الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مروان أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة، وأما القتل، فما كان يظن أحد أنه يقع ولا أن هؤلاء يجترءون عليه إلى ما هذا حده حتى وقع ما وقع.
الثاني: أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم، ففعلوا فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية.
الثالث: أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة بل لما اقترب مجيئهم انتهزوا فرصتهم قبحهم الله وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم.
الرابع: أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبًا من ألفي مقاتل من الأبطال وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة.
الخامس: أن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان رضي الله عنه لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها وأحرقوا بابها وتسوروا عليه حتى قتلوه.
قال القاضي ابن العربي (468 - 543هـ)(1): «وأمر عثمان كله كان سُنَّة ماضية، وسيرة راضية، فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد» اهـ.
…
بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
-:
في تلك الظروف الدقيقة التي مرَّت بها الدولة الإسلامية إثر مقتل عثمان رضي الله عنه كان المسلمون في حاجة ماسة إلى خليفة يملأ الفراغ السياسي، فوقع الاختيار على عليٍّ رضي الله عنه، وكانت بيعته بيعة شرعية لا يسع أحدًا من المسلمين نكثُها، قال شيخ الإسلام
(1) ابن العربي: العواصم من القواصم، ص (138).
ولا يدور الإشكال هنا حول استحقاق علي رضي الله عنه الخلافة، فكلام شيخ الإسلام رحمه الله قد أغلق الباب في المسألة، ولو أن أحدًا طعن في ذلك لما صح انتسابه إلى السنة والجماعة. لكن الإشكال الذي نواجهه يدور حول سلوك بعض الباحثين من أهل السنة المسلك الرافضي الذي يخلط بين بيعة علي رضي الله عنه وبين قتال الفتنة الذي كان الخلاف حوله اجتهاديًا مصلحيًا تضاربت فيه الآراء بين الصحابة، وكان الإمساك عنه أولى وأحوط، وحقيقة أفجعني ما صرح به أحد المنتسبين إلى التيار الإسلامي إلى إحدى الصحف حيث قال (2): «ومن المستقر أيضًا في الفكر الذي ربيت عليه أن عليًّا كرَّم الله وجهه (3)
كان أصلح وأتقى من معاوية الذي اغتصب الخلافة، ثم حوَّل المسلمين إلى أدوات له ثم ملَّكهم لذريته الفاسدة وهذا تاريخ ثابت ..». وقبل ذلك بنحو ثلاث سنوات حرر أحد الصحافيين الأقزام ملفًا خاصًا بعنوان: (من عائشة أم المؤمنين إلى عثمان
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (4/ 438).
(2)
انظر، جريدة (المصري اليوم)، عدد السبت 11/ 4/2009م، والكلام للأستاذ يوسف ندا.
(3)
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: «وقد غلب هذا في عبارة كثير من النُّسَّاخ للكتب، أن يفرد علي رضي الله عنه، بأن يقال: عليه السلام، أو: كرَّم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يُسَاوى بين الصحابة في ذلك؛ فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان بن عفان أولى بذلك منه، رضي الله عنهم أجمعين» ـ[تفسير ابن كثير (6/ 478 - 9)]، وقد علَّق الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله على هذا بقوله: «وقد ساقه السَّفاريني [ت. 1188هـ، يقصد قول ابن كثير المتقدِّم] في (غذاء الألباب)[1/ 25] ثم قال: "قد ذاع ذلك وشاع، وملأ الطروس والأسماع. قال الأشياخ: وإنما خُصَّ علي رضي الله عنه بقول: كرَّم الله وجهه؛ لأنه ما سجد إلى صنم قَط، وهذا إن شاء الله لا بأس به، والله الموفق"اهـ. قلت: أما وقد اتخذَته الرافضة أعداء علي رضي الله عنه والعترة الطاهرة فلا؛ منعًا لمجاراة أهل البدع، والله أعلم. ولهم في ذلك تعليلات لا يصح منها شيء ومنها: لأنه لم يطَّلع على عورة أحد أصلًا، ومنها: لأنه لم يسجد لصنم قَط .. وهذا يشاركه فيه من وُلِدَ في الإسلام من الصحابة رضي الله عنهم، علمًا أن القول بأي تعليل لابد له من ذكر طريق الإثبات
…
وفي سياق بعض الأحاديث تجد قولهم: "كرَّم الله وجهه" عند ذكر علي رضي الله عنه، ولا نعرف هذا في شيء من المرفوع، ولا أنه من قول ذلك الصحابي، ولعله من النسَّاخ. والأمر يحتاج إلى الوقوف على النُسَخ الخَطِّية الأولى» اهـ[د. بكر أبو زيد: معجم المناهي اللفظية، ص (454 - 5) باختصار].