المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الخصائص الفكرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه والملاحظ عليها: - حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

[عمرو كامل عمر]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة بقلم الدكتور محمد بن موسى الشريف

- ‌تعقيب

- ‌{مقدمة المؤلف}

- ‌الباب الأول حصان رومي

- ‌الفصل الأول: المسلك المختار لدعوة الحوار

- ‌الاتجاه الأول (وحدة الأديان):

- ‌الاتجاه الثاني (توحيد الأديان):

- ‌الاتجاه الثالث (التقريب بين الأديان):

- ‌الخصائص الفكرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه والملاحظ عليها:

- ‌مفهوم التقريب لدى مجلس الكنائس العالمي:

- ‌الدولة الفاطمية الثانية:

- ‌تأييد آية الله التسخيري:

- ‌دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بين الماضي والحاضر:

- ‌تجارب فردية للتقريب حفظها لنا التاريخ:

- ‌1 - مصطفى السباعي:

- ‌2 - محمد رشيد رضا:

- ‌3 - علماء السعودية في عهد الملك فيصل:

- ‌4 - محمد الأمين الشنقيطي:

- ‌5 - يوسف القرضاوي:

- ‌دافعي لبحث مسألة التشيع:

- ‌الفصل الثاني: بين أوربانية الماضي والحاضر

- ‌فتح القسطنطينية وتبعاته:

- ‌اختلال موازين القوى الغربية بين ضفتي الأطلسي:

- ‌الارتباك الفكري يهدد القيادة الأمريكية للنظام العالمي الجديد:

- ‌العالم من الثنائية إلى الأحادية القطبية:

- ‌زوال (الخطر الأحمر) وظهور (الخطر الأخضر):

- ‌صمويل هنتجتون يتقدم:

- ‌نظرة على علاقة المجتمع الغربي المعاصر بالإسلام:

- ‌هل المجتمع الغربي علماني أم مسيحي

- ‌غزوة مانهاتن

- ‌عودة إلى ساحة التنظير السياسي:

- ‌أوربان الأمريكي يعلن حربًا صليبية جديدة:

- ‌حرب العراق:

- ‌فرصة ذهبية:

- ‌بلاكووتر والاتحاد الكاثوليكي الپروتستانتي:

- ‌تعديل في المسار:

- ‌حرب الأفكار: معركة القلوب والعقول:

- ‌شيريل بينارد و (الإسلام المدني الديمقراطي):

- ‌توماس فريدمان و (حرب الأفكار):

- ‌أندرو ترنبُل و (عملية المنافسة):

- ‌أنچل راباسا و (بناء شبكات إسلامية معتدلة):

- ‌الفصل الثالث: الصهيونية، رؤية مغايرة

- ‌{مدخل}

- ‌الاستمرار اليهودي من منظور إسلامي:

- ‌پروتوكولات حكماء صهيون:

- ‌{الصهيونية .. رؤية مغايرة}

- ‌اصطفاء مشروط لبني إسرائيل:

- ‌وعد أولاهما:

- ‌ورسولا إلى بني إسرائيل:

- ‌وعد الآخرة:

- ‌فائدة:

- ‌يهود الدياسپورا:

- ‌نظرة على المجتمعات اليهودية الأوروپية من الداخل:

- ‌العقيدة المشَّيحانية Messianism:

- ‌علاقة اليهود بالأغيار:

- ‌الجيتو اليهودي:

- ‌واقع العلاقة بين اليهود والنصارى في المجتمعات الأوروپية:

- ‌الصَدْع اللوثري:

- ‌ورهبانية ابتدعوها:

- ‌الكنيسة تجني أرباحًا كبيرة:

- ‌صراع الأباطرة والبابوات:

- ‌تسرب مظاهر الضعف والانحراف إلى المراكز الدينية:

- ‌مهزلة صكوك الغفران:

- ‌عصر الإصلاح الكنسي: جيرولامو سافونارولا:

- ‌مارتن لوثر: ترجمة:

- ‌مارتن لوثر واليهود:

- ‌أفكار لوثر أحدثت ثغرًا لا يزال يتسع حتى اليوم:

- ‌المجتمع النصراني الغربي في بداية عصر النهضة: بداية التزوير التاريخي:

- ‌ظهور أول أثر أدبي مطبوع عن التفكر في العصر الألفي السعيد:

- ‌يوحنا وابن عازر كارترايت وإعادة اليهود إلى إنجلترا:

- ‌مناسح بن إسرائيل و (أمل إسرائيل):

- ‌الصهيونية منذ عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) إلى ظهور المسألتين اليهودية والشرقية:

- ‌بوناپارت وتلاقي المسألتين اليهودية والشرقية:

- ‌إنجلترا تتلقف الراية:

- ‌جذور المسألة اليهودية:

- ‌ونعود إلى إنجلترا

- ‌لورد پالمرستون الثالث:

- ‌كانت الأهداف الثلاثة على النحو التالي:

- ‌حلقة الوصل بين الصهيونيتين (اليهودية وغير اليهودية): بنيامين زئيف:

- ‌هرتزل: ترجمة:

- ‌الموقف اليهودي الأرثوذكسي تجاه (البدعة) الصهيونية:

- ‌المرحلة البلفورية:

- ‌الصهيونية والنازية، وفاق أم شقاق

- ‌أمريكا تتلقف الراية:

- ‌الصهيونية في أمريكا: نبذة تاريخية:

- ‌ثلاثة مؤشرات (1948 - 1967

- ‌نظرة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي:

- ‌قضية تامارين:

- ‌الموقف حيال يشوع والجيش الإسرائيلي

- ‌الموقف حيال القتل الجماعي

- ‌زواج مصالح…ولكن

- ‌العلاقة (الأمريكية-الإسرائيلية) أشبه بالزواج الكاثوليكي:

- ‌اللوبي الإسرائيلي وتأثيره في قرارات الولايات المتحدة:

- ‌الباب الثاني حصان فارسي

- ‌الفصل الأول: تشيع أم رفض؟ وقفة تاريخية تأصيلية

- ‌أيُكسَر الباب أم يُفتَح

- ‌حقيقة موقف كعب الأحبار من مقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه

