الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اشتهرتِ الأحاديث بتلقينِ الذين أقرّوا بالحدودِ الرجوع عن الإِقرار؛ وأما غرضُ غيره؛ فمثل أن يُسأَلَ عن سرّ أخيه فينكرهُ ونحوُ ذلك، وينبغي أن يُقابل بين مَفسدةِ الكذب والمفسدةِ المترتبة على الصدقِ؛ فإن كانت المفسدةُ في الصدق أشدّ ضرراً فله الكذبُ، وإن كان عكسهُ، أو شكّ؛ حرمَ عليه الكذبُ؛ ومتى جازَ الكذبُ، فإن كان المبيحُ غَرَضًا يتعلّقُ بنفسه، فيستحب ألا يكذبَ، ومتى كان متعلقاً بغيرهِ لم تجزِ المسامحةُ بحقّ غيره، والحزمُ تركه في كل موضعٍ أُبيحَ إلا إذا كان واجباً.
1923-
واعلم أن مذهبَ أهل السنّة أن الكذبَ هو الإِخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواءٌ تعمدتَ ذلك أم جهلته، لكن لا يأثمُ في الجهل، وإنما يأثمُ في العمد، ودليلُ أصحابنا تقييد النبيّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ". [كما في البخاري، رقم: 1291؛ مسلم، رقم: 3] .
بابُ الحثِّ على التثّبت فيما يحكيهِ الإِنسانُ والنهي عن التحديث بكلِّ ما سمعَ إذا لم يظنّ صحته:
قال الله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإِسراء: 36] وقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق: 18]، وقال تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] .
1924-
وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم"[رقم: 5] ، عن حفص بن عاصم التابعي الجليل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كَفَى بالمرءِ كَذِباً أنْ يُحدِّثَ بكُل ما سمِع".
ورواه مُسلمٌ من طريقين: أحدهُما هكذا. والثاني: عن حفص بن عاصمٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً لم يذكر أبا هريرة، فتُقدَّمُ روايةُ مَن أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه أهلُ الفقهِ والأصولِ والمحقّقون من المحدّثين، أن الحديثَ إذا رُوي من طريقين: أحدهُما مرسلٌ والآخرُ متصلٌ، قدّم المتصلُ وحكم بصحةِ الحديثِ، وجازَ الاحتاجُ به في كل شيءٍ من الأحكام وغيرها؛ والله أعلمُ.
1925-
وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم"[رقم: 5] ، عن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: بحسبِ المرءِ من الكذبِ أن يحدّثِ بكلّ ما سمعَ.
وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم"[رقم: 5] ، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، مثلهُ. والأثارُ في هذا الباب كثيرةٌ
1926-
وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود"[رقم: 4972] ، بإسناد صحيح؛ عن أبي مسعودٍ، أو حذيفةَ بن اليمان رضي الله عنهما؛ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "بِئْسَ مطيةُ الرجلِ زَعَمُوا".
قال الإِمام أبو سليمان الخطابي فيما رويناه عنهُ في "معالم السن"[5/ 254] : أصلُ هذا الحديث إنَّ الرجُل إذَا أراد الطعن في حاجةٍ، والسير إلى بلدٍ، ركب مطية وسار حتى يبلغ حاجتهُ، فشبّهَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يُقدم الرجلُ أمامَ كلامهِ ويتوصل به إلى حاجته من قولهم:"زعموا" بالمطيّة، وإنما يُقالُ: زعمُوا في حديثٍ لا سند له ولا ثبت1، إنما هو شيءٌ يُحكى على سبيل البلاغ، فذمّ النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث ما هذا سبيلهُ، وأمر بالتوثق فيما يحكيه التثبت فيه، فلا يَرويه حتى يكون مَعْزُوًّا إلى ثبتٍ. هذا كلامُ الخطابي؛ واللهُ أعلمُ.
1 الثبت: الحجة، والثقة من الرجال جمعها: أثبات.