الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حاخاماتهم منافقة الأغيار دفعًا للأذى، وقالوا:«إن النفاق جائز، وإن الإنسان (أي اليهودي) يمكنه أن يكون مؤدبًا مع الكافر ويدعي محبته كاذبًا إذا خاف وصول الأذى منه إليه» (1).
…
الجيتو اليهودي:
من الواضح أن سيطرة العقيدة المشَّيحانية على العقلية اليهودية والموقف العنصري تجاه الأغيار كانا من أهم العوامل التي أقامت سياجًا منيعًا في النفسية اليهودية حال بينها وبين غيرها، ترجم إلى واقع مادي في صورة ما عرف باسم (الجيتو) ..
والجيتو هو «الحي المقصور على إحدى الأقليات الدينية أو القومية. ولكن التسمية أصبحت مرتبطة أساسًا بأحياء اليهود في أوروپا. وللكلمة معنيان: عام وخاص. يعني الجيتو بالمعنى العام أي مكان يعيش فيه فقراء اليهود دون قسر من جانب الدولة، أو حي اليهود بشكل عام. ويعود تاريخ هذه الجيتوات إلى الإمپراطورية اليونانية والرومانية. أما الجيتو بالمعنى الخاص الذي أصبح شائعًا، فيعني المكان الذي يُفرَض على اليهود أن يعيشوا فيه، وقد استُخدمت الكلمة بهذا المعنى للإشارة إلى جيتو البندقية (عام
(1) انظر، د. يوسف نصر الله: الكنز المرصود في قواعد التلمود، ص (77).
(2)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (89) بتصرف يسير.
1516م). وأصل الكلمة غير معروف على وجه الدقة، فيُقال: إنها حي اليهود في البندقية نسبة إلى (فلجيتو Villgetto) أو (مصنع المدافع) الذي أقيم بجواره. ويُقال أيضًا: إن الكلمة مشتقة من الكلمة الألمانية (جهكتر أورت Geheckter Ort) التي تعني (المكان المحاط بالأسوار)، أو هي من الكلمة العبرية (جت) أو (جيط) بمعنى (الانفصال) أو (الطلاق) الواردة في التلمود. وربما كان أكثر الافتراضات قربًا من الواقع هو ذلك الذي يعود بالكلمة إلى لفظة (بورجيتو Borghetto) الإيطالية التي تعني القسم الصغير من المدينة (1).
ولقد تجمع اليهود بمحض إرادتهم في هذه الأحياء - قبل أن يجبروا على التجمع فيها قسرًا في بعض الأحيان - حتى يحافظوا على وحدتهم وعلى أسلوب حياتهم، فقد كانوا يعتبرون ذوبان اليهود في المجتمع خطرًا عظيمًا يعد بمثابة النذير بنهاية اليهودية، أو كما يُطلق عليه (الإبادة الصامتة Silent Holocaust).
ومما دعم الحاجة إلى الجيتو كذلك مجموعة الشعائر اليهودية الخاصة، مثل: قوانين الطعام، وتحريم الزواج المختلط، وعدم شرب خمر صنعها واحد من الأغيار، والختان، والنصاب اللازم لصلاة الجماعة، وعادات الدفن والمدافن، وشعائر السبت (2).
وفي دول شرق أوروپاعامة، وفي روسيا بصفة خاصة، فقد أُطلِق اصطلاح (منطقة الاستيطان اليهودي Pale of Settlement) على مناطق التجمع اليهودي هناك. ولم تأخذ هذه المنطقة شكل الجيتو الأوروپي الذي يقتصر على حي أو شارع في مؤخرة المدينة، ولكن كانت منطقة الاستيطان اليهودي في روسيا عبارة عن مجموعة من القرى أو المدن الصغيرة التي خصصت لكي يسكن فيها اليهود (3).
يقول الدكتور المسيري (4): «كان الجيتو كذلك وسيلة من وسائل الإدارة في غياب
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ الجيتو: تاريخ).
(2)
السابق، بتصرف.
(3)
د. سناء عبد اللطيف: الجيتو اليهودي، ص (22).
(4)
د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ الجيتو: تاريخ) بتصرف يسير.
نظام إداري مركزي قوي»، ولكن «يجب التنبيه إلى أنه لا يوجد مسار تاريخي واحد لظاهرة الجيتو، وخصوصًا بعد القرن الخامس عشر الميلادي مع بداية ظهور التشكيلات القومية الغربية المختلفة ومع اختلاف معدلات العلمنة والتحديث والثراء والفقر والصراع الطبقي فيها» اهـ (1).
