الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكثير من الحركات الهدامة، على اختلاف اتجاهاتها العقائدية والفكرية، فهو تصديق لقول الله جل جلاله:{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} (1)، ولقوله تعالى كذلك:{وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (2)، فهم يسعون في الأرض فسادًا، ولكن سعيهم شتَّى!
وإذا صحت الكثير من الوقائع التي يذكرها أصحاب الرؤى الاختزالية للتدليل على نظرياتهم، فكما يقول الدكتور المسيري (3):«ومعظم الحقائق التي يأتي بها الاختزاليون حقائق موضوعية ووقائع ثابتة حدثت تحت سمع الناس وبصرهم، فهم لا يختلقون الحقائق (في أغلب الأحيان) وإنما يجتزئونها، ولكن كثيرًا ما تكون الحقائق التي يذكرونها تافهة هامشية جزئية لا علاقة لها بالحقيقة الكلية (ولذا فهي تُسمَّى بالإنجليزية: True Lies أكاذيب حقيقية)، أي كلمة حق جزئي يُراد بها باطل كلي» اهـ.
…
الاستمرار اليهودي من منظور إسلامي:
نتفرع هنا إلى مسألة أخرى، وهي إشكالية (الاستمرار اليهودي من منظور إسلامي)، والتي يطرحها الدكتور المسيري في موسوعته، وقد نختلف معه فيها كثيرًا. ولكن نشير هنا فقط إلى ما يتعلق مباشرة بموضوعنا، وهو قوله في المجلد الرابع تحت عنوان (الاستمرار اليهودي: منظور إسلامي): «من المفاهيم الصهيونية المحورية مفهوم الاستمرار اليهودي، ويُقصَد به أن ثمة استمرارية في الصفات الأساسية (الثقافية والدينية بل والعرقية أحيانًا) التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية وتفصلهم عن غيرهم من الشعوب والجماعات. وانطلاقًا من هذه الاستمرارية يرى المؤمنون بها أن كلمة (يهودي) تشير إلى يهود العالم في الحاضر والماضي والمستقبل، وأن كلمة (يهودية) تشير إلى نظامهم العقدي، وكأن سمات اليهود الثقافية لم يطرأ عليها أي تَغيُّر جوهري، وكذلك
(1) المائدة: 64
(2)
المائدة: 32
(3)
د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (1/ النموذج الاختزالي والنموذج المركب).
موروثهم الديني. ونحن نرى أن مثل هذا التصور يتنافى تمامًا مع الواقع التاريخي ومع الرؤية الإسلامية، ويمكن أن نسجل الملاحظات الآتية
…
».
وكان من الملاحظات التي سجلها، أنه «من الواضح أن القرآن الكريم لا يفترض وجود استمرارية بين يهود العالم، ولذا وردت هذه المصطلحات غير المترادفة ليعبِّر كل مصطلح عن وضع زماني ومكاني مختلف. فالقرآن يُفرِّق تفرقة واضحة بين اليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية وتعامل المسلمون معهم في فترة البعثة المحمدية من جهة وبين بني إسرائيل من جهة أخرى. فمصطلح (بني إسرائيل) جاء مخصصًا للحديث عن يهود عصر موسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، ولم يُستخدَم هذا اللفظ تخصيصًا ليهود عصر البعثة المحمدية إلا في موضعين وهما:{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ} (1)، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (2).
وواضح أن في هذين الموضعين إحالة إلى موروثات قديمة يمكن أن يتناقلها اليهود، أيًا كانت أصولهم العرْقية، عن بني إسرائيل، أي يهود عصر موسى، الأمر الذي يفتح الباب لإمكانية توجيه الخطاب العام (اليهودي) بصفة الخاص (بنو إسرائيل) الذي هو مسئول مسئولية مباشرة عن هذه الموروثات
…
وقد كان يهود الجزيرة العربية منعزلين عن يهود العالم، وعن مراكز الدراسة التلمودية والفقهية في فلسطين وبابل، بل ويُقال إن يهود العالم آنذاك لم يكونوا يعتبرونهم يهودًا.
ومن هنا تكون التفرقة بين يهود عصر موسى ويهود المدينة، ومن هنا تكون ضرورة افتراض عدم وجود استمرار يهودي، فلا بد من التفرقة بين يهود الماضي من جهة ويهود العالم الحديث في أيامنا هذه من جهة أخرى، فالمجالان الدلاليان لكلمتي (يهودي) و (بني إسرائيل) كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث» اهـ.
وجوابًا أقول، مستعينًا بالله: لقد زخر القرآن الكريم بآيات واضحة صريحة دالة على وجود استمرارية بين يهود العالم قديمًا وحديثًا، منها قول الله تعالى:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (3)، فهذه واحدة.
