الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَجُلٌ (أَرْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَزْرَعُهَا أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ مَا يَزْرَعُهَا لَا يَصِحُّ) الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ لِلزِّرَاعَةِ، وَكَذَا مَا يُزْرَعُ فِيهَا مُخْتَلَفٌ فَبَعْضُهُ أَقَلُّ ضَرَرًا بِهَا مِنْ بَعْضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَإِلَّا لَا يُعْلَمُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَيُفْضِيَ إلَى الْفَسَادِ هَذَا (إنْ لَمْ يُعَمِّمْ) الْمُؤَجِّرُ أَمَّا إنْ عَمَّمَ بِأَنْ يَقُولُ: عَلَى أَنْ تَزْرَعَ مَا شِئْت فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ لِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْهُ (فَإِنْ زَرَعَهَا) بِلَا ذِكْرِ الزِّرَاعَةِ أَوْ مَا يَزْرَعُ فِيهَا (وَمَضَى الْأَجَلُ عَادَ) الْعَقْدُ (صَحِيحًا وَلَهُ) أَيْ لِلْمُؤَجِّرِ (الْمُسَمَّى) مِنْ الْأُجْرَةِ اسْتِحْسَانًا لِارْتِفَاعِ الْجَهَالَةِ وَانْقِطَاعِ الْمُنَازَعَةِ فَيَنْقَلِبُ جَائِزًا كَمَا إذَا أَسْقَطَ الْأَجَلَ الْمَجْهُولَ قَبْلَ مَجِيئِهِ.
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَعُودُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا فَيَلْزَمُ أَجْرُ الْمِثْلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَمَا فِي الْمِنَحِ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَعُودُ صَحِيحًا، وَهُوَ الْقِيَاسُ مُخَالِفٌ لِأَكْثَرِ الْكُتُبِ تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا إلَى مَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ فَحَمَلَ الْمُعْتَادَ) أَيْ مَا يَحْمِلُ النَّاسُ عَلَى مِثْلِهِ (فَنَفَقَ) أَيْ هَلَكَ فِي الطَّرِيقِ (لَا يَضْمَنُ) الْمُسْتَأْجِرُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً هَذَا إذَا لَمْ يَتَعَدَّ فَإِذَا تَعَدَّى ضَمِنَ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ بَلَغَ) الْحِمَارُ مَعَ الْحَمْلِ (مَكَّةَ) شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُؤَجِّرِ (الْمُسَمَّى) مِنْ الْأُجْرَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ كَانَ لِلْجَهَالَةِ، فَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا يُحْمَلُ عَلَى مِثْلِهِ تَعَيَّنَ ذَلِكَ فَانْقَلَبَ صَحِيحًا.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ تَكَارَى دَابَّةً إلَى فَارِسَ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ وَخَوَارِزْمَ، وَالشَّامَ وَفَرْغَانَةَ وَسُغْدَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَهِنْدَ وَالْخُطَا، وَالدَّشْتَ، وَالرُّومَ، وَالْيَمَنَ اسْمٌ لِلْوِلَايَةِ وَبُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ وَبَلْخِي وَجُرْجَانِيَّةَ وَهَرَاةَ وَأُوزَجَنْدَ اسْمُ الْبَلْدَةِ وَجَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بُخَارَى اسْمَ الْوِلَايَةِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ هُوَ اسْمُ الْوِلَايَةِ إذَا بَلَغَ الْأَدْنَى لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُسَمَّى، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ هُوَ اسْمُ الْبَلَدِ إذَا وَصَلَ الْبَلَدَ يَلْزَمُ الْبَلَاغُ إلَى مَنْزِلِهِ.
(وَإِنْ اخْتَصَمَا) أَيْ الْمُؤَجِّرُ، وَالْمُسْتَأْجِرُ (قَبْلَ الزَّرْعِ) فِي مَسْأَلَةِ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ بِلَا ذِكْرِ الزَّرْعِ (وَ) قَبْلَ (الْحَمْلِ) فِي مَسْأَلَةِ اسْتِئْجَارِ الْحِمَارِ (نُقِضَتْ الْإِجَارَةُ لِلْفَسَادِ) لِبَقَائِهِ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْجَهَالَةِ بِالتَّعْيِينِ بِالزَّرْعِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَبِالْحَمْلِ فِي هَذَا فَلَوْ اخْتَصَمَا بَعْدَ الزَّرْعِ أَوْ الْحَمْلِ لَا يَقْضِي بِنَقْضِ الْعَقْدِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ فَلَا يَنْدَفِعُ الْفَسَادُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ إلَّا بِمُضِيِّ الْأَجَلِ أَوْ بِالْبُلُوغِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ثُمَّ جَحَدَ الْإِجَارَةَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَجْرُ مَا رَكِبَ قَبْلَ الْإِنْكَارِ وَلَا يَجِبُ لِمَا بَعْدَهُ هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْأَجْرُ كُلُّهُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ إجَارَةُ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَنْفَعَةِ تَجُوزُ إذَا اخْتَلَفَا وَإِذَا اتَّحَدَا لَا.