ولو أردنا إلقاء نظرة سريعة على الحياة داخل الجيتو، نجد أن الجيتوات كانت «محاطة بأسوار عالية، ولها بوابات تغلق بالمزاليج ليلًا، ويُمنع اليهود من مغادرتها بعد منتصف الليل وفي أيام الآحاد وأعياد المسيحيين، وكانت هناك أحكام دقيقة أخرى تُغلق وتُفتح بمقتضاها هذه البوابات التي يحرسها حراس مسيحيون يتقاضون أجرًا من اليهود. وكانت حارات اليهود في أغلب الأحيان تقع في إحدى المناطق المجاورة أو في أقذر الأحياء وأحقرها داخل المدينة، وكانت شوارع هذه الأحياء ضيقة وغير ممهدة ومتعرجة، وتكثر فيها الحفر المملوءة بالقمامات والفضلات، كما كانت هذه الحارات موحلة في أغلب الأوقات بسبب عدم وجود مجاري في المنازل، ومن ناحية أخرى فقد اتسمت حارات الجيتو بالازدحام الشديد والضجيج المستمر، حيث يوجد الباعة المتجولون في كل مكان ينادون بأعلى صوت ليروِّجوا بضائعهم المحمولة على أكتافهم أو التي وضعوها على عربات اليد أو عربات الكارو التي تجرها الحيوانات، بالإضافة إلى النساء اللاتي يتجمعن بجانب الطرقات وعلى عتبات البيوت ليثرثرن ويحدثن ضوضاء شديدة، والأولاد الذين يتسكعون في شوارع الجيتو ويتبولون في الطرقات.
وكانت كثافة السكان عالية جدًا في أحياء الجيتو بسبب الزواج المبكر وزيادة التناسل. وعلى الرغم من الكثافة السكانية العالية، فإن الحكومات كانت تحدد مساحة معينة كي يقام عليها الجيتو (2)، ونظرًا لضيق هذه المساحة فقد كان امتداد المنازل يقام بشكل
(1) السابق، بتصرف يسير.
(2)
يذكر الكاتب اليهودي عاموس إيلون Amos Elon (1926 - 2009 م) أن «هذا الاكتظاظ لم يكن نتيجة الضغط الخارجي، ولكنه كان انكماشًا داخليًا، ربما كانوا ينكمشون خوفًا من الفضاء المترامي والخلاء الرهيب، وربما من عالم الغرباء» . [انظر، د. سناء عبد اللطيف: الجيتو اليهودي، ص (40)، نقلًا عن: الإسرائيليون، المؤسسون والأبناء The Israelis، Founders and Sons، لعاموس إيلون، ص (68)، مترجم عن العبرية، الهيئة العامة للاستعلامات، غير منشور].
رأسي، لذلك فقد تميزت مساكن الجيتو بارتفاعها غير العادي، وقد وصلت في بعض الأحيان إلى عشر طوابق، وكانت بالتالي شديدة الازدحام لدرجة أن أساس أغلب المنازل كان لا يحتمل زيادة عدد الأدوار، وكثيرًا ما كانت تنهار هذه المنازل فوق رءوس السكان، خاصة في احتفالات الزواج التي كانت تتحول إلى نُواح بعد انهيار المنازل التي لا تتحمل كثرة عدد المدعوين.
وأحيانًا كانت منازل اليهود في بعض أحياء الجيتو لها سراديب تحت الأرض، أعدها اليهود لكي يختبئوا فيها في حال الهجوم عليهم. أما عن الحجرات التي كان يعيش فيها اليهود في منازل الجيتو، فقد كانت غير صحية على الإطلاق، ورطبة وكريهة الرائحة، ذلك بسبب ارتفاع المنازل غير العادي في هذه الحارات الضيقة، والذي كان يحجب الشمس والهواء عن الحجرات، ويجعل أقبيتها رطبة. وكانت نوافذ الحجرات ليس لها زجاج، بل كان اليهودي يضع بدلًا منه قطعًا من خشب الأرضية أو الخرق.
واستخدم بعض اليهود حجراتهم كمكان للعمل والسكن معًا؛ ففي الصباح كانت تستخدم كُورَش، وفي المساء مكانًا للنوم» (1).
وكان القانون الداخلي الذي ينظم علاقات اليهود فيما بينهم (في الأمور الدينية والشخصية) هو التلمود. أما علاقات الجماعات اليهودية بعضها بالبعض الآخر، فكان ينظمها قانون تحريم الاستيطان. وكان الجيتو يتمتع بقسط وفير من الإدارة الذاتية، شأنه في هذا شأن كثير من المؤسسات في مجتمعات العصور الوسطى. فكانت تديره هيئة إدارية تصل أحيانًا إلى اثني عشر شخصًا، منتخبة في بعض الأحيان ومعينة في البعض الآخر، وإن كانت القيادات المنتخبة تنتمي إلى مجموعة من الأسر المحدودة. وكانت لهذه المؤسسة (القهال Kahal بين الأشكناز Ashkenazi Jews (2) ، والماهاماد Mahamad بين السفارد Sephardi Jews (3)) قوة تنفيذية ضخمة، فكانت تقوم
(1) د. سناء عبد اللطيف: الجيتو اليهودي، ص (26 - 9) باختصار وتصرف يسير.
(2)
وهم اليهود التي ترجع أصولهم إلى ألمانيا الشرقية.
(3)
وهم اليهود الشرقيون، تحديدًا القادمين من إسپانيا والپرتغال. أما اليهود المزراحيون Mizrahi Jews هم اليهود الشرقيون بالمعنى الحرفي؛ أي يهود الشرق الأوسط.
