الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ببعض الحقوق المحدودة كمواطنين إنجليز
…
وكان حظًا سعيدًا لليهود حين اختفى الكومنولث. ومنذ ذلك الحين لم يعد هناك قانون في الكتب كي يلغيه شارلز الثاني Charles II [1630 - 1685 م]، فجعل الأمور تمضي بتعقل كما كانت، وتجاهل طلبات إعادة طرد اليهود
…
وتواطأ مثل كرومويل، لاستغلال الوضع لصالحه. وتدريجيًا، وعلى مر مائتي عام، تزايد المجتمع اليهودي الشرقي، وعلى الرغم من وجود المعارضين، فقد تم التحرر الاجتماعي سلميًا شيئًا فشيئًا».
وتختم تخمان بقولها (1): «ومنذ وقت كرومويل، كان كل الاهتمام البريطاني بفلسطين مدفوعًا بهدف الربح التجاري أو الاستعماري، وبهدف ديني موروث من العهد القديم في نفس الوقت. وفي غياب كليهما، كما حدث في القرن الثامن عشر حين كان المناخ الديني باردًا بشكل ملاحظ، لم يتحقق شيء» اهـ.
…
الصهيونية منذ عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) إلى ظهور المسألتين اليهودية والشرقية:
تذهب باربرا تخمان في دراستها إلى أنه «في عصر الانشقاق في القرن الثامن عشر، ظهرت الأرستقراطية بدلًا من الپيوريتانية، وكان هذا العصر هو عصر الأرستقراطية والحرية، وحكم القانون، وغياب الإصلاح، عصر كلاسيكي بمعنى الكلمة من كل النواحي الأخلاقية والعقلية، وأبعد ما يكون عن العبرية» (2).
ذلك في حين ذهاب ريچينا الشريف إلى أن «الأفكار الصهيونية التي وضعها أشخاص غير يهود خلال القرن السادس عشر والتي ظهرت بشكل أكثر صراحة في إنجلترا الپيوريتانية في القرن السابع عشر اشتدت شوكتها في عهد ما يسمى بعصر العقل، على الرغم من المعارضة الرسمية لها
…
كذلك فإن القرن الثامن عشر لم يكن عصرًا كلاسيكيًا، منظمًا، مهذبًا، عقلانيًا بعيدًا عن الروح العبرية قدر الإمكان» (3).
(1) السابق (1/ 169).
(2)
السابق (2/ 7).
(3)
د. ريچينا الشريف: الصهيونية غير اليهودية، ص (52) بتصرف.
وفي هذه الحقبة أقام الأدب حيث ارتحلت العقيدة الدينية، وغدت أفكار العهد القديم أكثر مصادر الإلهام لفناني وشعراء العهد الجديد لا في إنجلترا فحسب، بل في القارة الأوروپية كذلك. ولدى دراسة هذا الأدب يتبين أنه عمل عن غير قصد على استمرار تعزيز الارتباط بين اليهود وفلسطين (3).
وفي هذه الحقبة كذلك تأججت روح الاستكشافات الجغرافية والتطلعات الإمپريالية الأوروپية، التي توجهت بأنظارها نحو الشرق بكنوزه وثرواته، والذي كان حينها في حوزة رجل أوروپاالمريض المشارف على الهلاك!
ومن القوى الأوروپية علت في هذا الوقت ثلاثة: البريطانية والفرنسية والروسية، «وكان الأمر الذي يقض مضاجع أوروپافي القرن التاسع عشر هو طموح روسيا للتقدم جنوبًا، وهي التي كانت تنتظر بفارغ الصبر في عهد نيكولا الأول Nicholas I
(1) السابق.
(2)
محمد حسنين هيكل: المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل (1/ 27).
(3)
د. ريچينا الشريف: الصهيونية غير اليهودية، ص (52 - 3، 58) باختصار وتصرف.
[1796 - 1855 م] سقوط الإمپراطورية العثمانية أملًا في أن يمهد ذلك لها الطريق للتوسع في اتجاه البلقان. ومع بداية القرن التاسع عشر كانت قوة روسيا في المنطقة تنذر بالخطر، لا بسبب وجود أسطولها في البحر الأسود فحسب، بل لأنها كانت قد احتلت بعض أراضي الإمپراطورية العثمانية على أثر سلسلة من الحروب (الروسية-التركية). فضلًا عن ذلك، فإن روسيا كانت قد حصلت على حق حماية مصالح جميع رعايا السلطان من الأرثوذكس» (1).
ولذلك كان عظيم الأثر في بروز فكرة البعث القومي اليهودي من جديد بقوة في الثقافة الغربية الأوروپية، خاصة أنه كان «أكثر الأوقات ملاءمة من الناحية السياسية؛ فخلال القرن التاسع عشر أصبح الوجود اليهودي في فلسطين، بغض النظر عن دلالاته النبوئية الدينية السابقة، ودلالاته في مناصرة النفعية والسامية، قضية سياسية بالنسبة للدول الأوروپية التي كانت تصبو إلى التوسع فيما وراء البحار، وإقامة الإمپراطوريات. وتم ربط الأفكار الدينية والإنسانية بذكاء مع السياسة الواقعية القائمة على الحصول على نفوذ في الشرق الأدنى أو تقويته. وأصبحت السلطات الدينية والدنيوية تتاجر بالأفكار الصهيونية، نظرًا لجدواها المحتملة في الوضع السياسي السائد. ووجدت فلسطين نفسها تدور فجأة في فلك السياسة الأوروپية وواقعة تحت قوى النفوذ المتصارعة للدول الرئيسة جميعًا (وهي فرنسا وبريطانيا وروسيا)، وكان ذلك تحت شعار (المسألة الشرقية The Eastern/Oriental Question)» (2) .
وكانت الكتلة اليهودية الأوروپية قد بلغ تعدادها في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي مليونًا وسبعمائة وخمسين ألفًا (من جملة مليونين ومائتين وخمسين ألفًا)(3)، مما جعل القوى السياسية الأوروپية تنظر إليها على أنها ثروة بشرية ثمينة من
(1) السابق، ص (79).
(2)
السابق، ص (78 - 9) بتصرف يسير. والمسألة الشرقية هي مسألة تتعلق بوجود العثمانيين المسلمين في أوروپاومحاولة الدول الأوروپية الكبرى طردهم منها وتصفية أملاكهم.
(3)
انظر، د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (3/ عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر)).