[فَصَلِّ أَحْكَام الْأَجِير وَأَنْوَاعه]
فَصَلِّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ وَهِيَ
الضَّمَانُ، وَالْأَجِيرُ نَوْعَانِ مُشْتَرَكٌ وَخَاصٌّ، وَالسُّؤَالُ عَنْ وَجْهِ تَقْدِيمِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الْخَاصِّ دَوْرِيٌّ (. الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِوَاحِدٍ عَمِلَ لِغَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ عَامِلًا لِغَيْرِ وَاحِدٍ بَلْ إذَا عَمِلَ لِوَاحِدٍ أَيْضًا فَقَطْ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ إذَا كَانَ لَا يَمْتَنِعُ وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ، وَفِي الْغُرَرِ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَنْ يَعْمَلُ لَا لِوَاحِدٍ أَوْ يَعْمَلُ لَهُ غَيْرَ مُؤَقِّتٍ أَوْ مُؤَقِّتًا بِلَا تَخْصِيصٍ.
وَفِي الْقُدُورِيِّ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ حَتَّى يَعْمَلَ، وَالْأَجِيرُ الْخَاصُّ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فِي الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ.
وَفِي التَّبْيِينِ هَذَا يَئُولُ إلَى الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ يَعْرِفُ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ، وَالْخَاصَّ، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ فِي بَابِ الْأَجْرِ مَتَى يَسْتَحِقُّ أَنَّ بَعْضَ الْأُجَرَاءِ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِالْعَمَلِ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُعَرِّفِ وَقِيلَ: قَوْلُهُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ مُفْرَدٌ، وَالتَّعْرِيفُ بِالْمُفْرَدِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَالصَّبَّاغِ، وَالْقَصَّارِ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا بِالْمِثَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لَكِنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ عَلَى التَّعْرِيفِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَفِي كَوْنِهِ مُفْرَدًا لَا يَصِحُّ التَّعْرِيفُ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ التَّعْرِيفَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالْأَوْجُهُ أَنْ يُقَالَ: الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَنْ يَكُونُ عَقْدُهُ وَارِدًا عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَيَانِ مَحَلِّهِ لِيَسْلَمَ عَنْ النَّقْضِ، وَالْأَجِيرُ الْخَاصُّ الَّذِي يَكُونُ عَقْدُهُ وَارِدًا عَلَى مَنَافِعِهِ وَلَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بِذِكْرِ الْمُدَّةِ أَوْ بِذِكْرِ الْمَسَافَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ (وَلَا يَسْتَحِقُّ) الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ (الْأَجْرَ حَتَّى يَعْمَلَ كَالصَّبَّاغِ، وَالْقَصَّارِ) وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَتَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُعَوِّضَيْنِ فَمَا لَمْ يَسْلَمْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ الْعَمَلُ لَا يَسْلَمُ لِلْأَجِيرِ الْعِوَضُ وَهُوَ الْأَجْرُ (وَالْمَتَاعُ فِي يَدِهِ) أَيْ فِي يَدِ الْأَجِيرِ (أَمَانَةٌ لَا يَضْمَنُ إنْ هَلَكَ) الْمَتَاعُ مِنْ غَيْرِ فَعَلَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ قِيَاسًا سَوَاءٌ هَلَكَ بِأَمْرٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَالسَّرِقَةِ، وَالْغَصْبِ أَوْ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ، وَالْعَدُوِّ الْمُكَابِرِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لِحُصُولِ الْقَبْضِ بِإِذْنِهِ فَلَا يَكُونُ الْحِفْظُ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ وَلِذَا لَا يُقَابِلُهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي الْإِجَارَةِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ أَوْ الْوَصْفِ بِخِلَافِ الْمُودَعِ بِأَجْرٍ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ مَقْصُودٌ حَتَّى يُقَابِلَهُ الْأَجْرُ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (شَرَطَ) عَلَيْهِ (ضَمَانَهُ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ (بِهِ) أَيْ بِعَدَمِ الضَّمَانِ (يُفْتَى) .
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَقَدْ جَعَلَ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَبِهِ جَزَمَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ، وَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ (وَعِنْدَهُمَا) .