- ‌جذور البلاء:

- ‌القذيفة الأولى:

- ‌بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌وهذه المسائل الأربعة هي:

- ‌ أولًا: تدوين التاريخ

- ‌ثانيًا: عدالة الصحابة:

- ‌تعريف الصحابي:

- ‌طبقات الصحابة:

- ‌عدالة الصحابة:

- ‌عقيدتنا في الصحابة:

- ‌حكم سب الصحابة:

- ‌ثالثًا: حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما:

- ‌وقعة الجمل (36ه

- ‌معركة صِفِّين (37ه

- ‌قضية التحكيم (37 ه

- ‌رابعًا: موقف أهل السنة والجماعة من الفتنة:

- ‌عودة إلى البدء: استمالة السبئية لشيعة علي رضي الله عنه

- ‌ولكن من هم (الشيعة الأولى)

- ‌تبرؤ شيعي:

- ‌عام الجماعة (41ه

- ‌مناقب أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه

- ‌الشيعة بعد عام الجماعة:

- ‌وفاة أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وخلافة يزيد:

- ‌ولماذا أوصى معاوية رضي الله عنه لابنه يزيد بالخلافة

- ‌موقف أهل السنة من يزيد بن معاوية:

- ‌رأي الإمام ابن تيمية في خروج الحسين رضي الله عنه

- ‌جيش التوابين:

- ‌أسباب فشل حركة التوابين:

- ‌في ثقيف كذاب ومبير:

- ‌انحراف عقدي:

- ‌مع الاثني عشرية:

- ‌وبداية: متى كانت بداية ظهورهم

- ‌الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه

- ‌الأصابع الخفية المؤسسة لعقيدة الشيعة الإمامية:

- ‌الفصل الثاني: عقيدة أهل المذهب الفقهي الخامس

- ‌«والأدلة على بطلان مذهب الرافضة لا تُحصى إلا بالمشقة، ألا فليدخلوا في الإسلام!» [الحذيفي]

- ‌عقيدة الإمامة:

- ‌أصل عقيدة الإمامة:

- ‌ولماذا اثنا عشر إمامًا

- ‌اعتقاد الرافضة في أئمتهم:

- ‌مغالطات واضحة:

- ‌المتتبع لسلسلة الأئمة يلاحظ الآتي:

- ‌حيرة

- ‌ولماذا اختفى

- ‌في السرداب:

- ‌كم مدة غيبته

- ‌وعرفت هذه بالغيبة الكبرى

- ‌الثورة الخمينية وولاية الفقيه:

- ‌أولًا: بيان رابطة العالم الإسلامي:

- ‌ثانيًا: بيان مفتي جمهورية تونس الحبيب بلخوجة:

- ‌ثالثًا: فتوى علماء المغرب:

- ‌رابعًا: بيان رابطة العلماء في العراق:

- ‌خامسًا: فتوى الشيخ الألباني:

- ‌متى تكون التقية

- ‌التقية عند الرافضة:

- ‌واقرأ معي هذه النصوص:

- ‌عقيدة البداء:

- ‌من أقوال الرافضة في البداء:

- ‌عقيدة الرافضة في القرآن:

- ‌عقيدة الطينة:

- ‌واقرأ معي هذه النصوص:

- ‌عقيدة الرافضة في أهل السنة:

- ‌اعتقاد أهل السنة في آل البيت رضي الله عنهم

- ‌ثناء آل البيت على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين:

- ‌وماذا عن باقي الأئمة آل البيت رحمهم الله

- ‌بل أنتم الناصبة

- ‌واقرأ معي هذه النصوص:

- ‌موافقة الرافضة اليهود في استباحة دم المخالف:

- ‌عقيدة الرجعة:

- ‌من الراجعون

- ‌وما مهام المهدي الراجع

- ‌إباحة الرافضة زواج المتعة:

- ‌من أدلة تحريم المتعة:

- ‌نظرية الخُمس:

- ‌الخمس عند الرافضة:

- ‌من أقوال علماء أهل السنَّة في الرافضة:

- ‌الفصل الثالث: شبهات وردودها

- ‌الشبهة الأولى: حديث الغدير:

- ‌الشبهة الثانية: حادثة فَدَك والإرث:

- ‌الشبهة الثالثة: آية المودة:

- ‌الشبهة الرابعة: آية التطهير:

- ‌الشبهة الخامسة: آية الولاية:

- ‌الشبهة السادسة: حديث المنزلة:

- ‌الشبهة السابعة: «علي مني وأنا من علي»:

- ‌الشبهة الثامنة: «يا رب أصحابي

- ‌الشبهة التاسعة: آية الفتح:

- ‌الشبهة العاشرة: في صلح الحديبية:

- ‌الشبهة الحادية عشرة: «إنكن صواحب يوسف»:

- ‌الشبهة الثانية عشرة: «هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده»:

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌الخصائص الفكرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه والملاحظ عليها:

‌الاتجاه الثالث (التقريب بين الأديان):

وهو الاتجاه الأعم من حيث الدلالة، كما أنه الاتجاه السائد من حيث التطبيق؛ فهو يمثل معظم المحاولات العالمية والإقليمية والمحلية لإيجاد تواصل، وبناء علاقات بين مختلف الأديان والملل.

وعبارة (التقريب بين الأديان) - في ذاتها - هي عبارة مطاطية وحمَّالة للأوجه، لا تحمل مدلولًا اصطلاحيًا محددًا، فضلًا أن تكون ذات حقيقة شرعية ثابتة؛ فلفظ (التقريب) أو (التقارب Rapprochement) يدل على مسألة نسبية هي (القرب)، تتفاوت في حقيقتها وتطبيقاتها لدى مختلف الأطراف، بل وفي نظرة كل طرفٍ على حدة، في فترة زمنية معينة، فقد تقتصر على حدٍ أدنى من المجاملات الشكلية، وقد توغل في الاقتراب إلى درجة الاندماج والوحدة وسقوط الفوارق، وبين هذا وذاك مراتب عديدة.