أيضًا، فإن المتأمل في آيات الكتاب العزيز يلاحظ مخاطبة يهود المدينة بلسان حال
(1) البقرة: 211
(2)
النمل: 76
(3)
الأعراف: 167
قوم موسى عليه السلام، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله عز وجل:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} (1)، فهل يهود المدينة أنفسهم هم الذين قالوا لموسى أرنا الله جهرة؟ وهل هم الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم؟
وقوله جل جلاله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2)، فهل يهود المدينة أنفسهم هم الذين رُفِع فوقهم الطور؟
ومعلوم بالضرورة أن القرآن الكريم هو نفسه الذي يدعو به المسلمون غيرهم شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ} (3)، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (4).
ولذا، فكما قال السعدي رحمه الله (5):«والخطاب مع فرق بني إسرائيل الذين بالمدينة وما حولها، ويدخل فيهم من أتى بعدهم، فأمَرَهم بأمر عام» اهـ.
يقول الدكتور عبد العزيز مصطفى كامل (6): «لم يكن من قبيل المصادفة تحذير القرآن الكريم من عداوة اليهود ووضعهم في مقدمة صفوف أعداء المؤمنين في قول الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} (7)، ولم يكن مصادفة كذلك حديث القرآن المتكاثر عن هذا الصنف من الناس بهذا الشكل اللافت؛ حيث شغل الكلام عن بني إسرائيل واليهود حيزًا كبيرًا في التنزيل الحكيم مكيِّه ومدنيِّه؛ بحيث ورد ذكرهم تصريحًا أو تلميحًا ومسهبًا أو مقتضبًا في نحو خمسين سورة من مجموع المائة والأربع عشرة سورة من سور القرآن.
نعم، لم يكن ذلك كذلك قط، فباليقين هناك سر بل أسرار، وبالحتم ثمة حكمة بل حِكَم من وراء استحواذ اليهود على كل ذلك الاهتمام، تحذيرًا وتنبيهًا، وتوضيحًا وتفصيلًا. ولقد كانت الأحداث المتتابعة أثناء عهد تنزيل الوحي كفيلة بكشف أسرار كثيرة، وسبر أغوار عميقة جديرة بأن نقف أمامها طويلًا. فما كاد العهد المكي ينقضي إلا ويجيء العهد المدني كاشفًا بمرور أيامه عن جوانبه الحقيقية، حقيقة العداء اليهودي المتأصل للإسلام وأهله» اهـ.
(1) البقرة: 55
(2)
البقرة: 63
(3)
الأنعام: 34
(4)
الحجر: 9
(5)
تفسير السعدي، ص (41)، تفسير الآية 40 من سورة البقرة.
(6)
د. عبد العزيز مصطفى كامل: قبل الكارثة، نذير ونفير، ص (25).
(7)
المائدة: 82
أضف إلى ذلك أنه ليس من قبيل المصادفة - وحاشاه - ذكر الله تعالى لليهود في فاتحة الكتاب التي نكررها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على أقل تقدير، والتعريف بأنهم:{المَغضُوبِ عَلَيهِمْ} (1)، كما أخرج الترمذي من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه (2)، {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (3).
ولذا، فالرأي هو: أن قول الله تعالى الذي استدل به الدكتور المسيري: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} (4)، وقوله عز وجل:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (5) مع ما تقدم من آيات يرُد قوله: «فالمجالان الدلاليان لكلمتي (يهودي) و (بني إسرائيل) كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث» . وليس حديث الفِرَقُ منا ببعيد؛ فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (6)، لم يخرج السبعين فرقة اليهودية النارية من كونهم يهودًا بالمعنى العام للكلمة (7)،
ولذا فعند القول بوجود يهودي أصولي
(1) الفاتحة: 7
(2)
عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضُلَاّل» . [رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن: 2954، وصححه الألباني].
(3)
الأنعام: 55
(4)
البقرة: 211
(5)
النمل: 76
(6)
رواه أبو داود، كتاب السنة: 4596، 4597، والترمذي، كتاب الإيمان: 2640، 2641، وصححه الألباني. ولما سُئِلَ صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية قال:«ما أنا عليه وأصحابي» .
(7)
فائدة: الفرقة الناجية اليهودية والنصرانية والإسلامية - كما في الحديث - هي كلها فرق مسلمة موحدة داخلة تحت قول الله تعالى العام: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] وإن اختلفت شرائعها .. ولكن شرط النجاة هو الاستقامة على أمر الله كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [المائدة: 68]، وكذلك قال الله جل جلاله:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، فإذا تحقق في العبد شرط الإيمان بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فهو من المسلمين المقبولين عند الله تعالى، سواء أكان من أتباع موسى أو عيسى أو محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين. ومن الإيمان بالله الإيمان بكل أنبيائه ورسله، وعلى رأسهم خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فمن يكفر بأحدهم كمن كفر بهم جميعًا، قال تعالى:{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123]، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150 - 151]، وقد قال تعالى فيمن أدرك بعثة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].