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ (يَضْمَنُ إنْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْهَلَاكِ (كَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ) التَّحَرُّزُ عَنْهُ (كَالْمَوْتِ) حَتْفَ أَنْفِهِ
(وَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ، وَالْعَدُوِّ الْمُكَابِرِ) لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِصِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالصُّلْحِ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ، وَالْأَئِمَّةِ، وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْوُلَاةِ، وَالْقُضَاةِ عَمَلًا بِالْقَوْلَيْنِ.
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً، وَإِنْ فَاسِدَةً لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا (وَيَضْمَنُ مَا) أَيْ الَّذِي (تَلِفَ بِعَمَلِهِ) أَيْ بِعَمَلِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ (اتِّفَاقًا كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ) أَيْ دَقِّ الْقَصَّارِ (وَزَلَقِ الْحَمَّالِ) إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُزَاحَمَةِ النَّاسِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ، فَإِنَّ التَّلَفَ الْحَاصِلَ مِنْ زَلَقِهِ حَصَلَ مِنْ تَرْكِهِ التَّثْبِيتَ فِي الْمَشْيِ (وَانْقِطَاعِ الْحَبْلِ الَّذِي يَشُدُّ بِهِ الْمُكَارِي) الْحِمْلَ، فَإِنَّ التَّلَفَ الْحَاصِلَ بِهِ حَصَلَ مِنْ تَرْكِهِ التَّوْثِيقَ فِي شَدِّ الْحَبْلِ (وَغَرَقِ السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهَا) ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السَّفِينَةَ لَوْ غَرِقَتْ مِنْ مَوْجٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ يَنْتَظِمُ السَّلِيمَ وَالْمَعِيبَ، وَلَنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمُصْلِحُ دُونَ الْمُفْسِدِ فَكَانَ هُوَ الْمَأْذُونَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ عَمَلًا جَاوَزَ فِيهِ الْقَدْرَ الْمُعْتَادَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَجَّامِ أَوْ عَمَلًا لَا يُعْتَادُ فِيهِ الْمِقْدَارُ الْمَعْلُومُ لَكِنَّ مَا فِي الْمِنَحِ نَقْلًا عَنْ الْعِمَادِيَّةِ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْلِهِ بِأَنْ تَخَرَّقَ بِدَقِّهِ أَوْ عَصْرِهِ يَضْمَنُ عِنْدَنَا بِخِلَافِ الْبَزَّاغِ، وَالْحَجَّامِ، فَإِنَّ الْبَزَّاغَ وَنَحْوَهُ لَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ إذَا لَمْ يُجَاوِزْ الْمُعْتَادَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ جَاوَزَ الْمُعْتَادَ أَوْ لَا تَدَبَّرْ (لَكِنْ لَا يَضْمَنُ بِهِ) أَيْ بِغَرَقِ السَّفِينَةِ (الْآدَمِيَّ) مِنْ مَدِّهَا (مِمَّنْ غَرِقَ فِي السَّفِينَةِ أَوْ سَقَطَ مِنْ الدَّابَّةِ) ، وَإِنْ كَانَ بِسَوْقِهِ أَوْ قَوْدِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْآدَمِيِّ لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ بَلْ بِالْجِنَايَةِ، وَمَا يَجِبُ بِهَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْعَاقِلَةُ لَا يَتَحَمَّلُ ضَمَانَ الْقَوْدِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجِنَايَةٍ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ قِيلَ: هَذَا الْكَلَامُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ وَيَرْكَبُ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَتَاعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ (وَلَا يَضْمَنُ فَصَّادٌ وَلَا بَزَّاغٌ لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمُعْتَادَ) ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ
لَيْسَ بِالْوُسْعِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِحُصُولِ الْمَوْتِ إلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَضْمَنُ الزَّائِدَ هَذَا كُلَّهُ إذَا لَمْ يَهْلَكْ، وَإِنْ هَلَكَ يَضْمَنُ نِصْفَ الدِّيَةِ حَتَّى أَنَّ الْخَتَّانَ لَوْ قَطَعَ الْحَشَفَةَ وَبَرِئَ الْمَقْطُوعُ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ هُوَ الْحَشَفَةُ وَهُوَ عُضْوٌ كَامِلٌ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ مَاتَ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَ بِمَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَهُوَ مِنْ أَغْرَبِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ يَجِبُ الْأَكْثَرُ بِالْبُرْءِ، وَالْأَقَلُّ بِالْهَلَاكِ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمِنَحِ فَلْيُطَالَعْ.
سُئِلَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَنْ فَصَّادٍ جَاءَ إلَيْهِ غُلَامٌ وَقَالَ: افْصِدْ لِي فَفَصَدَهُ فَصْدًا مُعْتَادًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ السَّبَبِ قَالَ: يَضْمَنُ الْفَصَّادُ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ الْفَصَّادِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ تَجِبُ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْفَصَّادِ، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ فَصَدَ نَائِمًا وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فِي سَيَلَانِ الدَّمِ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ.