‌الخصائص الفكرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه والملاحظ عليها:

ويقوم هذا الاتجاه التقريبي على خصائص فكرية تتلخص في النقاط التالية:

- اعتقاد إيمان الطرف الآخر، وإن لم يبلغ الإيمان التام الذي يعتقده هو.

- نبذ ما يقوم به أرباب (الالتقاطية) و (التلفيقية) من جمع عناصر من مختلف الأديان أو محاولة حمل بعضها على بعض للوصول إلى وضع موحَّد.

- الاعتراف بالآخر، واحترام عقائده وشعائره، ورفع الأحكام المسبقة.

أما من الناحية المنهجية، فيعتمد الأساليب التالية:

- الدعوة إلى التعرف على الآخر كما يريد أن يُعرَف.

- تجنب البحث في المسائل العقدية الشائكة.

- نسيان الماضي التاريخي، والاعتذار عن أخطائه، ومحاولة التخلص من آثاره.

- إبراز أوجه التشابه والاتفاق، وإقصاء أوجه الاختلاف والافتراق.

- التعاون على تحقيق القيم المشتركة.

ص: 36

- تبادل التهاني والزيارات والمجاملات في المناسبات الدينية المختلفة (1).

وعند إمعان النظر في هذه البنود وقراءة ما وراء سطورها ثم النظر إلى تطبيقاتها العملية في الواقع المشاهد نجد ما يدعو للشك والارتياب بل والطعن في حسن النية! وذلك - فيما رأيت - لأربعة أمور رئيسة:

الأول: هو أن ما تدعو إليه البنود إجمالًا من (الاعتراف بالآخر) فيما يخص الجانب العقدي، إضافة إلى تجنب البحث في المسائل العقدية الشائكة، فهذا قد حث عليه باعث خفي لدى القوم لانتزاع اعتراف ضمني من المسلمين بصحة دينهم، وهذا لا يستقيم بحال مع قول الله تعالى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (2)، بل له أبلغ الأثر في صد النصارى واليهود عن سبيل الله، وفيه تعطيل لما توظفت به هذه الأمة من وظيفة الإبلاغ عن الله؛ والتي ذهب العلماء إلى أنها (الأصل) في علاقة المسلمين بغيرهم، ودليل ذلك رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، وقول ابن عباس رضي الله عنه:«ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط إلا دعاهم» (3)، بل وهي مكمن الخيرية التي أخبر الله تعالى عنها في قوله:{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} (4). وهذا الباعث ما تقوَّى لدى القوم إلا بسبب ما هو مشاهد من انتشار لدين الإسلام في ديارهم سلمًا، لا عنوة كما يُشبِّهون على الناس!

وقد لام صاحب الظلال رحمه الله على المنجرفين وراء هذا التيار فقال (5): «إن الدين الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الدين عند الله، والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي. أما هؤلاء، فيحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم الذي يقرر أن الله لا يقبل دينًا إلا الإسلام، وأن على المسلم أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلًا، ولا يقبل فيه تعديلًا - ولو طفيفًا - قال تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ} (6)، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (7). والإسلام قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب كما

(1) انظر السابق (1/ 335 - 6).

(2)

سبأ: 24

(3)

رواه أحمد في مسنده (1/ 236)، وقال شعيب:«صحيح» .

(4)

آل عمران: 110

(5)

سيد قطب: في ظلال القرآن (2/ 909 - 15) باختصار.

(6)

آل عمران: 19

(7)

آل عمران: 85

ص: 37

جاء ليصحح اعتقادات المشركين والوثنيين سواء، ودعاهم إلى الإسلام جميعًا لأن هذا هو الدين الذي لا يقبل الله غيره من الناس جميعًا، والمسلم مكلف أن يدعو أهل الكتاب إلى الإسلام، كما يدعو الملحدين والوثنيين سواء، وهو غير مأذون في أن يكره أحد من هؤلاء ولا هؤلاء على الإسلام، لأن العقائد لا تنشأ في الضمائر بالإكراه، فالإكراه في الدين فوق أنه منهي عنه، هو كذلك لا ثمرة له» اهـ (1).

بل وكما استقر عند المسلمين بداهة أن أهم القضايا التي يجادلون فيها أهل الكتاب هي قضية التوحيد المطلق لله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ونبذ مظاهر الشرك وعبودية ما سوى الله تعالى، أي قضية (العودة إلى الأصل)؛ فكما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة جل جلاله:«وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهُم أن يشركوا بي ما لم أنْزِل به سلطانًا» (2). والعمدة في هذا الجدل الشرعي الصحيح قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (3). ولكن - كما يقول الدكتور القاضي (4) - «دعاة الحوار الحديث يريدون تنحية هذه القضية الأساسية وتحاشيها، لأن الحوار فيها يفسد الحوار، وهكذا يصبح الحوار غاية لا وسيلة. وفضلًا عن ذلك هو غاية غير واضحة يخبط المتحاورون فيه في التيه، بحرية ومغامرة لا يدرون إلى أين ينتهون» اهـ.

(1) فائدة: أما الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله (164 - 241هـ) عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: أسلِم! قال: إني أجدني كارهًا. قال: وإن كنت كارهًا» [المسند (3/ 109)]، ففيه يقول الدكتور محمد يسري إبراهيم:«إنه حديث صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يُكرِهْهُ النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة، فقال له أسلِم وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص» اهـ. [د. محمد يسري: الجامع في شرح الأربعين النووية (1/ 386)].

(2)

رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: 2865

(3)

آل عمران: 64

(4)

د. أحمد القاضي: دعوة التقريب بين الأديان (1/ 430).

ص: 38

أما الأمر الثاني: فهو ما يؤدي إليه إعمال هذه البنود من فَصْم لعُرَى الإيمان؛ فلقد أخبر ربنا جل جلاله أن أوثق عرى الإيمان هي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وذلك في قوله تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا} (1)، بل وكما فصَّل رسوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه الطبراني (260 - 360هـ) أن «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (2)، فلا ريب أن إعمال هذه البنود على وجهها يؤدي - ولا بد - إلى محو حاجز الولاء والبراء الدقيق الفاصل، وهذا خطر عظيم!

