الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طرح الفكرة الصهيونية في إنجلترا في بداية الأمر، ثم بقية دول غرب أوروپاومنها إلى وسطها فشرقها (1).
…
ونعود إلى إنجلترا
..
فبعد مساعي كرومويل لدى سلطات لندن لإصدار قرارًا بإزاحة جميع الحواجز من طريق استقرار اليهود في إنجلترا، تم الاعتراف بهم في عصر شارلز الثاني، وحصلوا في عام 1673م على وعد بحرية العبادة، وأُعيد تأكيد هذا الوعد عام 1685م. وبالتدريج، ازداد يهود إنجلترا أهمية بتزايد أهمية لندن كمركز للتجارة العالمية.
واستقرت أعداد صغيرة من اليهود الأشكناز (ممن أتوا من ألمانيا ووسط أوروپا) في إنجلترا، ولكن ظلت الأغلبية العظمى من أعضاء الجماعة اليهودية فيها من السفارد. ولم يُفرَض على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في جيتو خاص بهم، بل ألغيت معظم القيود المفروضة عليهم، كما حصلوا على حقوق المواطنة بالتدريج ابتداءً من عام 1718م. ولم تقم ضد يهود إنجلترا أية حركات شعبية عنيفة. ولعل هذا يعود إلى أنه حينما أُعيد توطين اليهود، تم توطينهم كعنصر تجاري مُستوعَب في التشكيل التجاري الأكبر. ولذا، فإنهم لم يكونوا متميِّزين وظيفيًا، ولم يكن لهم حقوق خاصة، كما لم يكونوا موضوعين تحت حماية الملك أو غيره من السلطات، وإنما كانوا جزءًا لا يتجزأ من المجتمع. وساعد كل ذلك على نمو الجماعة اليهودية في إنجلترا وعلى تزايد حجم المهاجرين اليهود.
وكان أغلب اليهود الأشكناز أقل في المرتبة الاجتماعية من السفارد، وعمل قطاع كبير منهم كباعة متجولين في القرى والمناطق الريفية، وبالتالي نمت تجمعات من يهود الأشكناز في كثير من المدن الريفية والموانئ والمراكز الصناعية.
وأتاحت الحروب الناپليونية لبعض العائلات اليهودية الأشكنازية، مثل عائلتي روتشيلد وجولدسميد Goldsmid، احتلال مواقع مرموقة في المجتمع الإنجليزي
(1) السابق (4/ يهود اليديشية أو يهود شرق أوروپا) باختصار وتصرف يسير.
بفضل خدماتهم المالية المهمة، الأمر الذي أعطى ثقلًا للحركة المطالبة بانعتاق اليهود. وفي عام 1890م، تم إلغاء آخر القيود الدينية على اعتلاء مناصب ووظائف سياسية، وبالتالي أصبح انعتاق اليهود كاملًا. واحتل بعض أعضاء الجماعة مواقع ومراكز مهمة في الإدارات والوزارات البريطانية اللاحقة.
ولكن، مع نهاية القرن التاسع عشر، تغيَّر التكوين الإثني ليهود إنجلترا نتيجة تَدفُّق جحافل يهود اليديشية من شرق أوروپاووسطها على إنجلترا، وغيرها من الدول، بسبب تَعثُّر التحديث كما ذكرنا آنفًا. وأدى ذلك إلى زيادة عدد يهود إنجلترا من يهود اليديشية خمسة عشر ضعفًا فيما يقارب أربعين عامًا. وخلق هذا جوًا من القلق في إنجلترا، وسادت شائعات تقول إن عدد المهاجرين بلغ 750 ألف.
وكان يهود اليديشية تجارًا صغارًا متخلفين يحملون معهم إحساسًا جيتويًا عميقًا بعدم الأمن والطمأنينة. وأدَّى تواجدهم بهذه الأعداد الضخمة إلى ازدياد البطالة وازدحام المدن والجريمة. وأدَّى هذا الوضع إلى توتر العلاقات بين اليهود الإنجليز (السفارد والأشكناز المندمجين في المجتمع) وبين الوافدين الجدد من شرق أوروپا، إذ كان اليهود الإنجليز يعتبرون اليهود المتحدثين باليديشية عنصرًا غريبًا متخلفًا وعنصريًا يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ويضاف إلى هذا أنهم أحضروا معهم المسألة اليهودية من شرق أوروپا. وكان يهود اليديشية بدورهم ينظرون إلى اليهود الإنجليز باعتبارهم باردين ومندمجين في مجتمعهم، منعزلين تمامًا عن الحركات السائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوروپا. ولذا، ظل الفريقان كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر، كما أنهم لم يتزاوجوا فيما بينهم.
وأدَّى وفود العناصر اليديشية إلى قيام محاولات لوقف سيل الهجرة عن طريق تأليف لجنة ملكية لدراسة القضية (1)، وهنا يأتي دور لورد پالمرستون الثالث، هنري چون تمپل ..
(1) السابق (4/ إنجلترا منذ عصر النهضة) باختصار وتصرف.