(وَلَوْ انْكَسَرَ دَنٌّ مِنْ طَرِيقِ الْفُرَاتِ) ذَكَرَ الْفُرَاتَ لِلشُّهْرَةِ بِالْوَفْرَةِ، وَالزِّيَادَةُ بِلَا فَائِدَةٍ (فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ) أَيْ الْحَمَّالَ (قِيمَتَهُ) أَيْ قِيمَةَ الدَّنِّ الَّتِي تَقُومُ (فِي مَكَانِ حَمْلِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ أَوْ) ضَمِنَ قِيمَتَهُ (فِي مَكَانِ كَسْرِهِ وَلَهُ) أَيْ الْحَمَّالِ (الْأَجْرُ بِحِسَابِهِ) أَمَّا الضَّمَانُ فَلِأَنَّ السُّقُوطَ بِالْعِثَارِ أَوْ بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِهِ، وَأَمَّا الْخِيَارُ فَلِأَنَّهُ إذَا انْكَسَرَ فِي الطَّرِيقِ، وَالْحَمْلُ شَيْءٌ وَاحِدٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ تَعَدِّيًا مِنْ الِابْتِدَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَمْلِ حَصَلَ بِإِذْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا صَارَ تَعَدِّيًا عِنْدَ الْكَسْرِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّ الْوَجْهَيْنِ شَاءَ.
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي لَهُ الْأَجْرُ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى.
وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى أَصْلًا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَ) ثَانِي النَّوْعَيْنِ (الْأَجِيرُ الْخَاصُّ) وَهُوَ (مَنْ يَعْمَلُ لِوَاحِدٍ) قَيَّدَ صَاحِبُ الدُّرَرِ بِقَوْلِهِ: عَمَلًا مُؤَقَّتًا بِالتَّخْصِيصِ، وَقَالَ: فَوَائِدُ الْقُيُودِ عُرِفَتْ مِمَّا سَبَقَ (وَيُسَمَّى أَجِيرَ وَحْدٍ) أَيْضًا (وَيَسْتَحِقُّ) الْأَجِيرُ الْخَاصُّ (الْأَجْرَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ) أَيْ الْأَجْرَ (مُدَّتَهُ) أَيْ الْعَقْدِ سَوَاءٌ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ مَعَ التَّمَكُّنِ بِالْإِجْمَاعِ (كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْخِدْمَةِ) الْغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ (سَنَةً أَوْ لِرَعْيِ الْغَنَمِ) لِهَذَا الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى مَنَافِعِهِ وَذَكَرَ الْعَمَلَ لِصَرْفِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ حَيْثُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ مِنْ آخَرَ.
وَفِي شَرْحِ الْوَافِي وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ اسْتَأْجَرَهُ لِرَعْيِ غَنَمِهِ بِدِرْهَمٍ شَهْرًا فَهُوَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ لَا أَنْ يَقُولَ: وَلَا تَرْعَى غَنَمَ غَيْرِي فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ أَجِيرَ وَحْدٍ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِرَعْيِ غَنَمِهِ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَهُوَ أَجِيرُ وَحْدٍ إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَتَرْعَى غَنَمَ غَيْرِي.
وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَوْمًا لِيَعْمَلَ فِي الصَّحْرَاءِ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ بَعْدَمَا خَرَجَ الْأَجِيرُ إلَى الصَّحْرَاءِ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ لَمْ يُوجَدْ لِمَكَانِ الْعُذْرِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْمَرْغِينَانِيُّ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ، وَفِي الْمِنَحِ.
