الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَفِي الْكَافِي إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ إذَا كَانَ تَصَادُقُهُمَا بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ وَاجِبًا ظَاهِرًا حِينَ هَلَكَ الرَّهْنُ وَوُجُوبُ الدَّيْنِ ظَاهِرًا يَكْفِي بِضَمَانِ الرَّهْنِ فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا فَأَمَّا إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ وَالرَّهْنُ قَائِمٌ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فَإِنَّ هُنَاكَ يَهْلِكُ أَمَانَةً لِأَنَّ بِتَصَادُقِهِمَا يَنْتَفِي الدَّيْنُ مِنْ الْأَصْلِ فَضَمَانُ الرَّهْنِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الدَّيْنِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُمَا إذَا تَصَادَقَا قَبْلَ الْهَلَاكِ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَضْمُونًا.
وَفِي التَّنْوِيرِ كُلُّ حُكْمٍ عُرِفَ فِي الرَّهْنِ الصَّحِيحِ فَهُوَ الْحُكْمُ فِي الرَّهْنِ الْفَاسِدِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ الرَّهْنُ مَالًا وَلِلْقَابِلِ بِهِ مَضْمُونًا إلَّا أَنَّهُ فَقَدَ بَعْضَ شَرَائِطِ الْجَوَازِ يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ أَصْلًا فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ فَلْيُطَالَعْ.
[كِتَاب الْجِنَايَات]
أَوْرَدَ الْجِنَايَاتِ عَقِيبَ الرَّهْنِ لِأَنَّ الرَّهْنَ لِصِيَانَةِ الْمَالِ وَحُكْمُ الْجِنَايَةِ لِصِيَانَةِ الْأَنْفُسِ وَلَمَّا كَانَ الْمَالُ وَسِيلَةً لِبَقَاءِ النَّفْسِ قُدِّمَ الرَّهْنُ عَلَى الْجِنَايَاتِ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ تُقَدَّمُ عَلَى الْمَقَاصِدِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ.
وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَكِنْ قُدِّمَ الرَّهْنُ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهَا مَحْظُورَةٌ عَمَّا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ انْتَهَى وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا هُوَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ دُونَ أَنْفُسِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَهَا مَشْرُوعَةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا وَجْهَ لِتَأْخِيرِهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّهْنِ وَالْجِنَايَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَيُبْحَثُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ الرَّهْنِ وَحَظْرِ الْجِنَايَةِ وَيَكْفِي هُنَا هَذَا الْقَدْرُ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَيْهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَالْجِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَجْنِيهِ أَيْ يَكْسِبَهُ الْمَرْءُ مِنْ شَرٍّ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً ثُمَّ خُصَّ فِي الْعُرْفِ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بِمَا حُرِّمَ فِعْلُهُ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ الْأَوَّلُ يُسَمَّى قَتْلًا وَأَنْوَاعُهُ خَمْسَةٌ عَمْدٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ وَخَطَأٌ وَجَارٍ مَجْرَى الْخَطَأِ وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَالثَّانِي يُسَمَّى جِنَايَةً فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَشُرِعَ الْقِصَاصُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْحَيَاةِ شَرْعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْعَرَبِ الْقَتْلُ أَنَفَى لِلْقَتْلِ بَلَاغَةٌ وَفَصَاحَةٌ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْبَيَانِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَتْلِ فَقَالَ (الْقَتْلُ إمَّا عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ) احْتِرَازٌ عَنْ نَحْوِ قَتْلِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ (وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ) أَيْ ضَرْبَ الْقَاتِلِ الْمُكَلَّفِ مَا يَحْرُمُ ضَرْبُهُ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ (بِمَا.
يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ مِنْ سِلَاحٍ) أُعِدَّ لِلْحَرْبِ (أَوْ مُحَدَّدٍ مِنْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ لِيطَةٍ أَوْ حُرْقَةٍ بِنَارٍ) أَقُولُ إنَّمَا شَرَطَ فِي الْآلَةِ مَا ذُكِرَ لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِهِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْآلَاتِ فَأُقِيمَ الدَّلِيلُ مَقَامَ الْمَدْلُولِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ (بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا) حَتَّى لَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ وَقَوْلُهُ أَوْ لِيطَةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ قِشْرُ الْقَصَبِ وَالْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ مِنْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ لِأَنَّ النَّارَ مِنْ الْمُفَرِّقَاتِ لِلْأَجْزَاءِ كَمَا فِي الْإِتْقَانِ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ حَتَّى أَنَّهَا أَيْ النَّارَ إذَا وُضِعَتْ فِي الْمَذْبَحِ فَقَطَعَتْ مَا يَجِبُ قَطْعُهُ فِي الذَّكَاةِ وَسَالَ بِهَا الدَّمُ حَلَّ وَإِنْ انْجَمَدَ وَلَمْ يَسِلْ الدَّمُ لَا يَحِلُّ انْتَهَى.
وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْجُرْحَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُهُ كَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِمَرٍّ فَقَتَلَهُ فَإِنْ أَصَابَتْهُ الْحَدِيدَةُ قُتِلَ بِهِ عِنْدَ الْكُلِّ وَإِنْ أَصَابَهُ بِظَهْرِهِ وَلَمْ يَجْرَحْهُ فَعِنْدَهُمَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَكَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعْتَبَرُ الْجُرْحُ سَوَاءٌ كَانَ حَدِيدًا أَوْ عُودًا أَوْ حَجَرًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ آلَةً يُقْصَدُ بِهَا الْجُرْحُ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُ الْجُرْحُ وَكَذَا سَنَجَاتُ الْمِيزَانِ مِنْ الْحَدِيدِ.
وَقَالَ رَجُلٌ أَحْمَى تَنُّورًا وَرَمَى فِيهِ إنْسَانًا أَوْ أَلْقَاهُ فِي نَارٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ هِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يَثْبُتُ عَادَةً كَالسِّلَاحِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ النَّارَ كَالسِّلَاحِ فِي حُكْمِ الذَّكَاةِ حَتَّى لَوْ تَوَقَّدَتْ النَّارُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَانْقَطَعَ بِهَا الْعُرُوقُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ انْتَهَى لَكِنْ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إنَّ النَّارَ تَعْمَلُ فِي الْحَيَوَانِ عَمَلَ الذَّكَاةِ حَتَّى لَوْ قَذَفَ النَّارَ فِي الْمَذْبَحِ فَاحْتَرَقَ الْعُرُوقُ يُؤْكَلُ انْتَهَى وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْكِفَايَةِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا سَالَ بِهَا الدَّمُ وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامَيْ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ (وَمُوجِبُهُ) أَيْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ (الْإِثْمُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] وَفِي الْحَدِيثِ «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» .
وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ (وَالْقِصَاصُ عَيْنًا) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْقِصَاصِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُتَعَيِّنًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَتَعَيَّنُ الْقِصَاصُ بَلْ الْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ «عليه الصلاة والسلام مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمَّا يُودَى» وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ وَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ فَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا تَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ لِأَنَّهُ نَسْخٌ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِقَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ لَا مَالَ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى إذْ الْآدَمِيُّ خُلِقَ مُكَرَّمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] لِيَشْتَغِلَ بِالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمَالُ خُلِقَ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِهِ وَمُبْتَذَلًا فِي حَوَائِجِهِ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا وَقَائِمًا مَقَامَهُ إلَّا أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى مَالٍ يَجُوزُ بِالتَّرَاضِي سَوَاءٌ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا (إلَّا أَنْ يُعْفَى) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ أَوْ يُصَالِحَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ كَمَا مَرَّ آنِفًا وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) لِأَنَّهَا فِيمَا كَانَ دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْقَتْلُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَلِيقُ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ سَاتِرَةً لَهُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا وَلِقَوْلِهِ «عليه الصلاة والسلام خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ مِنْهَا قَتْلُ النَّفْسِ بِعَمْدٍ» وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا فِي الْخَطَأِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَبْدِ.
(وَأَمَّا شِبْهُ عَمْدٍ وَهُوَ ضَرْبُهُ) أَيْ الْقَاتِلِ (قَصْدًا بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ) فِي الْعَمْدِ مِمَّا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالشَّجَرِ مُطْلَقًا وَالْحَجَرِ أَيْضًا إنْ كَانَا غَيْرَ مُحَدَّدَيْنِ وَالسَّوْطِ وَالْيَدِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِغَيْرِهِ فِي الثَّقِيلِ الْعَظِيمِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ عِنْدَ الْغَيْرِ ضَرْبُ الْقَاتِلِ بِآلَةٍ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهَا غَالِبًا كَالْعَصَا وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ وَالسَّوْطِ وَالْيَدِ (وَمُوجَبُهُ) أَيْ شِبْهَ الْعَمْدِ (الْإِثْمُ) لِقَصْدِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْمُدَّعَى عَامٌّ لِلْمُؤْمِنِ وَالذِّمِّيِّ وَالدَّلِيلُ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِ قُلْنَا إنَّ مُوجَبَهَا فِي الْمُؤْمِنِ ثَبَتَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ وَفِي الذِّمِّيِّ بِدَلَالَتِهِ لِتَحْقِيقِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعِصْمَةِ لَا يُقَالُ إنَّ الْآيَةَ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى خُلُودِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي النَّارِ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَحِلِّ أَوْ يُرَادُ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُكْثِ أَوْ يُرَادُ بِهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ (وَالْكَفَّارَةُ) عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ نَظَرًا إلَى الْآلَةِ فَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} [النساء: 92] الْآيَةَ (وَالدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) النَّاصِرَةِ لِلْقَاتِلِ أَمَّا وُجُوبُهَا فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» الْحَدِيثَ وَأَمَّا كَوْنُ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَلِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَكُونُ مَعْذُورًا فَيَتَحَقَّقُ التَّخْفِيفُ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ فَتَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي الْخَطَأِ وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ كَالْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ (لَا الْقَوَدُ) عَطْفٌ عَلَى الدِّيَةِ أَيْ لَيْسَ فِيهِ لِشُبْهَةٍ بِالْخَطَأِ (وَهُوَ) أَيْ شِبْهُ الْعَمْدِ (فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) مِنْ الْأَطْرَافِ (عَمْدٌ) بِاعْتِبَارِ الضَّرْبِ وَالْإِتْلَافِ جَمِيعًا يَعْنِي إذَا جَرَحَ عُضْوًا بِآلَةٍ جَارِحَةٍ وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ مِمَّا يُرَاعَى فِيهِ.