وللدكتور صلاح الصاوي كلام نفيس في هذا الباب فيقول (3): «إذا كان المقصود بالحوار بسط قضية الإسلام فهذا مما تعبد الله به عباده في جميع الأطوار والأحوال، سواء كانت الأمة في حالة انتصار أم في حالة انكسار. فنحن أمة دعوة ورسالة نبلغها لغيرنا من الناس في جميع أطوارنا، وفي جميع أحوالنا، فلا خلاف على بسط قضايانا، والدفاع عنها، وحشد الأدلة لإثباتها في أي طور، وعلى أية حالة كنا، فهذا القدر من المحكم يكمله أيضًا ألا ينكسر حاجز الولاء والبراء الذي أقامته الشريعة وجعلته أساسًا في التعامل بين المسلم وغير المسلم.

وقضية الولاء والبراء من القواعد المحكمة في دين المسلمين، وقد وردت فيها عشرات الآيات والأحاديث، وفي أزمنة الانكسار يرق هذا الحاجز ويضعف ويحدث فقه التبرير الذي تنشئه عوامل الوهن التي تمر بها الأمة من ناحية، ومفاهيم الاختراق الوافدة من ناحية أخرى

وإذا كنا لا نستطيع أن نقدم شيئًا لديننا في عالم القوة المادية فلا أقل من أن نحافظ على نقائه وصفائه، ونورثه نقيًا متكاملًا للجيل القادم فعسى أن يفتح الله على أبنائنا فيما فشلنا نحن فيه. أما أن ننكسر على مستوى المفاهيم فهذه خيانة عظمى للإسلام وللحقيقة المجردة.

لكن من ناحية السلوك العملي فنحن نفرق بين الولاء والمداراة، فالتسامح موجود

(1) البقرة: 256

(2)

رواه الطبراني في (المعجم الكبير)(11/ 215)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع): 2539

(3)

من مقال له بعنوان: لا بديل عن سلفية المنهج وعصرية المواجهة، نشره موقع (مفكرة الإسلام)، بتاريخ الأربعاء 29/ 8/2007م. www.islammemo.cc

ص: 39

للمسلمين ولغيرهم، والمداراة يلجأ إليها الناس حينما يكونون في حالة ضعف وانكسار، وطبيعي حينما أكون ضعيفًا ومنكسرًا ألا تطلب مني أن أتصرف باعتباري قويًا ومتمكنًا. وعندما تكون الأمور على هذا النحو فمنطق التسامح والتآلف وارد، ومنطق الدعوة والاستماتة في الدفاع عن قضية الإسلام وفي بسط حججه وفي دحض شبهات وأباطيل خصومه وارد وهام.

وعمومًا فإن علاقتنا بالغرب وبغير المسلمين علاقة دعوة وعلاقة بلاغ، ونحن أمة دعوة ورسالة، ونحن أصحاب الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وقد نسخت الأديان كلها، ونحن نمسك بأيدينا المصحف الذي حماه الله من التحريف والتبديل، على حين حرفت الكتب السماوية كلها، فلم يبق على الأرض وحي معصوم إلا القرآن والسنة. ولم يبق دين يقبله الله ويرتضيه لعباده إلا الإسلام، فبقدر جسامة هذا الموقع وهذه المسئولية ينبغي أن تكون أمانة الدعوة، وأمانة البلاغ مع المحافظة على عقيدة الولاء والبراء حتى لا تنكسر هذه الأمة على ما فيها من انكسار، وحتى لا تذوب هويتها في معترك الأفكار والسياسات» اهـ.

أما الأمر الثالث: فهو لأمر كوني قدري مسلَّم به ابتداءً، وهو أنه مهما بلغت بالقوم درجة التسامح والتعايش السلمي في عصر ثقافة السلام المشبوهة، فهو أمر محدود بقول الله تعالى:{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (1)، وقوله عز وجل:{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء} (2)، وقوله تعالى أيضًا:{يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ} (3)، بل وقوله جل جلاله:{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (4) وغير ذلك، بل ومحدود كذلك بما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم عما سيقع في آخر الزمان من الفتن والملاحم.

ولكن أود هنا الإشارة إلى أن كون هذا (التصادم) أمرًا حتميًّا مقضيًّا فيه لا يتنافى مع كون الأصل في العلاقة بغير المسلمين هي السلم لا الحرب، وهذا ما تطمئن النفس إلى قبوله من قولي أهل العلم (5)؛ فلقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله

(1) البقرة: 120

(2)

النساء: 89

(3)

التوبة: 8

(4)

البقرة: 217

(5)

انظر في ذلك مقالة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل، بعنوان: هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم أم الحرب؟، نشرها موقع علماء الشريعة، ملف: فقه الأقليات. www.olamaashareah.net

ص: 40

العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (1)، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو، وهذا يدل - كما يذكر الشيخ عبد الرحمن العقل (2) - «على أن حالة الحرب حالة طارئة، لا يشرع للمسلم أن يتمناها إلا إذا قامت أسبابها، وتوافرت دواعيها» .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (3)، أي إن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه» (4).

ومن الأدلة القرآنية على ذلك قول الله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (5)، وفيه يقول السعدي رحمه الله (1307 - 1376هـ) (6):«أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلًا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة، منها: أن طلب العافية مطلوب في كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم» اهـ.

ولقد قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله (224 - 310هـ)(7): «فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة ولا عقل. وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائن ناسخًا.

وقول الله في براءة: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (8)، غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله:{وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} ، لأن قوله:{وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} ، إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودًا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ،

(1) رواه مسلم، كتاب الجهاد: 1742

(2)

انظر المقالة المشار إليها سابقًا.

(3)

البقرة: 217

(4)

ثم يقول رحمه الله: «ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، يعاقب بما لا يعاقب الساكت» اهـ. [ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/ 355)].