وَإِنْ هَلَكَ فِي الْمُدَّةِ نِصْفُ الْغَنَمِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ
النِّصْفِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً مَا دَامَ يَرْعَى مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ، وَقَدْ وُجِدَ وَلَيْسَ لِلرَّاعِي أَنْ يَنْزُوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْزَاءَ حَمْلٌ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَعَطِبَتْ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ الْفَحْلُ نَزَا عَلَيْهَا فَعَطِبَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
وَفِي الْعِمَادِيَّةِ ثُمَّ الرَّاعِي إذَا كَانَ أَجِيرَ وَحْدٍ فَمَاتَتْ مِنْ الْأَغْنَامِ وَاحِدَةٌ حَتَّى لَا يَضْمَنَ لَا يَنْقُصُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهَا؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ لَوْ مَاتَتْ كُلُّهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ الْأَجْرِ شَيْءٌ انْتَهَى، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْجَوْهَرَةِ مَا دَامَ يَرْعَى مِنْهَا شَيْئًا كَمَا لَا يَخْفَى (وَلَا يَضْمَنُ) الْأَجِيرُ الْخَاصُّ (مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ) بِأَنْ يُسْرَقَ مِنْهُ أَوْ غَابَ أَوْ غُصِبَ (أَوْ بِعَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَبَّلُ الْأَعْمَالَ الْكَثِيرَةَ مِنْ النَّاسِ فَلَا يُوجَدُ الْعَجْزُ وَالتَّقْصِيرُ فِي الْحِفْظِ بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ الْمَأْذُونِ كَانْكِسَارِ الْقَدُومِ أَوْ تَخَرُّقِ الثَّوْبِ عِنْدَ الْعَمَلِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْفَسَادَ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ الْأَعْمَالَ الْكَثِيرَةَ مِنْ الْخَلْقِ طَمَعًا فِي الْأَجْرِ فَيَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عِنْدَهُمَا اسْتِحْسَانًا لِصِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ كَمَا مَرَّ.
وَفِي الْمِنَحِ الرَّاعِي إذَا خَلَطَ الْغَنَمَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّمْيِيزِ لَا يَضْمَنُ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي تَعْيِينِ الدَّوَابِّ أَنَّهَا لِفُلَانٍ، وَإِنْ كَانَ خَلْطًا لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ يَكُونُ ضَامِنًا قِيمَتَهَا.
وَالْقَوْلُ فِي مِقْدَارِ الْقِيمَةِ قَوْلُ الرَّاعِي، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْأَغْنَامِ يَوْمَ الْخَلْطِ، فَإِنْ دَفَعَ غَنَمَ رَجُلٍ إلَى غَيْرِ صَاحِبِهَا فَاسْتَهْلَكَهَا الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ، وَأَقَرَّ الرَّاعِي بِذَلِكَ ضَمِنَ الرَّاعِي، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاعِي عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ إنْ كَانَ الرَّاعِي أَقَرَّ وَقْتَ الدَّفْعِ أَنَّهَا لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ.
وَلَوْ نَدَّتْ بَقَرَةٌ مِنْ الْبَاقُورَةِ فَخَافَ الْبَقَّارُ أَنَّهُ لَوْ تَبِعَهَا يَضِيعُ الْبَاقِي كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يَتْبَعَهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ إنْ كَانَ الرَّاعِي خَاصًّا، وَإِنْ مُشْتَرَكًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا فَضَّلَ عَنْ الطَّرِيقِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ بَعْدَ الطَّلَبِ لَا يَضْمَنُ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ: بَقَّارٌ تَرَكَ الْبُقُورَ مَعَ صَبِيٍّ لِحِفْظِهِنَّ فَهَلَكَتْ بَقَرَةٌ وَقْتَ السَّقْيِ بِآفَةٍ، فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ قُدْرَةُ الْحِفْظِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِلَّا يَضْمَنُ، وَلَوْ جَاءَ الْبَقَّارُ لَيْلًا وَزَعَمَ أَنَّهُ رَدَّ الْبَقَرَةَ وَأَدْخَلَهَا الْقَرْيَةَ فَطَلَبَهَا صَاحِبُهَا وَلَمْ يَجِدْهَا ثُمَّ وَجَدَهَا بَعْدَ أَيَّامٍ فِي قُرَى الْجَبَّانَةِ قَدْ عَطِبَتْ قَالُوا: إنْ كَانَ الْعُرْفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الْبَقَّارَ يُدْخِلُ الْبُقُورَ فِي الْقَرْيَةِ وَلَمْ يَطْلُبُوا مِنْهُ أَنْ يُدْخِلَ كُلَّ بَقَرَةٍ فِي مَنْزِلِ صَاحِبِهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَقَّارِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ أَدْخَلَ الْبَقَرَةَ فِي الْقَرْيَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(وَصَحَّ تَرْدِيدُ الْأَجِيرِ) أَيْ جَعْلُهُ مُتَرَدِّدًا (بَيْنَ نَفْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَأَيُّهُمَا وُجِدَ لَزِمَ مَا سَمَّى لَهُ نَحْوُ) لَوْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ: (إنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا فَبِدِرْهَمٍ أَوْ رُومِيًّا فَبِدِرْهَمَيْنِ) فَأَيَّ عَمَلٍ مِنْ هَذَيْنِ الْعَمَلَيْنِ عَمِلَ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى هَذَا عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالْأَجْرُ قَدْ يَجِبُ بِالْعَمَلِ، وَعِنْدَ الْعَمَلِ يَرْتَفِعُ الْجَهْلُ.
