الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَفْسِهِ انْتَهَى.
(وَلَوْ قَتَلَ صَبِيٌّ عَبْدًا مُودَعًا عِنْدَهُ ضَمِنَ عَاقِلَتَهُ) يَعْنِي أَوْدَعَ مَوْلَى الْعَبْدِ عَبْدَهُ عِنْدَ صَبِيٍّ فَقَتَلَهُ ذَلِكَ الصَّبِيُّ ضَمِنَ عَاقِلَةُ الصَّبِيِّ قِيمَةَ الْعَبْدِ.
(وَإِنْ أَكَلَ) الصَّبِيُّ (طَعَامًا أَوْ أَتْلَفَ مَالًا أُودِعَ عِنْدَهُ فَلَا ضَمَانَ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَعْصُومًا مُتَقَوِّمًا حَقًّا لِلْمَالِكِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَلَهُمَا أَنَّ الْمَالَ غَيْرُ الْعَبْدِ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ لِنَفْسِهِ بَلْ مَعْصُومٌ لِحَقِّ الْمَالِكِ وَقَدْ فَوَّتَ الْعِصْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ وَضَعَ مَالَهُ فِي يَدِ الصَّبِيِّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ عِصْمَتَهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ إذْ هُوَ مَبْقِيّ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ فَلِهَذَا قُلْنَا بِضَمَانِ الْعَاقِلَةِ قِيمَةَ الْعَبْدِ.
(وَلَوْ)(أُودِعَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عِنْدَ عَبْدٍ مَحْجُورٍ مَالٌ فَاسْتَهْلَكَهُ) أَيْ الْمَالَ (ضَمِنَ) الْعَبْدُ (بَعْدَ الْعِتْقِ لَا فِي الْحَالِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ عِنْدَهُ (وَالْإِقْرَاضُ وَالْإِعَارَةُ كَالْإِيدَاعِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالدَّلِيلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا مَرَّ آنِفًا (وَالْمُرَادُ بِالصَّبِيِّ الْعَاقِلُ) كَمَا شَرَطَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي صَبِيٍّ عُمْرُهُ اثْنَيْ عَشْرَ سَنَةً وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ وَلِهَذَا قَالَ (وَفِي غَيْرِ الْعَاقِلِ يَضْمَنُ الْمَالَ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا يَضْمَنُ الْعَاقِلُ) أَيْضًا (مَالًا أَتْلَفَهُ بِلَا إيدَاعٍ وَنَحْوِهِ) بِالِاتِّفَاقِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّسْلِيطَ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعَدَمِ عَقْلِهِ وَفِعْلُهُ مُعْتَبَرٌ فَلِهَذَا قُلْنَا بِالضَّمَانِ.
[بَاب الْقَسَامَة]
لَمَّا كَانَ أَمْرُ الْقَتِيلِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ يَئُولُ إلَى الْقَسَامَةِ أَوْرَدَهَا فِي آخِرِ الدِّيَاتِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْإِقْسَامِ.
وَفِي الشَّرْعِ أَيْمَانٌ يُقْسِمُ بِهَا أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ وُجِدَ فِيهِمَا قَتِيلٌ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ يَقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا وَسَبَبُهَا وُجُودُ الْقَتِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا وَرُكْنُهَا إجْرَاءُ الْيَمِينِ عَلَى لِسَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسِينَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا كَمَا سَيَجِيءُ وَشَرْطُهَا بُلُوغُ الْمُقْسِمِ وَعَقْلُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَأَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ الْمَوْجُودُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَكْمِيلُ الْيَمِينِ خَمْسِينَ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمُقْسِمُونَ هَذَا الْعَدَدَ يُكَرَّرُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ حَتَّى يَبْلُغَ الْخَمْسِينَ، وَحُكْمُهَا الْقَضَاءُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَالْحَبْسُ إلَى الْحَلِفِ إنْ أَبَوْا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْعَمْدَ، وَالْحُكْمُ بِالدِّيَةِ عِنْدَ النُّكُولِ إنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ خَطَأً. وَمِنْ مَحَاسِنِهَا خَطَرُ الدِّمَاءِ وَصِيَانَتُهَا عَنْ الْإِهْدَارِ وَخَلَاصُ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَتَعْيِينُ الْخَمْسِينَ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ
الْقَسَامَةِ.
