الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذنصر من الهيكل وجاء بها إلى بابل (1)، ولذا تحول قورش في الوجدان الديني اليهودي إلى المخلِّص، بل إلى كونه المسيح المنتظر (2).
وللعلم أنه قد رفض كثير من اليهود، وخصوصًا الأثرياء منهم، العودة إلى فلسطين بعد مرسوم قورش، حيث وجدوا أنفسهم في بابل بعيدين عن اضطهاد الإمپراطورية الرومانية الشرقية، واكتفوا بدفع مساعدات مالية للعائدين إلى فلسطين.
…
ورسولا إلى بني إسرائيل:
تتابعت الأنبياء والرسل على بني إسرائيل، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي» (3)، ولكنهم كعادتهم {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} (4).
وفي ظل الحكم الروماني للقدس أرسل الله تعالى آخر رسله إلى بني إسرائيل خاصة، وهو المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا
(1) انظر، عزرا 6: 3 - 5
(2)
انظر، أشعياء 45: 1 - 7
(3)
رواه مسلم، كتاب الإمارة: 1842
(4)
المائدة: 70
(5)
محمد خليفة التونسي: الخطر اليهودي، ص (74).
بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} (1).
ولقد أرسله الله عز وجل مبشرًا بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ورسول الله إلى الناس عامة: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (2).
ولقد أيد الله تعالى عيسى عليه السلام بالمعجزات آية لقومه، وحجة عليهم، قال عنه سبحانه:{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (3).
وجدير بالإشارة أنه لم يكن اتجاه معجزات المسيح عليه السلام اتجاهًا طبيًا في غالب الأمر نظرًا لانتشار الطب بين بني إسرائيل كما يشاع؛ يقول الدكتور أحمد شلبي (1915 - 2000م)(4): «إن الثابت أن معرفة بني إسرائيل بالطب كانت قليلة حينذاك وقبل ذاك
…
والذي نراه أن معجزات عيسى في صميمها تتفق مع طبيعة مولده، فمعجزاته من نوع مولده ترمي إلى إحياء الناحية الروحية وإقامة الدليل على وجود الروح، تلك التي أنكرها أكثر بني إسرائيل. فخلق شكل طير من الطين لا حَراك فيه، ثم النفخ فيه فيتحرك ويطير مع أن مادته لم يزد عليها شيء، معناه أن زيادة جديدة طرأت، وهذه الزيادة ليست مادية قط، فلا بد أن تكون روحية، وجسم الميت الذي لا يتحرك ولا يعي، يصبح بعد دعوة عيسى حيًا واعيًا دون زيادة مادية عليه، فمعنى ذلك وجود الروح» اهـ.
ولقد جاءهم عليه السلام ودعاهم إلى الأخلاق الفاضلة، وأراد أن يوجههم وجهة روحية، وأن يقلل تكالبهم على المال، ومثل هذه الدعوة لا تجد قلبًا سميعًا ولا تلاقي تأييدًا من
(1) المائدة: 46
(2)
الصف: 6
(3)
آل عمران: 49 - 51
(4)
د. أحمد شلبي: مقارنة الأديان/المسيحية، ص (66) باختصار.
يهود قال الله تعالى فيهم: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} (1).
واشتد ارتياب اليهود وغضبهم عندما شاهدوه يكتسح أمامه كل ما يعتزون به من ضمانات؛ إذ يُعلِّم الناس أن الله ليس من المساومين، وأن ليس هناك شعب مختار، وأن الله هو المحب لكل الأحياء، وأنه لا يستطيع اختصاص البعض بالرعايات عدم استطاعة الشمس ذلك مع الناس (2).
{فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ} (3)، وتآمرت الطائفة الكافرة على قتله، خاصة بعد أن وبخهم وأنبأهم بأن الله سيدمر لهم مدينتهم وهيكلهم بعد ما اتخذوه سوقًا للصرافة والتعامل بالربا، وملهى لسباق الحمام، ومعبدًا للأوثان، كما جاء في متَّى (4):«ودخل يسوع إلى هيكل الله، وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون في (الهيكل)، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، وقال لهم: مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص» .
ولكنه عليه السلام نبأهم بخراب (الهيكل)، ولم ينبئهم بإعادة بنائه مرة أخرى، كما فعل أنبياؤهم السابقون: «
…
فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل فقال لهم يسوع: أما تنظرون جميع هذه. الحق أقول لكم: إنه لا يُترك ههنا حجر على حجر لا يُنقض!» (5).
فلما أحس اليهود بالخطر يتهدد أنظمتهم وطقوسهم العفنة «أغروا به الحاكم الروماني. ولكن الرومانيين كانوا وثنيين ولم يكونوا على استعداد للدخول في الخلافات الدينية بين اليهود، ولم تكن دعوة المسيح التي أعلنها إلا إصلاحًا خلقيًا ودينيًا فلم تتصل دعوته بالسياسة، ولم تمس الحكومة من قريب أو من بعيد، ولذلك لم يستحق غضب الرومان. ولكن اليهود تتبعوا عيسى لعلهم يجدون منه سقطة تثير عليه غضب الرومان» (6).
(1) البقرة: 96، يقول هتلر: «
…
ولئن تكن غريزة حب البقاء عنده [أي اليهودي] أقوى منها في أي عرق آخر» اهـ[أدولف هتلر: كفاحي، ص (171)].
(2)
د. أحمد شلبي: مقارنة الأديان/المسيحية، ص (67، 100) بتصرف.
(3)
الصف: 14
(4)
متى 21: 12 - 13
(5)
متى 24: 1 - 2
(6)
د. أحمد شلبي: مقارنة الأديان/المسيحية، ص (67 - 8) بتصرف.
فلما لم يجدوا ما يُغضبوا به عليه الرومان تقوَّلوا عليه وكذبوا: «وأخذوا يتهمونه فيقولون وجدنا هذا الرجل يثير الفتنة في شعبنا ويمنعه من دفع الجزية إلى القيصر ويدَّعي أنه المسيح الملك» (1).
وبعد أن رفع الله تعالى المسيح عليه السلام أنزل اليهود والرومان الوثنيين بأتباعه أشد ألوان العذاب والاضطهاد، يقول أبو زهرة رحمه الله (4):«لم يكن اضطهاد المسيحيين - بعد رفع المسيح عليه السلام من الرومان فقط، بل كان من اليهود أيضًا، وأذاهم أمكن، وتنقيبهم عن العقيدة أدخل، لأنهم من الشعب ومخالطوهم ومعاشروهم، فهم بداخلهم أعرف» .
(1) لوقا 23: 2
(2)
برنابا: 210: 23 - 31
(3)
آل عمران: 54 - 57
(4)
محمد أبو زهرة: محاضرات في النصرانية، ص (31) بتصرف يسير.