وَعِنْدَ زُفَرَ، وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ
لِجَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِلْحَالِّ (وَ) كَذَا لَوْ قَالَ لِلصَّبَّاغِ: (إنْ صَبَغْتَهُ بِعُصْفُرٍ فَبِدِرْهَمٍ وَبِزَعْفَرَانٍ فَبِدِرْهَمَيْنِ) هَذَا عِنْدَ الْكُلِّ لِمَا مَرَّ.
(وَ) كَذَا لَوْ قَالَ لِلْمُسْتَأْجِرِ: (إنْ سَكَنْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَبِدِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ أَوْ) إنْ سَكَنْتَ (فِي هَذِهِ) الدَّارِ (فَبِدِرْهَمَيْنِ وَ) كَذَا لَوْ قَالَ: (إنْ رَكِبْتَهَا إلَى الْكُوفَةِ فَبِدِرْهَمٍ أَوْ) إنْ رَكِبْتَهَا (إلَى وَاسِطَ فَبِدِرْهَمَيْنِ) قِيلَ: فِيهِ احْتِمَالُ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ذُكِرَتْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُطْلَقًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ الْكُلِّ أَوْ قَوْلَ الْإِمَامِ خَاصَّةً.
(وَكَذَا يَصِحُّ لَوْ رُدِّدَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ) أَشْيَاءَ بِأَنْ قَالَ: إنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا أَوْ رُومِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا (لَا) يَصِحُّ (بَيْنَ أَرْبَعَةِ) أَشْيَاءَ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَالْجَامِعُ دَفْعُ الْحَاجَةِ غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ خِيَارُ التَّعْيِينِ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْعَمَلِ، وَإِذَا وُجِدَ يَصِيرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْمَبِيعُ مَجْهُولٌ.
(وَلَوْ قَالَ) لِلْخَيَّاطِ: (إنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ أَوْ) إنْ خِطْتَهُ (غَدًا فَنِصْفِهِ فَخَاطَهُ الْيَوْمَ فَلَهُ الدِّرْهَمُ، وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ) لَكِنْ (لَا يُجَاوِزُ) أَيْ الْمِثْلُ (نِصْفَ دِرْهَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسَمَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَالَ الْقُدُورِيُّ: هِيَ الصَّحِيحَةُ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ دُونَ التَّوْقِيتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ هُنَا نَقْصُ الْأَجْرِ لَوْ أَخَّرَ الْفِعْلَ إلَى الْغَدِ فَتَبْقَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي تَسْمِيَتَانِ إحْدَاهُمَا دِرْهَمٌ، وَالْأُخْرَى نِصْفٌ، وَالتَّسْمِيَتَانِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ مُفْسِدَةٌ فَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ قَالَ: خِطْهُ الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا يَكُونُ ذِكْرُ الْيَوْمِ لِلتَّأْقِيتِ إذْ لَوْ كَانَ لِلتَّأْقِيتِ يَفْسُدُ الْعَقْدَانِ لِاجْتِمَاعِ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ فَيَصِيرُ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا وَأَجِيرًا خَاصًّا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَا يَكُونُ ذِكْرُ الْغَدِ لِلتَّرْفِيهِ بَلْ يَكُونُ لِلتَّعْلِيقِ فَيَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي عَلَى مَا مَرَّ، وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَلَوْ خَاطَهُ بَعْدَ غَدٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ دِرْهَمٍ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ.
(وَقَالَا: الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ) حَتَّى إذَا خَاطَهُ الْيَوْمَ فَلَهُ دِرْهَمٌ وَإِذَا خَاطَهُ غَدًا فَلَهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّأْقِيتِ وَذِكْرَ الْغَدِ لِلتَّعْلِيقِ فَوُجِدَتْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَقْتَيْنِ التَّسْمِيَةُ مَقْصُودَةً فَصَارَا عَقْدَيْنِ كَاخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ كَالرُّومِيَّةِ، وَالْفَارِسِيَّةِ.
وَعِنْدَ زُفَرَ الشَّرْطَانِ فَاسِدَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ وَذِكْرَ الْغَدِ لِلتَّرْفِيهِ وَالتَّوْسِيعِ فَيَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَسْمِيَتَانِ.
(وَلَوْ قَالَ: إنْ سَكَّنْتَ) بِالتَّشْدِيدِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَكَنْت بِالتَّخْفِيفِ مِنْ الثُّلَاثِيِّ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ عَطَّارًا أَوْ حَدَّادًا حَالًا وَيَكُونُ الْمَعْنَى إنْ سَكَنْتَ هَذَا الْحَانُوتَ حَالَ كَوْنِك عَطَّارًا أَوْ حَالَ كَوْنِك حَدَّادًا (هَذَا الْحَانُوتَ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ أَوْ) سَكَنْتَ (حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ جَازَ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ
بَيْن عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالْجَهَالَةُ فِي الْعَمَلِ تَرْتَفِعُ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ، وَالْأَجْرَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَا يَدْرِي أَيُّهُمَا يَجِبُ فَلَا يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ، وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ (، وَكَذَا الْخِلَافُ) بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ.