(إذَا)(وُجِدَ مَيِّتٌ فِي مَحَلَّةٍ بِهِ) أَيْ بِالْمَيِّتِ (أَثَرُ الْقَتْلِ مِنْ جُرْحٍ أَوْ خُرُوجِ دَمٍ مِنْ أُذُنِهِ أَوْ عَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْهُمَا عَادَةً إلَّا مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ فَيَكُونُ قَتِيلًا ظَاهِرًا فَيُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ (أَوْ أَثَرُ خَنْقٍ أَوْ) أَثَرُ (ضَرْبٍ وَلَمْ يُدْرَ قَاتِلُهُ) إذْ لَوْ عُلِمَ قَاتِلُهُ سَقَطَتْ الْقَسَامَةُ عَنْ أَهْلِهَا (فَادَّعَى وَلِيُّهُ قَتْلَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (عَلَى أَهْلِهَا) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ كُلِّهِمْ (أَوْ بَعْضِهِمْ) عَمْدًا أَوْ خَطَأً (وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (حُلِّفَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ جَوَابُ إذَا (خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (يَخْتَارُهُمْ الْوَلِيُّ) صِفَةُ خَمْسُونَ وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِيَارُ لِلْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ سَوَاءٌ اخْتَارَ مَنْ يَتَّهِمُهُ بِالْقَتْلِ كَالْفَسَقَةِ أَوْ الشُّبَّانِ أَوْ صَالِحِي أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِتَحَرُّزِهِمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَرِزُهُ الْفَسَقَةُ، فَإِذَا عَلِمُوا الْقَاتِلَ فِيهِمْ أَظْهَرُوهُ وَلَمْ يَحْلِفُوا.
وَلَوْ اخْتَارَ فِي الْقَسَامَةِ أَعْمَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ فَيُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْيَمِينِ بِخِلَافِ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَهُمَا لَيْسَا بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ (بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا) فَقَوْلُهُ بِاَللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِحُلِّفَ وَقَوْلُهُ مَا قَتَلْنَاهُ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ عَنْ الْجَمْعِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْحَلِفِ يُحَلَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا وَلَا يُجْمَعُ مَعَهُ غَيْرُهُ فِي إسْنَادِ نَفْيِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا وَحْدَهُ وَيَنْوِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَا الْعِلْمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ وَيَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ عَالِمًا بِهِ. فَإِنْ قِيلَ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي قَوْلِهِ مَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا مَعَ أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؟ قُلْنَا فَائِدَتُهُ تَعْيِينُ مَحَلِّ الْخُصُومَةِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ تَعْيِينِهِ وَقَدْ يَظُنُّ غَيْرَ الْقَاتِلِ قَاتِلًا (ثُمَّ قُضِيَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى أَهْلِهَا) أَيْ الْمَحَلَّةِ (بِالدِّيَةِ) لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إنَّ هَذَا قَتِيلٌ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَمَا الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْكُمْ فَكَتَبُوا إلَيْهِ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَعَتْ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى أَمْرًا فَإِنْ كُنْت نَبِيًّا فَاسْأَلْ اللَّهَ مِثْلَ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَانِي أَنْ أَخْتَارَ مِنْكُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا فَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ قَالُوا لَقَدْ قَضَيْت فِينَا بِالنَّامُوسِ أَيْ بِالْوَحْيِ» (وَمَا تَمَّ خَلْقُهُ كَالْكَبِيرِ) أَيْ إذَا وُجِدَ سِقْطٌ أَوْ جَنِينٌ تَامُّ الْخَلْقِ بِهِ أَثَرٌ مِنْ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ كَالْكَبِيرِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْخَلْقِ يَنْفَصِلُ حَيًّا ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ نَاقِصَ الْخَلْقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ مَيِّتًا ظَاهِرًا (وَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ وَإِنْ كَانَ لَوْثٌ) أَيْ عَدَاوَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اُسْتُحْلِفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ حَلَفُوا يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ دَعْوَى الْقَتْلِ أَوْ خَطَأً فِي قَوْلٍ وَفِي قَوْلٍ يُقْضَى
بِالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ حُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ نَكَلُوا فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِي قَوْلِهِ وَالدِّيَةُ فِي قَوْلٍ، وَاللَّوْثُ عِنْدَهُمَا قَرِينَةُ حَالٍ تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ كَالدَّمِ أَوْ ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ حُلِّفَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا وَالِاخْتِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي تَحْلِيفِ الْمُدَّعِي أَوَّلًا وَفِي بَرَاءَةِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِالْيَمِينِ (فَإِنْ نَقَصَ أَهْلُهَا) أَيْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ (عَنْ الْخَمْسِينَ كُرِّرَتْ الْيَمِينُ) عَلَيْهِمْ (إلَى أَنْ يَتِمَّ) خَمْسُونَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ فَيَجِبُ إتْمَامُهَا مَا أَمْكَنَ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْحِكْمَةِ فِي هَذَا الْعَدَدِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِالْقَسَامَةِ وَعِنْدَهُ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا فَكَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ لِيَتِمَّ بِهِ خَمْسُونَ ثُمَّ قَضَى بِالدِّيَةِ وَعَنْ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ مِثْلُهُ (وَمَنْ نَكَلَ) مِنْهُمْ عَنْ الْيَمِينِ (حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاجِبَةٌ فِيهِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الدَّمِ وَلِهَذَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالدِّيَةِ بِخِلَافِ النُّكُولِ فِي الْأَمْوَالِ. هَذَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ سَوَاءٌ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنْ الْبَاقِينَ فِي الْقِيَاسِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ (وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْمُسْتَحْلَفِينَ (قَتَلَهُ فُلَانٌ اسْتَثْنَاهُ) ضَمِيرُ الْفَاعِلِ عَائِدٌ إلَى مَنْ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ إلَى فُلَانٍ (فِي يَمِينِهِ) بِأَنْ يَقُولَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا إلَّا فُلَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ إسْقَاطَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ قَتَلَهُ فُلَانٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ كَمَا ذَكَرْنَا.
(وَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (سَقَطَتْ) الْقَسَامَةُ (عَنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، أَمَّا إذَا ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ لَا تَبْطُلُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنْ أَهْلِهَا.
وَعَنْ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ إبْرَاءً مِنْهُ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (بِهِ) أَيْ بِالْقَتْلِ (عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّذِي ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَيْهِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِبَرَاءَتِهِمْ مِنْ التُّهْمَةِ بِادِّعَاءِ الْوَلِيِّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْوَصِيِّ إذَا خَرَجَ عَنْ الْوِصَايَةِ بَعْدَمَا قَبِلَهَا ثُمَّ يَشْهَدُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ مَنْ صَارَ خَصْمًا فِي حَادِثَةٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا وَمَنْ كَانَ بِعُرْضَةٍ أَنْ يَصِيرَ خَصْمًا وَلَمْ يَنْتَصِبْ خَصْمًا بَعْدُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَهَذَانِ الْأَصْلَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْكُلِّ غَيْرَ أَنَّهُمَا
يَجْعَلَانِ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ مِمَّنْ لَهُ عُرْضَةٌ أَنْ يَصِيرَ خَصْمًا وَهُوَ يَجْعَلُهُ مِمَّنْ انْتَصَبَ خَصْمًا وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَتَخَرَّجُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ: فَمِنْ ذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إذَا خَاصَمَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ عُزِلَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَالشَّفِيعُ إذَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ ثُمَّ تَرَكَهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْبَيْعِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُخَاصِمْ الْوَكِيلُ وَلَمْ يَطْلُبْ الشُّفْعَةَ الشَّفِيعُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِكَوْنِهِمَا فِي عُرْضَةِ الْخُصُومَةِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي الْمَحَلَّةِ وَادَّعَى أَهْلُ الْمَحَلَّةِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ دُونَهُمْ وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلَّتِهِمْ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَتَثْبُتُ لَهُمْ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ ادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَدَّعِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنُوا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَإِنَّ الدِّيَةَ وَالْقَسَامَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى حَالِهَا وَلَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ بَرَاءَتُهُمْ، وَرُوِيَ عَنْ الطَّرَفَيْنِ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَسْقُطُ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَدَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ تُسْقِطُ الْقَسَامَةَ عَنْهُمْ وَعَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا، هَذَا إنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ، أَمَّا إذَا ادَّعَى الْمَجْرُوحُ فَقَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ ثُمَّ مَاتَ وَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ (وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ (عَلَى بَعْضِهِمْ لَوْ ادَّعَاهُ) أَيْ الْوَلِيُّ (إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَائِمَةٌ مَعَ الْكُلِّ لِمَا مَرَّ أَنَّهُمْ كَانُوا خُصَمَاءَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَبِالشَّهَادَةِ تُقْطَعُ الْخُصُومَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَ مُتَّهَمًا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْبَلُ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَ قَوْلِهِ إجْمَاعًا (وَوُجُودُ أَكْثَرِ الْبَدَنِ أَوْ نِصْفِهِ مَعَ الرَّأْسِ) فِي الْمَحَلَّةِ (كَوُجُودِ كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا قَتِيلٌ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ فَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ.
(وَلَا قَسَامَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَ) لَا عَلَى (مَجْنُونٍ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَجْرِي عَلَى قَوْلٍ صَحِيحٍ وَلَا يَجْرِي مِنْهُمَا قَوْلٌ صَحِيحٌ عَلَى قَاتِلٍ.
(وَ) لَا عَلَى (امْرَأَةٍ، وَ) لَا عَلَى (عَبْدٍ) حَيْثُ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْيَمِينُ عَلَى أَهْلِهَا إلَّا إذَا جُعِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَاتِلًا.
(وَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ فِي مَيِّتٍ لَا أَثَرَ بِهِ) مِنْ الضَّرْبِ (أَوْ يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِعِلَّةٍ فَلَا يَكُونُ قَتِيلًا؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ عُرْفًا هُوَ فَائِتُ الْحَيَاةِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الْحَيِّ عَادَةً وَالْقَسَامَةُ شُرِعَتْ فِي الْمَقْتُولِ وَهُوَ إنَّمَا بَايَنَ الْمَيِّتَ حَتْفَ أَنْفِهِ بِالْأَثَرِ فَمَنْ لَا أَثَرَ لَهُ فَهُوَ مَيِّتٌ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى صِيَانَةِ دَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ، وَمَنْ بِهِ أَثَرٌ فَهُوَ مَقْتُولٌ وَبِنَا حَاجَةٌ إلَى صِيَانَةِ دَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ وَذَا بِأَنْ يَكُونَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ، وَكَذَا إذَا خَرَجَ الدَّمُ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا عَادَةً إلَّا بِجُرْحٍ فِي الْبَاطِنِ (أَوْ وُجِدَ) فِي مَحَلَّةٍ (أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْأَقَلُّ (مَعَ الرَّأْسِ أَوْ) وُجِدَ (نِصْفُهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ) أَوْ وُجِدَ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ رَأْسُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ لَيْسَ بِقَتِيلٍ إذْ الْأَقَلُّ لَيْسَ كَالْكُلِّ وَلِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ فِي قَتِيلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا بِوُجُودِ النِّصْفِ
فِي هَذِهِ الْمَحَلَّةِ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى أَهْلِهَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ نُوجِبَ إذَا وُجِدَ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي مَحَلَّةٍ أُخْرَى الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى أَهْلِهَا وَتَكْرَارُ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ فِي قَتْلٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمَوْجُودَ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ الْبَاقِي تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ لَا تَجِبُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ وُجِدَ الْبَاقِي لَا تَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ تَجِبُ وَالْمَعْنَى مَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ وُجِدَ) الْقَتِيلُ (عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا) أَيْ الدَّابَّةَ (رَجُلٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ عَاقِلَةِ السَّائِقِ سَوَاءٌ كَانَ السَّائِقُ مَالِكًا لِلدَّابَّةِ أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ لَا عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ لَا فِي أَيْدِيهِمْ.
(وَكَذَا) أَيْ يَضْمَنُ عَاقِلَةَ الْقَائِدِ أَوْ عَاقِلَةَ الرَّاكِبِ (لَوْ كَانَ يَقُودُهَا أَوْ رَاكِبَهَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي دَارِهِ.
(وَإِنْ اجْتَمَعُوا) أَيْ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ (فَعَلَيْهِمْ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَصَارَ كَمَا إذَا وُجِدَ فِي دَارِهِمْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا مَالِكِينَ لِلدَّابَّةِ بِخِلَافِ الدَّارِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ تَدْبِيرَ الدَّابَّةِ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَالِكِينَ لَهَا وَتَدْبِيرَ الدَّارِ إلَى مَالِكِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهَا، وَقِيلَ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى مَالِكِ الدَّابَّةِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّارِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) قَتِيلٌ (عَلَى دَابَّةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا) أَيْ أَقْرَبِ الْقَرْيَتَيْنِ إلَى الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ الَّتِي مَرَّتْ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «أَمَرَ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ بِأَنْ يُذَرَّعَ فَوُجِدَ أَقْرَبَ إلَى أَحَدِهِمَا بِشِبْرٍ فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ» وَاشْتُرِطَ سَمَاعُ الصَّوْتِ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِهَذَا الْقَيْدِ تَبَعًا لِلْكَنْزِ قَالَ شَارِحُهُ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانُوا بِحَيْثُ يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ وَأَمَّا إذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا بِحَيْثُ يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ يُمْكِنُهُمْ الْغَوْثُ فَيُنْسَبُونَ إلَى التَّقْصِيرِ فِي النُّصْرَةِ، وَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ الصَّوْتُ فَلَا يُنْسَبُونَ إلَى التَّقْصِيرِ فِي النُّصْرَةِ انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَيْدِ فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ حَيْثُ قَالَ، وَلَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ يُنْظَرُ إلَى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَقْرَبِ الْقَرْيَتَيْنِ إذَا كَانَ بِحَالٍ يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ، أَمَّا إذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ لَا تَجِبُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ، وَيُرَاعَى حَالُ الْمَكَانِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَكِنَّهُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفِيهَا أَيْضًا وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ إلَى جَانِبِ قَرْيَةٍ لَيْسَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فَهُوَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَا الْعِبْرَةُ لِلْمِلْكِ وَالْوِلَايَةِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) قَتِيلٌ (فِي دَارِ نَفْسِهِ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَتِيلِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْءَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ جُعِلَ كَأَنَّهُ