(5)

الأنفال: 61

(6)

عبد الرحمن بن ناصر السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص (359).

(7)

تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)(14/ 42 - 3).

(8)

التوبة: 5

ص: 41

فإنما عُني به مشركو العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم. فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه» اهـ (1).

ولكن اللافت للنظر أن هذه الآية تأتي تالية لقوله جل شأنه: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (2)، ومحل الشاهد هو أن الجنوح للسلم لم يتعارض مع إعداد المستطاع من قوة (رادعة) مانعة من تحرش العدو، وتأمل قوله عز وجل في الآية:{وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ} ، فكيف يكون الإعداد لعدو مجهول حجمه وقوته إلا أن يكون في باب الردع؟! ومن لطيف ما حدثني به الفاضل، فاضل سليمان، أنه حينما تسلم وسامًا من وزارة الدفاع الأمريكي (الپنتاجون The Pentagon)، وجده منحوتًا عليه عبارة لاتينية شهيرة، وهي: Qui desiderat pacem praeparet bellum، ومعناها: أنه من أراد السلام فعليه الاستعداد للحرب Who wishes peace should prepare for war، وليس أبلغ من ذلك برهانًا!

ولكن قارن بين هذا التصور الغربي القرآني الأصل لمفهوم السلام وبين ما يريدونه لأمة الإسلام - من خلال دعوة الحوار المسيَّسة المائعة - من تقليم لأظافرها وتحطيم لذِرْوة سَنَامِها؛ أعني تشويه مفهوم الجهاد الإسلامي (3)، والذي ما شرع إلا لإقامة العدل وتحقيق السلام، فهو ليس إرهابًا كما يدعون، وإنما هو (جهاد على الإرهاب) الممارَس

ص: 42

ضغطًا على المستضعفين، قال تعالى:{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (1).

ومن خلال الجمع بين معالم التاريخ والجغرافيا، تزداد صورة (جهاد الطلب) جلاءً وإشراقًا، ويتبين لها بُعد آخر بجانب تعبيد الله للناس اختيارًا وإزالة الطواغيت حتى تتاح لهم فرصة اختيار الدين بحرية؛ وهو الدفاع عن النفس، ودفع الظلم الواقع على الموحدين من أهل تلك البلاد، والذين عرفوا في التاريخ المشوه بكونهم هراطقة آريوسيين، أي أتباع لعقيدة آريوس التوحيدية، والذين - رغم غالبيتهم (2) - عانوا من القتل والتعذيب على أيدي المؤمنين بالثالوث المقدس Trinity (3) ،

ولذا تجد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل في رسالته التي دعاه فيها إلى الإسلام: «وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» (4).

(1) النساء: 75

(2)

حتى أنه نقل موريس وايلز عن الراهب چيروم Jerome (347 - 420 م) - والذي يعد أحد أهم الأسماء في تاريخ الكنيسة حيث نِيطت به ترجمة الإنجيل من الإغريقية والعبرية إلى اللاتينية - قوله: «العالم كله تأوه متعجبًا ليجد نفسه آريوسيًا!» [Maurice Wiles: Archetypal Heresy، p(32)]، ويقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله (1315 - 1394هـ/1898 - 1974م):«الموحدين كما يظهر من رواية الكتب المسيحية، وكما يستنبط كانوا الكثرة الغالبة في المسيحيين، ففي مجمع نيقية [325م] كانوا الكثرة، وفي مجمع صور الخاص [335م] كانوا الجميع ما عدا رئيس كنيسة الإسكندرية. وإذا كانوا الكثرة في المؤتمرات خاصة وعامة، فلا بد أن يكونوا الكثرة من جمهور المسيحيين. وإذن تكون فكرة ألوهية المسيح هي العارضة والأصل هو التوحيد كما يستنبط القارئ من المصادر المسيحية نفسها» اهـ[محمد أبو زهرة: محاضرات في النصرانية، ص (122)].

(3)

للتوسع في هذا المبحث، أحيلك على دراسة المهندس فاضل سليمان: أقباط مسلمون قبل محمد صلى الله عليه وسلم ..

(4)

رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير: 1773، اختلف أهل العلم في معنى كلمة (الأريسيين)؛ فقال بعضهم أن المراد منها (الفلاحين)، وقال البعض الآخر كالإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله (239 - 321هـ):«وقد ذكر بعض أهل المعرفة بهذه المعاني أن في رهط هرقل فرقة تعرف بالأريوسية، توحد الله عز وجل، وتعترف بعبودية المسيح صلى الله عليه وسلم له عز وجل، ولا تقول فيه شيئًا مما تقوله النصارى في ربوبيته ومن بُنوَّة، وأنها متمسكة بدين المسيح صلى الله عليه وسلم، مؤمنة بما في إنجيله، جاحدة لما تقوله النصارى سوى ذلك» [الطحاوي: شرح مشكل الآثار (5/ 232)]. ولقد رجح الشيخ الندوي رحمه الله هذا الرأي فقال: «إذن من المرجح المعقول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى هذه الفرقة بقوله: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين"، فإنها هي القائمة بالتوحيد النسبي في العالم المسيحي الذي تتزعمه الدولة البيزنطية العظمى، التي كان على رأسها القيصر (هرقل)» ، ثم يعلق في الهامش بقوله:«اطلعت بعد صدور الطبعة الثالثة للكتاب على بحث قيم لصديقنا الفاضل الدكتور معروف الدواليبي [1907 - 2004م] في الأريسيين، يؤيد ما قلناه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى بقوله أتباع أريوس» اهـ[أبو الحسن الندوي: السيرة النبوية، ص (307) باختصار].

ص: 43

ونلخص هذه النقطة بالقول: أنه كفانا حجة أن الله تعالى من أسمائه عز وجل {السَّلَامُ} (1)، وأن من أقبح الأسماء لديه اسم «حرب» (2)، وكما يقول أهل العلم: أن الشارع الحكيم سبحانه وتعالى قد أوجب علينا كأفراد اتِّباع الشرع والإيمان بالقدر، وليس ترك الشرع والاحتجاج بالقدر.