(لَوْ قَالَ: إنْ ذَهَبْتَ بِهَذِهِ الدَّابَّةِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (إلَى الْحِيرَةِ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ جَاوَزْتَهَا) أَيْ الْحِيرَةَ مُنْتَهِيًا (إلَى الْقَادِسِيَّةِ فَبِدِرْهَمَيْنِ أَوْ قَالَ: إنْ حَمَلْتِ عَلَيْهَا إلَى الْحِيرَةِ كُرَّ شَعِيرٍ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ حَمَلْت كُرَّ بُرٍّ فَبِدِرْهَمَيْنِ) فَالْعَقْدُ جَائِزٌ فِيهَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ، وَالْفَارِسِيَّةِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ، وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، وَكَذَا الْأَجْرُ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالْجَهَالَةُ تُوجِبُ الْفَسَادَ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُسَافِرَ) الْمُسْتَأْجِرُ (بِعَبْدٍ اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِدْمَةِ بِلَا اشْتِرَاطِهِ) أَيْ بِلَا اشْتِرَاطِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ فِي خِدْمَةِ السَّفَرِ زِيَادَةَ مَشَقَّةٍ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْإِطْلَاقُ وَعَلَيْهِ عُرْفُ النَّاسِ فَانْصَرَفَ إلَى الْحَضَرِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَةٍ حَيْثُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْحَضَرِ؛ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْعُرْفُ فِي حَقِّهِ إلَّا إذَا شَرَطَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ وَقْتَ الْإِجَارَةِ مُتَهَيِّئًا لِلسَّفَرِ وَعُرِفَ بِذَلِكَ فَيَجُوزُ، وَلَوْ سَافَرَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْعَبْدِ الْمُتَأَجَّرِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ إذَا هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَلِمَ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ، وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ.
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا فَعَمِلَ) الْعَبْدُ (وَأَخَذَ الْأَجْرَ لَا يَسْتَرِدُّهُ مِنْهُ) أَيْ لَا يَسْتَرِدُّ الْمُسْتَأْجِرُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ لِعَمَلِهِ مِنْ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ صَحِيحَةٌ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ لِرِعَايَةِ حَقِّ الْمَوْلَى فَبَعْدَ الْفَرَاغِ رِعَايَةُ حَقِّهِ فِي الصِّحَّةِ وَوُجُوبِ الْأَجْرِ لَهُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ لِانْعِدَامِ إذْنِ الْمَوْلَى وَقِيَامِ الْحَجْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إذَا آجَرَ نَفْسَهُ فَالْأَجْرُ لَهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ نَفَذَتْ الْإِجَارَةُ وَلَا خِيَارَ لِلْعَبْدِ فَأَجْرُ مَا مَضَى لِلسَّيِّدِ وَأَجْرُ مَا يُسْتَقْبَلُ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ آجَرَهُ الْمَوْلَى ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ فَلِلْعَبْدِ الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَ الْإِجَارَةَ فَأَجْرُ مَا مَضَى لِلْمَوْلَى، وَإِنْ أَجَازَ فَأَجْرُ مَا يُسْتَقْبَلُ لِلْعَبْدِ، وَالْقَبْضُ لِلْمَوْلَى، وَإِذَا هَلَكَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ فِي حَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ.
(وَلَوْ آجَرَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ نَفْسَهُ) لِآخَرَ (فَأَكَلَ غَاصِبُهُ) أَيْ الْعَبْدِ (أَجْرَهُ لَا يَضْمَنُهُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا أَخَذَ مِنْ الْأَجْرِ مِنْ يَدِ الْعَبْدِ فَأَتْلَفَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ مَالٍ مُحْرَزٍ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِهِ وَهَذَا غَيْرُ مُحْرَزٍ فِي حَقِّ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ فَكَيْفَ يُحْرِزُ مَا فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ آجَرَهُ الْغَاصِبُ فَأَخَذَ أَجْرَهُ فَأَتْلَفَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ قَبْلَ رَدِّهِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ تَصَدُّقِهِ وَهُوَ أَوْلَى لِتَطَرُّقِ خَبَثٍ فِيهِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ
أَكَلَ مَالَ الْمَالِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُعْتَبَرُ صَحِيحَةً بَعْدَ الْفَرَاغِ عَلَى مَا مَرَّ فَيَكُونُ الْأَجْرُ رَاجِعًا إلَى مَوْلَاهُ (وَمَا وَجَدَهُ) مِنْ الْأَجْرِ (سَيِّدُهُ) فِي يَدِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ (أَخَذَهُ) بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ التَّقَوُّمِ بُطْلَانُ الْمِلْكِ (وَقَبْضُ الْعَبْدِ أَجْرَهُ) مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ (صَحِيحٌ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ فَيَخْرُجُ الْمُسْتَأْجِرُ عَنْ عُهْدَةِ الْأُجْرَةِ بِالْأَدَاءِ إلَى الْعَبْدِ.