بإتمام عمليات الزواج والطلاق وتنفيذ العقوبات مثل الجلد والسجن (بل الإعدام في حالات نادرة). وكان من حق هذه المجالس أن تصدر قرارًا بالطرد من حظيرة الدين، وكان من حقها النظر في المنازعات بين اليهود والحكم في القضايا حسب الشريعة اليهودية. وكان أعضاء المجلس يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن سكان الجيتو بسبب صغر حجمه وقلة عددهم، ولذا كان من السهل التحكم فيهم.
وكان اليهودي يتلقى داخل الجيتو التأكيدات بأنه ينتمي إلى الشعب المقدَّس والشعب المختار وأن الجيتو ليس إلا وجودًا مؤقتًا يحفظ فيه الإله الأمة وروحها إلى أن يحين الحين ويشاء إعادة شعبه إلى أرضه المقدَّسة وحريته الكاملة، بل تصبح كل المعاناة والآلام التي يتحملها اليهودي خارج الجيتو من علامات الاختيار والتميز، وكلما زاد الاضطهاد زادت الساعة اقترابًا (1).
وكان جهل اليهود وحاخاماتهم - وهم القيادة الثقافية للجماعة - مزريًا جدًا؛ يقول إسرائيل شاحاك (2): «في معظم الأحوال كانت دراسة جميع اللغات محرمة تمامًا، كما كانت أيضًا محرمة دراسة الرياضيات والعلوم والجغرافيا والتاريخ (حتى التاريخ اليهودي كان مجهولًا)
…
بما في ذلك جغرافيا فلسطين وبالتأكيد موقعها، وهذا يظهر من خلال (قبلة) جميع الكنس اليهودية في دول مثل پولندا وروسيا، حيث يفترض أن يصلي اليهود باتجاه القدس، بل إن اليهود الأوروپيين الذين كانت لديهم فكرة غامضة عن موقع القدس، افترضوا أنها دائمًا باتجاه الشمال، في حين كانت في الواقع أقرب قليلًا من الجنوب».
ولقد حرص كل جيتو على الاحتفاظ باستقلاله والدفاع عن مصالحه تجاه الجيتوات
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ بنية الجيتو) باختصار.
(2)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (42) الهامش.
(3)
السابق، ص (44).
الأخرى، إذ كانوا يتنافسون فيما بينهم في المجالات نفسها ومن أجل المزايا نفسها التي يحصلون عليها من خلال المواثيق. ومن هنا كان لكل جيتو حق حظر الاستيطان، وهو حق منع أي يهودي آخر من القدوم إلى الجيتو والإقامة فيه إلا بإذن خاص ولمدة محددة ونظير أجر معيَّن (1).
وتجدر الإشارة كذلك إلى وجود اختلاف واضح بين المكانة الاجتماعية لكل من الغني والفقير داخل جدران الجيتو؛ فكان أغنياء اليهود هم الذين يقومون بالهيمنة على كل شئون الطائفة اليهودية، وكان موكلًا بهم النهوض بالأعباء المالية الملقاة على عاتق الجيتو، وفي مقدمتها جباية الضرائب التي كانت تفرضها الحكومة على اليهود ككل، بالإضافة إلى الهيمنة على المصاريف الداخلية المتمثلة في تكاليف الإنفاق على المعبد والمقابر وإعانات الفقراء ودفع أجور الموظفين.
ولم تكن نظرة مؤسسات السلطة تجاه التاجر اليهودي الغني مثل نظرتهم إلى اليهودي الفقير، فكانت الطبقة الفقيرة تعاني من المضايقات والأضرار مضاعفة من تلك التي شعر بها أغنياء اليهود، ويرجع ذلك إلى أن اليهود الأغنياء استطاعوا بسلطان المال أن يتقربوا إلى الحكام ليحصلوا على الإعفاء من تطبيق الكثير من القوانين (2). يؤكد هذا إسرائيل شاحاك بقوله (3):«ونلاحظ أن الطبقة الحاخامية كانت تتحالف مع اليهود الأثرياء في اضطهاد اليهود الفقراء من أجل مصالحهم الشخصية، إضافة إلى مصالح الدولة التي هي التاج والنبلاء» .
كذلك فإن العائلات اليهودية الواسعة الثراء استطاعت أن تتخطى أسوار الجيتو وأن تسكن في القصور الفاخرة في الأحياء الراقية من المدن (4).
كل ذلك أدى في نهاية الأمر إلى «تأصيل خاصية الحقد وكراهية الآخرين في كيان يهود الجيتو حتى أصبحت ضمن مكونات شخصياتهم، فامتلأت نفسياتهم بالحقد على
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ بنية الجيتو).
(2)
د. سناء عبد اللطيف: الجيتو اليهودي، ص (230 - 1) باختصار وتصرف يسير.
(3)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (91).
(4)
د. سناء عبد اللطيف: الجيتو اليهودي، ص (232 - 3) باختصار وتصرف يسير.