الْمُمَاثَلَةُ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ الْعَمْدِ كَمَا كَانَ فِي النَّفْسِ لِأَنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ عَمَّةَ الرَّبِيعِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا فَطَلَبُوا مِنْهُمْ الْعَفْوَ فَأَبَوْا وَالْأَرْشَ فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ نَضْرٍ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ عَمَّةِ الرَّبِيعِ وَاَلَّذِي بَعَثَك نَبِيًّا بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام يَا أَنْسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا وَطَلَبُوا الْأَرْشَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ اللَّطْمَةَ لَوْ أَتَتْ عَلَى النَّفْسِ لَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَرَأَيْنَاهَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَدْ أَوْجَبْته بِحُكْمِهِ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ مَا كَانَ فِي النَّفْسِ شِبْهَ عَمْدٍ وَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَهَا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شِبْهُ عَمْدٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَأَمَّا خَطَأٌ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا عَمْدٌ أَوْ شِبْهُ عَمْدٍ (وَهُوَ) أَيْ الْخَطَأُ قِسْمَانِ أَمَّا الْخَطَأُ (فِي الْقَصْدِ بِأَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا ظَنَّهُ صَيْدًا) فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ (أَوْ) يَرْمِي بِظَنِّهِ (حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ مَعْصُومُ) الدَّمِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ خَطَأً فِي الْقَصْدِ أَيْ فِي الظَّنِّ حَيْثُ ظَنَّ الْآدَمِيَّ صَيْدًا وَالْمُسْلِمَ حَرْبِيًّا وَأَمَّا الْخَطَأُ فِي الْفِعْلِ فَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ فِي الْفِعْلِ بِأَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا) فَإِنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْفِعْلِ لَا الْقَصْدِ فَيَكُونُ مَعْذُورًا لِاخْتِلَافِ الْمَحِلِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ مَوْضِعٍ فِي جَسَدِهِ فَأَصَابَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنْهُ فَمَاتَ حَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ إذْ جَمِيعُ الْبَدَنِ مَحِلٌّ وَاحِدٌ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَقْصُودِهِ فَلَا يُعْذَرُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ يَدَ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ وَأَبَانَهُ فَهُوَ خَطَأٌ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَهُ فَبَانَ رَأْسُهُ فَهُوَ عَمْدٌ.
وَفِي الْمِنَحِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبُ غَيْرَهُ وَإِنْ قَصَدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ وَلَيْسَ بِخَطَأٍ وَأَمَّا الثَّانِي فَنَحْوُ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ انْتَهَى (وَأَمَّا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ كَنَائِمٍ انْقَلَبَ عَلَى آخَرَ فَقَتَلَهُ) فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ وَلَيْسَ بِخَطَأٍ حَقِيقَةً لِعَدَمِ قَصْدِ النَّائِمِ إلَى شَيْءٍ حَتَّى يَصِيرَ مُخْطِئًا لِمَقْصُودِهِ وَلَمَّا وُجِدَ فِعْلٌ حَقِيقَةً وَجَبَ عَلَيْهِ مَا أَتْلَفَهُ كَفِعْلِ الطِّفْلِ فَجُعِلَ كَالْخَطَأِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ كَالْمُخْطِئِ (وَمُوجَبُهُمَا) أَيْ الْخَطَأَ مُطْلَقًا وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ (الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] وَقَدْ قَضَى بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَصَارَ إجْمَاعًا.
(وَأَمَّا قَتْلٌ