أما الأمر الرابع: فهو أن إعمال هذه البنود ما لبث أن أظهر إشكالية بين الحوار والبشارة، الأمر الذي ألجأهم إلى بعض المناورات السياسية من أجل إمضاء الأهداف التبشيرية الرئيسة التي ابتدعها پولس مخرجًا دعوة المسيح من الخصوص إلى العموم بقوله على لسان عيسى عليه السلام كما في متَّى:«اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (3)، وقد قال عنه ربنا جل جلاله:{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (4)، وكما يذكر إنجيل متَّى قول الرب:«يا بيت لحم، أرض يهوذا، ما أنتِ الصُغرى في مدن يهوذا، لأن منكِ يخرج رئيس يرعى شعبي إسرائيل» (5)، بل وكما وصاهم المسيح بعدم الخروج إلى الأمم بقوله:«لا تقصدوا أرضًا وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية. بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل» (6).

ولا بأس أن ندلل على قولنا بالآتي؛ فلقد أخبرنا ربنا العليم الخبير فقال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي

(1) الحشر: 23

(2)

عن أبي وهب الجُشَمي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«تسمَّوا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقُها حارث وهمَّام، وأقبحُها حرب ومُرَّة» . [رواه أبو داود، كتاب الأدب: 4590، وصححه الألباني].

(3)

متى 28: 19

(4)

آل عمران: 49

(5)

متى 2: 6

(6)

متى 10: 5 - 6

ص: 44

لَحْنِ الْقَوْلِ} (1)، وليس أوضح مما تفوه به يوحنا پولس الثاني المدعو له بالرحمة! فقد قال في إرشاد رسولي بشأن المصالحة والتوبة Adhortatio Apostolica de Reconciliation et Paenitentia، نشر في الثاني من ديسمبر عام 1984م، ما نصه (2): «إن الحوار بالنسبة إلى الكنيسة هو نوعًا ما أداة، وعلى الأخص، طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم. وفي الواقع أن المجمع الفاتيكاني الثاني، بعد أن علَّم أن "الكنيسة تبدو علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكنًا وتزيده قوة، وذلك لمقتضى الرسالة التي تمتاز بها، ألا وهي إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل وتوحيد البشر بروح واحد

وفي الواقع أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحسن حمل الناس - سواء أكانوا يعرفون أنفسهم أنهم أعضاء الجماعة المسيحية بالعماد والاعتراف بالإيمان أم هم غرباء عنها - على الارتداد والتوبة، عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديدًا عميقًا في ضوء سر الفداء والخلاص اللذين حققهما المسيح ووكلهما إلى خدمة كنيسته. إن الحوار الصحيح يرمي إذن بادئ بدء إلى تجديد كل من الناس بالارتداد الباطني والتوبة مع احترام كلِّي للضمائر (!)، واعتماد الصبر والتأني، والتقدم خطوة خطوة، على ما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا» اهـ.

فكما يتبين إذن من كلامه، أن مبدأ الحوار لديه ما هو إلا كما تقدم قول أوليفييه كليمون:«عملية تغليف مذهَّبة عصرية لحبة قديمة كانوا يفرضونها قهرًا على الشعوب فيما مضى» . وعملية التغليف المذهَّبة هذه تتكشف سوءاتها في البيان الختامي للمجمع الفاتيكاني الثاني (1962 - 1965م)، المعروف ببيان (في عصرنا Nostra Aetate)، الصادر في 28 أكتوبر 1965م، والذي جاء فيه (3): «الكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئًا مما هو حق ومقدس في هذه الديانات. بل تنظر بعين الاحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالبًا ما تحمل شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير كل الناس، بالرغم من أنها تختلف في كثير من النقاط عن تلك

(1) محمد: 30

(2)

انظر نص الإرشاد الرسولي Reconciliation et Paenitentia بموقع الفاتيكان الرسمي. ww.vatican.va

(3)

انظر نص البيان المجمعي Nostra Aetate بموقع الفاتيكان الرسمي، وبموقع (الموسوعة العربية المسيحية).

ص: 45

التي تتمسك بها هي نفسها وتعرضها. ولذا فهي تبشر وعليها أن تبشر بالمسيح دون انقطاع

وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بالخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معًا العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس» (1).

فالمفارقة المريبة، هي أن البيان المجمعي Nosta Aetate، الذي كلَّف البابا يوحنا الثالث والعشرين Pope John XXIII (1881 - 1963 م) الكاردينال بيا Cardinal Bea (1881 - 1968 م) بإعداده عام 1960م، كان قد تحدد في الأصل لمناقشة علاقة الكنيسة الكاثوليكية باليهود، ولقد جاءت مسودة النص المجمعي عن اليهود Decretum de Judaeis تزيل عنهم تهمة (قتل الله)! وردَّها في المقابل إلى ذنوب البشر أجمع (2)، وترتب على ذلك الرضوخ للمساعي اليهودية المتتابعة منذ عام 1920م لتعديل الصيغة التقليدية لصلاة الجمعة الحزينة، والتي تصف اليهود - كما جاء في رسالة كورنثوس الثانية - بأنهم «عميت أبصارهم، فلا يزال ذلك القناع إلى اليوم غير مكشوف عند قراءة العهد القديم، ولا ينزعه إلا المسيح» (3)، حتى خففت صيغة الصلاة

(1) تشير بعض الدراسات إلى دور لويس ماسينيون Louis Massignon المستشرق الفرنسي المعروف (1883 - 1962م) في إحداث التغيير في موقف الكنيسة الكاثوليكية-الرومانية (الفاتيكانية) تجاه الإسلام، فيقول ألكسي چورافسكي:«يرى بعض دارسي مؤلفات ماسينيون والمهتمين بتحليل مواقفه العملية، وأنشطته الاجتماعية والسياسية أن مراسلاته واتصالاته الواسعة مع الهيئات الكاثوليكية العليا، بما في ذلك صداقته الشخصية مع چيوفاني باتيستا مونتيتي Giovanni Battista Montini - الذي أصبح البابا پولس السادس - مهدت التربة - إلى حد معين - للمناقشات التي دارت في المجمع الفاتيكاني الثاني حول العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والمسلمين» اهـ[ألكسي چورافسكي: الإسلام والمسيحية، ص (110 - 1)، وانظر، موسوعة ويكيپيديا، مادة: Louis Massignon].