قَتَلَ نَفْسَهُ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ يُهْدَرُ دَمُهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ إنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ قَتِيلًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجُودُ الْقَتِيلِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ وَجَدَ قَتِيلًا وَكَانَتْ الدَّارُ مَمْلُوكَةً لِوَرَثَتِهِ لَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فَلِهَذَا كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي دَارِ إنْسَانٍ فَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْإِنْسَانِ (الْقَسَامَةُ) ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي حِفْظِ الْمِلْكِ الْخَاصِّ إلَى الْمَالِكِ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ) ؛ لِأَنَّ نُصْرَتَهُ وَقُوَّتَهُ بِهِمْ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ حُضُورًا يَدْخُلُونَ فِي الْقَسَامَةِ أَيْضًا) أَيْ كَصَاحِبِ الدَّارِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَخَصُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِي الْقَسَامَةِ كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُهُمْ عَوَاقِلُهُمْ فِيهَا وَلَهُمَا أَنَّ الْحُضُورَ أَلْزَمَهُمْ نُصْرَةَ الْمَوْضِعِ كَمَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّارِ فَيَتَشَارَكُونَهُ فِي الْقَسَامَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْعَاقِلَةُ حُضُورًا بَلْ كَانُوا غَائِبِينَ (كُرِّرَتْ) الْأَيْمَانُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ دُونَ السُّكَّانِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ يَعْنِي إذَا كَانَ فِي الْمَحَلَّةِ سُكَّانٌ وَمُلَّاكٌ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ عِنْدَهُمَا (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْجَمِيعِ) ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّدْبِيرِ كَمَا تَكُونُ بِالْمِلْكِ تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «قَضَى بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ» وَقَدْ كَانُوا سُكَّانًا وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا عَلَيْهِمْ لِالْتِزَامِهِمْ الْحِفْظَ أَوْ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ وَالْكُلُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ بِاللَّيْلِ مِثْلُ الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ يَكُونُونَ بِالنَّهَارِ فِي مَوْضِعٍ وَيَنْصَرِفُونَ إلَى أَهْلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَهُمَا أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي حِفْظِ الْمَحَلَّةِ إلَى الْمُلَّاكِ دُونَ السُّكَّانِ؛ لِأَنَّ السُّكَّانَ يَنْتَقِلُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ مَحَلَّةٍ إلَى مَحَلَّةٍ دُونَ الْمُلَّاكِ وَلِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ الْغُنْمِ وَهُوَ الشُّفْعَةُ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُلَّاكُ فَكَذَا مَا يَكُونُ مِنْ الْغُرْمِ وَأَمَّا أَهْلُ خَيْبَرَ فَكَانُوا مُلَّاكًا لَا سُكَّانًا، الْمُلَّاكُ هُمْ أَصْحَابُ الرَّقَبَةِ وَالسُّكَّانُ هُمْ الْمُسْتَأْجِرُونَ وَالْمُسْتَعِيرُونَ وَالْمُودَعُونَ وَالْمُرْتَهِنُونَ.
وَإِذَا وُجِدَ الضَّيْفُ فِي دَارِ الْمُضِيفِ قَتِيلًا فَهُوَ عَلَى رَبِّ الدَّارِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَا نَازِلًا فِي بَيْتٍ عَلَى حِدَةٍ فَلَا دِيَةَ وَلَا قَسَامَةَ وَإِذَا كَانَ مُخْتَلِطًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
(وَهِيَ) أَيْ الْقَسَامَةُ (عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ) أَيْ أَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ الْقَدِيمَةِ الَّذِينَ تَمَلَّكُوهَا حِينَ فَتَحَ الْإِمَامُ الْبَلْدَةَ وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
(وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ (وَاحِدٌ دُونَ الْمُشْتَرِينَ) هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى (وَعِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (عَلَى الْمُشْتَرِينَ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَلِهَذَا جُعِلُوا مُقَصِّرِينَ وَوِلَايَةُ الْحِفْظِ بِاعْتِبَارِ الْكَوْنِ فِيهَا
وَقَدْ اسْتَوَوْا فَصَارَ كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ لِلْخُطَّةِ تَأْثِيرٌ فِي التَّقَدُّمِ لَمَا شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَهُمَا أَنَّ صَاحِبَ الْخُطَّةِ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِتَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ وَالْمَحَلَّةُ تُنْسَبُ إلَيْهِ دُونَ الْمُشْتَرِينَ وَقَلَّمَا يُزَاحِمُهُ الْمُشْتَرِي فِي التَّدْبِيرِ وَالْقِيَامِ بِحِفْظِ الْمَحَلَّةِ فَكَانَ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقَسَامَةِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَقِيلَ إنَّمَا أَجَابَ الْإِمَامُ بِهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَهُ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي زَمَانِهِ أَنَّ أَصْحَابَ الْخُطَّةِ فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ يَقُومُونَ بِتَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ وَلَا يُشَارِكُهُمْ الْمُشْتَرُونَ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَحَدٌ فَعَلَى الْمُشْتَرِينَ) بِالِاتِّفَاقِ أَيْ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَحَدٌ بِأَنْ بَاعُوا كُلُّهُمْ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْمُشْتَرِينَ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مَنْ يَتَقَدَّمُهُمْ أَوْ يُزَاحِمُهُمْ فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَيْهِمْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ حَصَلَتْ لَهُمْ الْوِلَايَةُ لِزَوَالِ مَنْ يُزَاحِمُهُمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ خَفِيٌّ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ.
(وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ وَلَمْ تُقْبَضْ) فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ (فَعَلَى الْبَائِعِ) أَيْ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَائِعِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا عَلَى الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُزِّلَ قَاتِلًا بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ وَالْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْبَاتِّ فَلِهَذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، وَلَهُ إنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ لَا بِالْمِلْكِ وَالْيَدُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ فَكَانَ مُقَصِّرًا فِي الْحِفْظِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ (وَفِي الْبَيْعِ بِخِيَارٍ عَلَى) عَاقِلَةِ (ذِي الْيَدِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا عَلَى مَنْ يَصِيرُ الْمِلْكُ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُزِّلَ قَاتِلًا بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ فَلَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَالْوِلَايَةُ تُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ الدَّارُ وَدِيعَةً تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ دُونَ الْمُودَعِ وَمَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَرَارُ الْمِلْكِ، وَلَهُ أَنَّ الْحِفْظَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَيْدِي؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحِفْظِ بِالْيَدِ بِدُونِ الْمِلْكِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْيَدَ وَهُمَا اعْتَبَرَا الْمِلْكَ إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَرَارِ الْمِلْكِ.
(وَلَا تَدِي عَاقِلَةُ ذِي الْيَدِ إلَّا بِحُجَّةِ أَنَّهَا) أَيْ الدَّارَ (لَهُ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ لَا تَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ وَالْيَدُ، وَإِنْ كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ إلَّا أَنَّهَا تَحْتَمِلُهُ فَلَا تَكْفِي لِإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا لَا تَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ فِي الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالظَّاهِرِ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ كَمَا عُرِفَ فِي الْحُصُولِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَتِيلُ الْمَوْجُودُ فِيهَا هُوَ صَاحِبَ الدَّارِ أَوْ غَيْرَهُ.
(وَإِنْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ سِهَامًا مُخْتَلِفَةً) بِأَنْ كَانَ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ وَعُشْرُهَا لِآخَرَ وَلِآخَرَ مَا بَقِيَ (فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الرُّءُوسِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُضَافٌ إلَى وِلَايَةِ الْحِفْظِ وَعِنْدَ التَّقْصِيرِ فِيهِ ثَبَتَ أَحْكَامُ الْقَتْلِ بِدَلَالَةِ الْمِلْكِ، وَوِلَايَةُ الْحِفْظِ ثَابِتَةٌ لَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ وَالدَّلَالَةُ وَاحِدَةٌ لَا يَخْتَلِفُ أَثَرُهَا بِتَفَاوُتِ الْمِلْكِ فَكَانَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ
كَالشُّفْعَةِ.
(وَإِنْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي سَفِينَةٍ فَعَلَى مَنْ فِيهَا) أَيْ فِي السَّفِينَةِ (مِنْ الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَّابِ) جَمْعُ رَاكِبٍ أَيْ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ مِنْ أَرْبَابِهَا وَسُكَّانِهَا، الْمَالِكُ وَغَيْرُ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمْ فِي تَدْبِيرِهَا سَوَاءٌ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ فَظَاهِرٌ لِتَسْوِيَتِهِ فِي الدَّارِ بَيْنَ السُّكَّانِ وَالْمُلَّاكِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلِأَنَّ السَّفِينَةَ تَنْقُلُ وَتُحَوِّلُ فَتَكُونُ فِي الْيَدِ حَقِيقَةً فَإِنَّهَا مَرْكَبٌ كَالدَّابَّةِ.
(وَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ فَعَلَى أَهْلِهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِ.
(وَإِنْ) وُجِدَ الْقَتِيلُ (بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا) أَيْ الْقَرْيَتَيْنِ إلَى الْقَتِيلِ لِمَا رَوَيْنَا سَابِقًا.
(وَإِنْ) وُجِدَ (فِي سُوقٍ مَمْلُوكٍ فَعَلَى الْمَالِكِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى السُّكَّانِ) سَوَاءٌ كَانُوا مُلَّاكًا أَوْ غَيْرَ مُلَّاكٍ قَالَ صَاحِبُ التَّسْهِيلِ أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُشَارِكَ الْمُلَّاكُ السُّكَّانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ (وَفِي غَيْرِ الْمَمْلُوكِ) مِنْ الْأَسْوَاقِ (كَالشَّوَارِعِ) جَمْعُ شَارِعٍ وَهُوَ الطَّرِيقُ الْأَعْظَمُ (عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِدُونِ قَسَامَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَسَامَةِ نَفْيُ تُهْمَةِ الْقَتْلِ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ.
