب ما فعل، وقبله أهل التثليث لأجل زهده الظاهري، ولأجل فراغ ذمتهم عن جميع التكاليف الشرعية» [رحمة الله الهندي: إظهار الحق (2/ 195)]، كذا يقول الإمام علي بن حزم رحمه الله (384 - 456هـ/994 - 1064م):«وفيما سمعنا علماءهم يذكرونه ولا يتناكرونه معنى أن أحبارهم الذين أخذوا عنهم دينهم والتوراة وكتب الأنبياء عليهم السلام اتفقوا على أن رشوا پولس البنياميني - لعنه الله - وأمروه بإظهار دين عيسى عليه السلام وأن يضل أتباعهم ويدخلهم إلى القول بإلاهيته وقالوا له: نحن [نتحمل] إثمك في هذا! ففعل وبلغ من ذلك حيث قد ظهر» [ابن حزم: الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِحَل (1/ 164)]، بل ويقول المؤرخ الأمريكي وِلّ ديورانت (1885 - 1981م):«وقد بقي پولس إلى آخر أيامه يهوديًا في عقله وخلقه» [ول ديورانت: قصة الحضارة (11/ 250). Will Durant: The Story of Civilization]، ويطرح الشيخ محمد أبو زهرة سؤالًا فيقول: «ولقد يعجب الذين درسوا الديانات وعرفوا أحوال رجالها، وأدوارهم، فيقولون: كيف ينتقل رجل من كفر بديانة إلى =

ص: 253

ولم تستطع هذه النصرانية الملقحة بالوثنية المشوهة أن تغير من سيرة الروم المنحطة وأن تبعث فيهم حياة جديدة، حياة دينية نقية طاهرة، بل إنها ابتدعت رهبانية (1)[كرد فعل معاكس] لعلها كانت شرًا على الإنسانية والمدنية من بهيمية رومة الوثنية» (2).

= اعتقاد شديد بها طفرة، من غير سابق تمهيد، ولكن العجب يزول إذا كان الانتقال مقصورًا على مجرد الانتقال من الكفر إلى الإيمان، فإن لذلك نظائر وأشباهًا، بل العجب كل العجب أن ينتقل شخص من الكفر المطلق بدين إلى الرسالة في الدين الذي كفر به، وناوأه وعاداه، فإن ذلك ليس له نظير وليس له مشابه، ولم يعهد ذلك في أنبياء ورسل قط، وهذه توراة اليهود وأسفار العهد القديم التي يؤمن بها المسيحيون كما رووها، وكما قالوها، ليذكروا لنا رسولًا بعث من غير أن يكون في حياته الأولى استعداد لتلقي الوحي، وصفاء نفس يجعله أهلًا للإلهام؟ ولا يجعل الاتهام والتكذيب يغلبان على رسالته، وأنه إذا لم يكن للرسالة إرهاصات قبل تلقيها، لا يكون على الأقل قبلها ما ينافيها ويناقضها، ولكن پولس أبو العجب استطاع أن يتغلب على ذلك العجب في عصره، وأن يفرض نفسه على المسيحيين من بعده، وأن يحملهم على نسيان العقل عندما يدرسون أقواله وآراءه وتعاليمه» اهـ[أبو زهرة: محاضرات في النصرانية، ص (73)] .. وعلى النقيض، فتذكر الأناجيل أن پولس قد أخلص لدعوته حتى ثار عليه يهود أورشليم وتآمروا على قتله [انظر، أعمال الرسل، الإصحاح 21 وما بعده]، أو كما يُنسب إلى بطرس قوله في حق پولس:«كما هي الحال في جميع رسائله التي تكلم فيها على هذه المسائل فوردت فيها أمور غامضة يحرِّفها الجهال وضعفاء النفوس، كما يفعلون في سائر الكتب المقدسة لهلاك نفوسهم» [رسالة بطرس الثانية 3: 16]. وخلاصة القول، فنقول كما قال الدكتور أحمد القاضي:«أيًا كان الأمر، فقد أحدث [پولس] شرخًا عظيمًا في مسيرة النصرانية، ونقلها نقلة واسعة من ديانة توحيدية إصلاحية موجهة إلى بني إسرائيل خاصة، إلى ديانة أمشاج صبت فيها ثقافات شتى، في محاولته الرامية لاستيعاب الأمم الأخرى، عبر صياغات عقدية دخيلة، بلغة تفهمها الأمم الوثنية» اهـ[د. أحمد القاضي: دعوة التقريب بين الأديان (1/ 94)].

(1)

قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد:27]. يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «وقوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} أي ابتدعتها أمة النصارى، {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله تعالى: {إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ} فيه قولان، أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل» اهـ[ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (8/ 29)].

(2)

وليس أدل على ذلك في عصرنا الحالي من الفضيحة التي فجرتها صحيفة الجارديان الإنجليزية في يوم =

ص: 254