(2)

نفت عنهم الكنسية ما قالوه هم بأفواههم! قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 - 158]. انظر، موسوعة ويكيپيديا، مادة: Decretum de Judaeis.

(3)

كورنثوس الثانية 3: 14

ص: 46

في عام 1970م إلى: «لنصلي من أجل الشعب اليهودي، أول من سمع كلام الله، أن يستمروا في الارتقاء في حبه والإخلاص لعهده

يا رب استمع لكنيستك حينما تصلي من أجل من اخترتهم في القديم ليكونوا شعبك المختار، أن تمكنهم من الوصول إلى تمام الخلاص، ونحن نطلب ذلك من خلال المسيح ربنا، آمين» (1).

ولكن قوبلت مسودة البيان المجمعي بالرفض من قبل أساقفة البلدان العربية المشتركين في المجمع، حيث أجمعوا على أن التطرق إلى موضوع اليهود ونفي التهمة التاريخية عنهم قد يؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل من قبل الفاتيكان من جهة، وقد يخدم مصلحة اليهود سياسيًا في نزاعهم مع العرب من جهة أخرى. وفي المقابل، كان الاقتراح المقدم هو أن المسودة من الممكن لها أن تُقَر وتَصدُر فقط في حال إذا كان الفاتيكان سيتحدث عن ديانات أخرى، بما في ذلك الإسلام. وبالفعل مرت المسودة بعدة مراحل بعدها حتى انتهت إلى الصيغة النهائية للبيان Nostra Aetate (حول علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية Declaratio de Ecclesiae Habitudine Ad Religiones Non-Christianas)، والذي محيت منه عبارات خلافية مثل تلك التي تنفي عن اليهود تهمة (قتل الله)(2)، واكتفت في المقابل بالقول: «

وأن تكون سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، إلى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود

(1) انظر، موسوعة ويكيپيديا، مادة: Good Friday Prayer for the Jews .. إلا أن الخلاف اشتعل مجددًا بعد قرار بنديكت السادس عشر Pope Benedict XVI بابا الفاتيكان الحالي في فبراير من عام 2008م بتعديل الصلاة إلى قوله: «لنصلي من أجل اليهود أن ينير الرب قلوبهم ليعلموا أن يسوع هو مخلص البشرية أجمع

»، مما أعاد إلى الأذهان الموقف الكاثوليكي التقليدي تجاه اليهود، الأمر الذي دفع بنديكت - وفق ما نقلته وكالة رويترز في 4/ 4/2008م - إلى طمأنة اليهود بأن الصلاة الجديدة لا تعد مؤشرًا على تغير في احترام الكنيسة لليهود أو ازدرائها لمعاداة السامية، وأن علاقة الكنيسة باليهود لا تزال تستند إلى البيان التاريخي لمجمع الفاتيكان الثاني عام 1965م الذي نبذ مفهوم المسئولية الجماعية لليهود عن دم المسيح. غير أن بعض الجماعات اليهودية قالت أن الفاتيكان لم يذهب إلى المدى اللازم لتبديد مخاوفهم، واعتبروا أن الصلاة أبقت على دعوة ضمنية - أرادوا حذفها - لتحولهم عن دينهم.

(2)

انظر، ألكسي چورافسكي: الإسلام والمسيحية، ص (118 - 9).

ص: 47

اليوم. وإن تكن الكنيسة شعب الله الجديد، يجب مع ذلك ألا ينظر إلى اليهود كمن رذلهم الله ولعنهم، كما لو كان ذلك ناتجًا من الكتب المقدسة» اهـ (1).

والمفارقة هنا تكمن في أنه مع عزم المجمع على تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، تجد أنه «سكت عن مشكلة وثوقية وصحة المكانة النبوية لمحمد [صلى الله عليه وسلم]، مع أن هذه المسألة جرى التعرض لها أثناء المناقشات والمداولات، حيث اقترح بعض المؤتمرين إدخال تعديل على مسودة الدستور العقائدي يؤكد أن المسلمين "يعبدون معنا الإله الواحد الرحيم

الذي كلم الناس بالأنبياء"، إلا أن اللجنة اللاهوتية المختصة ألغت هذه العبارة، نظرًا لأنها يمكن أن تؤول بشكل مثير للإشكال، كأن يفهم منها أن الله (تكلم عبر محمد [صلى الله عليه وسلم])، وصاغ التصريح الختامي هذه العبارة بصورة مقتضبة: "الذي كلم الناس homines allocutum"» (2) .

فالناظر في هذين الموقفين المتناقضين يدرك أن الأمر يحمل في طياته مصالح سياسية خبيثة، خلافًا لما قد يشاع، بل خلافًا لما يذكره البيان نفسه من أن «الكنيسة لا تدفعها في ذلك الدوافع السياسية بل محبة الإنجيل الدينية متذكرة التراث المشترك مع اليهود» . وليتها مصالح سياسية وحسب، إنما هي أحقاد صليبية دفينة جلاها ربنا تبارك وتعالى في قوله:{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (3)، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا} (4).

وأزيدك في هذا بيانًا: فمن المعلوم خبره ذلك الخطاب الذي ألقاه چوزيف راتزنجر Joseph Ratzinger الملقب ببنديكت السادس عشر بابا الفاتيكان الحالي، في جامعة رچنسبرج Regensburg بألمانيا، يوم الثلاثاء 12 سپتمبر 2006م، والذي تعمَّد فيه الإساءة إلى رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم بقوله المقتطف من كتاب الإمپراطور البيزنطي مانويل الثاني پاليولوجوس Manuel II Palaeologos (1350 - 1425 م)، حيث قال - واصفًا إياه بالعلَّامة - ما نصه (5): «أرني ما الجديد الذي جاء به محمد، ولسوف تعلم أنه

(1) انظر نص البيان المجمعي على الرابط المتقدم.