وَفِي الدُّرَرِ اعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ يَنْقَسِمُ ابْتِدَاءً إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا طَرِيقٌ خَاصٌّ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ لَا مَخْرَجٌ، وَالْآخَرُ طَرِيقٌ عَامٌّ وَهُوَ مَا لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ وَمَخْرَجٌ وَيُسَمَّى هَذَا بِالشَّارِعِ، وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: شَارِعُ الْمَحَلَّةِ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهِ أَكْثَرَ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا وَهَذَا مَا قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَفِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي شَارِعِ الْمَحَلَّةِ وَالْآخَرُ الشَّارِعُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ مَا يَكُونُ مُرُورُ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ فِيهِ عَلَى السَّوِيَّةِ كَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَخَارِجِ الْبُلْدَانِ، وَهَذَا مَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَمَنْ وُجِدَ فِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ هَذَا الْمَقَامُ حَتَّى تَنْدَفِعَ الشُّبْهَةُ وَتَضْمَحِلَّ الْأَوْهَامُ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا كَالشَّوَارِعِ الْعَامَّةِ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا أَنْ تَكُونَ نَائِيَةً عَنْ الْمَحَالِّ وَأَمَّا الْأَسْوَاقُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَحَالِّ فَهِيَ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَتَكُونُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ انْتَهَى. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ.
وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ لِإِمَامِهِ وَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ إلَيْهِمْ وَالْجَامِعُ وَالشَّارِعُ لِلْعَامَّةِ ثُمَّ قَالَ بِخِلَافِ الْأَسْوَاقِ الْمَمْلُوكَةِ لِأَهْلِهَا وَاَلَّتِي فِي الْمَحَالِّ وَالْمَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا حَيْثُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوْ عَلَى الْمُلَّاكِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي هُنَا؛ لِأَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ أَرْبَابِهَا أَوْ بِحِفْظِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَقْرَبِ الْمَحَلَّاتِ وَقَالَ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى
بَيْتِ الْمَالِ فِيمَا إذَا كَانَ الشَّارِعُ نَائِيًا عَنْ الْمَحَلَّاتِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَعَامَّةِ كُتُبِ الْفَتَاوَى انْتَهَى. وَإِنَّمَا أَطْنَبْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُتُونِ أَنَّ الدِّيَةَ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْعَبْدِ عَنْ الْمَحَلَّاتِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ هَذَا التَّقْيِيدِ كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (، وَكَذَا) تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (إنْ وُجِدَ) الْقَتِيلُ (فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْعَامَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ دُونَ وَاحِدٍ.
(وَكَذَا إنْ وُجِدَ فِي السِّجْنِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى أَهْلِ السِّجْنِ) لَهُمَا أَنَّ أَهْلَ السِّجْنِ مَقْهُورُونَ فِي السُّكُونِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَلَّمَا يَقُومُونَ بِحِفْظِهِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ ثُمَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مُعَدٌّ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَدِيَةُ الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ فِيهِ تَكُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ كَوْنَهُمْ سُكَّانًا وَهُمْ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِتَدْبِيرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَا دَامُوا فِيهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْهُمْ قَالُوا وَهَذَا الِاخْتِلَافُ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُلَّاكِ وَالسُّكَّانِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ) وُجِدَ (فِي بَرِيَّةٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الصَّحْرَاءُ (لَيْسَ بِقُرْبِهِ) هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بِضَمِيرِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ صَحَّ يَكُونُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعِ أَوْ الْمَكَانِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِبَرِيَّةٍ (قَرْيَةٌ يُسْمَعُ مِنْهَا) أَيْ الْقَرْيَةِ (الصَّوْتُ) الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ (فَهُوَ هَدَرٌ) أَمَّا إذَا سُمِعَ مِنْهَا الصَّوْتُ تَكُونُ فِنَاءَ الْعُمْرَانِ وَهُمْ أَحَقُّ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِ لِرَعْيِ مَوَاشِيهِمْ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهَا الصَّوْتُ الْوَاقِعُ فِي الْبَرِيَّةِ فَيُعَدُّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوَاتِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يُوصَفُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ بِالتَّقْصِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ بِتَصْوِيتِهِ وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ، فَإِنْ كَانَتْ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
(وَكَذَا لَوْ) وُجِدَ (فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ هُوَ نَهْرُ الْكُوفَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْرُ الْعَظِيمُ لَا بِخُصُوصِ نَهْرِ الْفُرَاتِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي نَهْرٍ عَظِيمٍ يَجْرِي بِهِ الْمَاءُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَذِكْرُ الْوَسَطِ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّطِّ كَحُكْمِ الْوَسَطِ مَا دَامَ يَجْرِي بِالْقَتِيلِ مَاؤُهُ.