(وَلَوْ آجَرَ) رَجُلٌ (عَبْدَهُ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ) آجَرَ (شَهْرًا بِأَرْبَعَةِ) دَرَاهِمَ (وَشَهْرًا بِخَمْسَةِ) دَرَاهِمَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنْهُمَا (صَحَّ) الْعَقْدُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَ (الْأَوَّلُ بِأَرْبَعَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ تَحَرِّيًا بِالْجَوَازِ فَيَنْصَرِفُ الثَّانِي إلَى مَا يَلِي الْأَوَّلِ ضَرُورَةً.
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ مَرِضَ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَقَبَضَهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ جَاءَ آخِرُ الشَّهْرِ، وَالْعَبْدُ مَرِيضٌ أَوْ آبِقٌ وَاخْتَلَفَا (فَادَّعَى) الْمُسْتَأْجِرُ (وُجُودَهُ) أَيْ وُجُودَ الْمَرَضِ أَوْ الْإِبَاقِ (أَوَّلَ الْمُدَّةِ وَ) ادَّعَى (الْمَوْلَى وُجُودَهُ قُبَيْلَ الْإِخْبَارِ بِسَاعَةٍ حُكِّمَ الْحَالُ) أَيْ يُجْعَلُ الْحَالُ حَكَمًا بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْحَالُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الدَّعَاوَى قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ: (فَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (حَاضِرًا) وَقْتَ الدَّعْوَى فِي صُورَةِ الْإِبَاقِ (أَوْ صَحِيحًا) فِي صُورَةِ الْمَرَضِ (صُدِّقَ الْمَوْلَى) وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ فَيَجِبُ الْأَجْرُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا أَوْ صَحِيحًا وَقْتَ الدَّعْوَى (فَالْمُسْتَأْجِرُ) أَيْ يُصَدَّقُ الْمُسْتَأْجِرُ وَيُحْكَمُ بِأَنَّ مَرَضَ الْعَبْدِ أَوْ إبَاقَهُ مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ.
(وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي انْقِطَاعِ مَاءِ الرَّحَى وَجَرَيَانِهِ) أَيْ: وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: مَاءُ الطَّاحُونَةِ كَانَ جَارِيًا فِي الْمُدَّةِ، وَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: لَمْ يَكُنْ جَارِيًا فِيهَا فَالْقَوْلُ لِلْمَالِكِ إنْ كَانَ جَارِيًا وَإِلَّا فَلِلْمُسْتَأْجِرِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَحَى مَاءٍ وَبَيْتَهَا وَمَتَاعَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَانْقَطَعَ الْمَاءُ سَقَطَ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُضْ الْإِجَارَةَ حَتَّى عَادَ الْمَاءُ لَزِمَتْهُ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي نَفْسِ الِانْقِطَاعِ يُحَكَّمُ الْحَالُ.
(وَلَوْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُك أَنْ تَصْبُغَهُ أَحْمَرَ فَصَبَغْتَهُ أَصْفَرَ، وَقَالَ الصَّانِعُ: أَمَرْتنِي بِمَا صَنَعْتُ صُدِّقَ رَبُّ الثَّوْبِ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الثَّوْبِ فَكَانَ أَعْلَمَ بِكَيْفِيَّتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، أَلَا يَرَى لَوْ أَنْكَرَ الْإِذْنَ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَكَذَا إذَا أَنْكَرَ صِفَتَهُ.
(وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْقَمِيصِ، وَالْقَبَاءِ) بِأَنْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَعْمَلَهُ قَبَاءً.
وَقَالَ الْخَيَّاطُ: قَمِيصًا فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الثَّوْبِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ (فَإِنْ حَلَفَ) رَبُّ الثَّوْبِ (ضَمِنَ الصَّانِعُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ) أَيْ صَاحِبُ الثَّوْبِ بَعْدَ الْحَلِفِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ غَيْرَ مَعْمُولٍ (وَلَا أَجْرَ لَهُ أَوْ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى) عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَضْمَنُ لَهُ مَا زَادَ الصَّبْغَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