(2)

انظر، ألكسي چورافسكي: الإسلام والمسيحية، ص (124 - 7)، وانظر نص البيان على الرابط المتقدم.

(3)

البقرة: 120

(4)

النساء: 122

(5)

انظر نص خطابه على موقع الفاتيكان الرسمي.

ص: 48

لم يأت إلا بما هو شرير وغير إنساني كأمره بنشر الإسلام بحد السيف» اهـ (1).

فهذا ابتداءً أقول له كما قال فولتير Voltaire (François-Marie Arouet)(1694 - 1778 م) عندما ذُكِرَ لديه رجال الپروتستانتية الأوائل مارتن لوثر وچون كالفن (2)، قال:«كلاهما لا يصلح أن يكون حذاءً لمحمد» (3)، وأزيد: لقد شهد شاهد من أهلكم بالحق حينما قال (4): «ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرًا كالترك والمغول» ، وكفاك بتسترك على فضائح كنيستك الجنسية عارًا!

ومهما بلغ سعي الكاثوليك لتبرير قوله الذي لم يرجع عنه صراحةً، فسعيهم رد؛ ذلك لأن خطابًا رسميًا كهذا لا يخرج فيه الكلام عفويًا، والرجل لم يقل قولته ارتجالًا، بل كان الأمر مبيتًا بليل، وكما يذكر ابن القيم عن يحيى بن معاذ (ت. 258هـ) (5):«القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها» ، وصدق الله العظيم القائل:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} (6).

(1) ولما طالب المسلمون بنديكت بالاعتذار، أجاب رئيس الوزراء الإسپاني السابق خوسيه ماريا أثنار José Mar ي a Aznar بالنيابة:«ولماذا لا يعتذر لنا المسلمون عن الفترة التي قضوها في الأندلس، والتي تقارب ثمانية قرون؟!» . [نشره موقع الموندو الإخباري الإسپاني في يوم 22/ 9/2006م. www.elmundo.es].

(2)

سيأتي التعريف بهما في موضعه.

(3)

يذكر الأمير شكيب أرسلان (1869 - 1946م) أن فولتير قد قال هذه العبارة أمام الأمير سيندورف النمساوي الذي صار فيما بعد رئيسًا لوزراء إمپراطورية النمسا [لم أقف له على ترجمة في المراجع المتاحة]. وكان نقله هذه الجملة عن فولتير في أيام شبابه، عندما اجتمع به في سويسرا، فقيَّدها في مذكراته المحفوظة في خزانة كتب فيينا، وعنها نقلتها جريدة (الطان Le Temps) الفرنسية، ونقلها عن الجريدة الأمير شكيب أرسلان في كتابه (لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟)، انظره ص (130) الهامش.

(4)

هو جوستاف لوبون، في كتابه: حضارة العرب، ص (128). ويضيف قائلًا:«وبلغ القرآن من الانتشار في الهند، التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل، ما زاد معه عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها، ويزيد عدد مسلمي الهند يومًا فيومًا مع أن عدد الإنجليز الذين هم سادة الهند في الوقت الحاضر يجهزون البعثات التبشيرية ويرسلونها تباعًا إلى الهند لتنصير مسلميها على غير جدوى» اهـ[نفسه].

(5)

ابن قيم الجوزية: الداء والدواء، ص (220).

(6)

آل عمران: 118

ص: 49

ولكن ما قد يخفى على البعض هو ما صرح به الكاردينال چون لويس توران Jean-Louis Tauran - رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان - لمجلة (لاكروا La Croix) الكاثوليكية الفرنسية في 18 أكتوبر 2007م، عقب تسلم الفاتيكان الرسالة التي أرسلها 138 عالم وداعية إسلامي (سنِّي وشيعي) في أكتوبر عام 2007م، أي عقب خطاب بنديكت المشئوم، والتي غلب عليها الطابع الرسمي، وحملت عنوان (كلمة سواء بيننا وبينكم)، داعين فيها إلى التعايش السلمي بين المسلمين والنصارى تحقيقًا لما يوصي به الإسلام والمسيحية من حب الله والجار، مع تقرير وجود اختلاف أصلي بين الديانتين يستحيل حلُّه (1) .. فلم يمكِّن توران التلاعب بالألفاظ من مواراة أهداف الكنيسة التبشيرية وأنها ما لجأت إلى الحوار إلا من باب (أضعف الإيمان!)؛ فتجده رغم إقراره بأن الدعوة مجردة للتعايش السلمي مع أهل الديانات الأخرى، خاصة مع العالم الإسلامي، وأنها ليست دعوة للتقريب بين المعتقدات Syncrétisme، فحينما سئل عن إمكانية إجراء مناقشات لاهوتية مع أهل الديانات الأخرى، أجاب بأنه «من الممكن مع بعض الديانات، ولكن مع الإسلام لا، ليس في الوقت الحالي، فأهل الإسلام لا يقبلون أن يناقش أحد القرآن بعمق لأنهم يقولون إنه كتب بإملاء من الله، ومع هذا التفسير الجامد يكون من الصعب مناقشة فحوى الدين» (2).

وتلا ذلك في 3 ديسمبر 2007م، إصدار الفاتيكان وثيقة تنصيرية بعنوان (وثيقة عقائدية حول بعض طرق التنصير Nota dottrinale su alcuni aspetti dell'evangelizzazione)، قد وقَّع عليها البابا بنديكت، وجاء فيها أن «التبشير بالإنجيل حق وواجب وتعبير عن حرية الأديان» ، بل وحذرت من أنه «هناك حالة من

(1) Lettre Ouverte et Appel des Guides Religieuses Musulmaines (Une Parole Commune entre Vous et Nous). A l'occasion du Eid al-Fitr al-Mubarak 1428 A.H./Octobre 13، 2007 C.E.

(2)

Cardinal Tauran: La religion fait peur، car elle est pervertie par le terrorisme، la Croix (www.la-croix.com): Octobre 18، 2007

ص: 50