(وَإِنْ) وُجِدَ (مُحْتَبِسًا بِالشَّطِّ) أَيْ جَانِبِ النَّهْرِ (فَعَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ الشَّطِّ؛ لِأَنَّ الشَّطَّ فِي أَيْدِيهِمْ بِحَيْثُ يَسْتَقُونَ مِنْهُ وَيُورِدُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَيْهِ فَكَانُوا أَحَقَّ بِتَدْبِيرِهِ فَكَانَ ضَمَانُ الْمُحْتَبِسِ فِيهِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ نَهْرًا صَغِيرًا لِقَوْمٍ مَعْرُوفِينَ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالِانْتِفَاعِ بِمَائِهِ سَقْيًا لِأَرَاضِيِهِمْ وَالتَّدْبِيرَ فِي كَرْيِهِ وَإِجْرَاءَ الْمَاءِ مِنْهُ إلَيْهِمْ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحَلَّةِ وَالنَّهْرُ الصَّغِيرُ مَا يُسْتَحَقُّ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا يُسْتَحَقُّ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَهُوَ نَهْرٌ عَظِيمٌ كَالْفُرَاتِ وَجَيْحُونَ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ الْتَقَى قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ ثُمَّ أُجْلُوا) أَيْ انْكَشَفُوا وَتَفَرَّقُوا (عَنْ
قَتِيلٍ فَعَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَحَلَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى أَهْلِهَا فَحَيْثُ قَصَّرُوا فِي الْحِفْظِ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ وَلِيُّهُ) أَيْ الْقَتِيلِ (عَلَى الْقَوْمِ) الَّذِينَ الْتَقَوْا وَأُجْلُوا (أَوْ عَلَى) وَاحِدٍ (مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ فَتَسْقُطُ) أَيْ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ (عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَاهُ جُعِلَ مُبَرِّئًا لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ (وَلَا يَثْبُتُ) الْقَتْلُ (عَلَى) أُولَئِكَ (الْقَوْمِ) الَّذِينَ الْتَقَوْا وَأُجْلُوا (إلَّا بِحُجَّةٍ) إذْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَوْ خُلِّيَ النَّاسُ وَدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(وَلَوْ وُجِدَ) أَيْ الْقَتِيلُ (فِي مُعَسْكَرٍ) أَيْ مَوْضِعِ عَسْكَرٍ (بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ) لِأَحَدٍ (فَإِنْ) وُجِدَ (فِي خِبَاءٍ) هُوَ الْخَيْمَةُ مِنْ الصُّوفِ (أَوْ فُسْطَاطٍ) وَهُوَ الْخَيْمَةُ الْعَظِيمَةُ (فَعَلَى رَبِّهِ) أَيْ رَبِّ الْخِبَاءِ أَوْ الْفُسْطَاطِ (وَإِلَّا فَعَلَى الْأَقْرَبِ) أَيْ تَجِبُ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْخِبَاءِ أَوْ الْفُسْطَاطِ الْأَقْرَبِينَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْيَدُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهِ. قَالُوا: هَذَا إذَا نَزَلُوا قَبَائِلَ مُتَفَرِّقِينَ، وَأَمَّا إذَا نَزَلُوا جُمْلَةً مُخْتَلِطِينَ فَالدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ عَلَى الْعَسْكَرِ جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلُوا جُمْلَةً مُخْتَلِطِينَ صَارَتْ الْأَمْكِنَةُ كُلُّهَا بِمَنْزِلَةِ مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَيَكُونُ مَنْسُوبًا إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فَتَجِبُ غَرَامَةُ مَا وُجِدَ فِي خَارِجِ الْخِيَامِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ.
(وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْعَسْكَرُ (قَدْ قَاتَلُوا عَدُوًّا) وَوُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَهُمْ (فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَدُوَّ قَتَلَهُ فَكَانَ هَدَرًا.
(وَإِنْ) كَانَتْ (الْأَرْضُ) الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْعَسْكَرُ (مَمْلُوكَةً) لِأَحَدٍ (فَالْعَسْكَرُ كَالسُّكَّانِ وَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَالِكِ لَا عَلَيْهِمْ) أَيْ لَا عَلَى الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالتَّدْبِيرِ فِي مِلْكِهِ وَحِفْظُ مِلْكِهِ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ إذْ لَا عِبْرَةَ لِلسُّكَّانِ مَعَ الْمُلَّاكِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْمَالِكِ وَالسُّكَّانِ جَمِيعًا وَدَلِيلُهُ مَذْكُورٌ فِيمَا سَبَقَ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ.
(وَمَنْ جُرِحَ فِي قَبِيلَةٍ ثُمَّ نُقِلَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَزَلْ ذَا فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ) مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ (فَالْقَسَامَةُ) وَالدِّيَةُ (عَلَى الْقَبِيلَةِ) الَّتِي جُرِحَ فِيهَا (عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا شَيْءَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ وَهَذَا جَرِيحٌ لَيْسَ بِقَتِيلٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَلَهُمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهُوَ مَرِيضٌ وَالْمَرَضُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ مِنْ أَوَّلِ سَبَبِهِ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفَاتِ، فَكَذَا فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ مَاتَ حِينَ جُرِحَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفَاتِ كَالصَّحِيحِ فَكَذَا فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ وَعَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ إذَا وُجِدَ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ يَحْمِلُهُ إلَى بَيْتٍ فَمَاتَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ عَلَى الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فَلَا شَيْءَ عَلَى