الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي الْعَيْنَيْنِ كُلُّ الدِّيَةِ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَلِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الِاثْنَيْنِ تَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَكَمَالِ الْجَمَالِ فَيَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ وَفِي تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا تَفْوِيتُ النِّصْفِ فَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ.
(وَ) فِي كُلِّ وَاحِدٍ (مِمَّا هُوَ أَرْبَعَةٌ) مِنْ الْبَدَنِ (رُبْعُهَا) أَيْ رُبْعُ الدِّيَةِ كَالْأَشْفَارِ (وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ عُشْرُهَا) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» (وَفِي كُلِّ مِفْصَلٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَصَابِعِ (مِمَّا فِيهِ مِفْصَلَانِ) كَالْإِبْهَامِ (نِصْفُ عُشْرِهَا) أَيْ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ (وَمِمَّا فِيهِ ثَلَاثَةُ مَفَاصِلَ) كَبَاقِي الْأَصَابِعِ فِي كُلِّ مِفْصَلٍ (ثُلُثُهُ) أَيْ ثُلُثُ عُشْرِ الدِّيَةِ تَنْقَسِمُ عُشْرُ الدِّيَةِ عَلَى الْمَفَاصِلِ كَانْقِسَامِ دِيَةِ الْيَدِ عَلَى الْأَصَابِعِ.
(وَفِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِهَا) وَهُوَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَمِنْ الدَّرَاهِمِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ.
(وَكُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَ نَفْعُهُ فَفِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْعُضْوِ (دِيَتُهُ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا كَيَدٍ شُلَّتْ وَعَيْنٍ ذَهَبَ ضَوْءُهَا) بِالضَّرْبِ لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَلَا عِبْرَةَ لِلصُّورَةِ بِلَا مَنْفَعَةٍ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً فَلَا يَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الْأَرْشِ إلَّا إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ الْمَنْفَعَةِ قَبْلَ الْإِتْلَافِ كَإِتْلَافِ الْيَدِ الَّتِي خَلَتْ عَنْ الْبَطْشِ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جَمَالٌ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَأَرْشُهُ كَامِلًا إنْ كَانَ فِيهِ جَمَالٌ كَالْأُذُنِ الشَّاخِصَةِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَام الشِّجَاجِ]
فَصْلٌ لَا قَوَدَ فِي الشِّجَاجِ فَصَلَ أَحْكَامَ الشِّجَاجِ بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِتَكَاثُرِ مَسَائِلِ الشِّجَاجِ اسْمًا وَحُكْمًا وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ لِأَنَّ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ السِّكِّينُ وَمَا فَوْقَهَا كَسْرُ الْعَظْمِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ» هَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ (إلَّا فِي الْمُوضِحَةِ إنْ كَانَتْ عَمْدًا) بِالِاتِّفَاقِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَضَى بِالْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ» وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ السِّكِّينُ إلَى الْعَظْمِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتُرَ غَوْرَهَا بِالْمِسْبَارِ ثُمَّ يَتَّخِذَ حَدِيدَةً بِقَدْرِ ذَلِكَ فَيَقْطَعَ بِهَا مِقْدَارَ مَا قَطَعَ فَيَتَسَاوَيَانِ فَيَتَحَقَّقُ الْقِصَاصُ (وَفِيهَا) أَيْ فِي الْمُوضِحَةِ (خَطَأً نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» (وَهِيَ) أَيْ الْمُوضِحَةُ الشَّجَّةُ (الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ) أَيْ تُبَيِّنُهُ.
(وَفِي الْهَاشِمَةِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِلْمُبْتَدَأِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ عُشْرُهَا (وَهِيَ) أَيْ الْهَاشِمَةُ الشَّجَّةُ (الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ) أَيْ تَكْسِرُهَا (عُشْرُهَا) أَيْ عُشْرُ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» .
(وَفِي الْمُنَقِّلَةِ وَهِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ) أَيْ تُحَوِّلُهُ بَعْدَ الْكَسْرِ (عُشْرُهَا) أَيْ عُشْرُ الدِّيَةِ (وَنِصْفُهُ) أَيْ نِصْفُ عُشْرِهَا فَيَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ» .
(وَفِي الْآمَّةِ وَهِيَ) الشَّجَّةُ (الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ) وَهِيَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ (ثُلُثُهَا) أَيْ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «وَفِي الْآمَّةِ وَيُرْوَى وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» .
(وَكَذَا فِي الْجَائِفَةِ) أَيْ يَجِبُ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الْجَائِفَةِ أَيْضًا وَهِيَ الْجِرَاحَةُ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ (فَإِنْ نَفَذَتْ) الْجَائِفَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ (فَهُمَا جَائِفَتَانِ وَيَجِبُ ثُلُثَاهَا) أَيْ ثُلُثَا الدِّيَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ حَكَمَ فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ وَلِأَنَّهَا إذَا نَفَذَتْ صَارَتْ جَائِفَتَيْنِ فَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ.
(وَفِي كُلٍّ مِنْ الْحَارِصَةِ) بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَاتِ (وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ) وَلَا تُخْرِجُ الدَّمَ (وَالدَّامِعَةِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَهِيَ الَّتِي تُخْرِجُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَجْرُوحِ (مَا يُشْبِهُ الدَّمْعَ) يَعْنِي تُظْهِرُ الدَّمْعَ وَلَا تَسِيلُ بَلْ يُجْمَعُ فِي مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ كَالدَّمْعِ فِي الْعَيْنِ (وَالدَّامِيَةِ وَهِيَ الَّتِي تُسِيلُ الدَّمَ) .
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ الدَّامِعَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ شَجَّةٌ تُسِيلُ الدَّمَ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَا يُسِيلُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ فِي الدَّامِيَةِ فَالدَّامِيَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَا يُدْمِي الْجِلْدَ سَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ مَا يُدْمِيهِ وَلَا يُسِيلُهُ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ هِيَ مَا يُدْمِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسِيلَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالدَّامِعَةُ مَا يُسِيلُهُ كَدَمْعِ الْعَيْنِ (وَالْبَاضِعَةِ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ الْجِلْدَ) أَيْ تَقْطَعُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْبَضْعِ وَهُوَ الْقَطْعُ (وَالْمُتَلَاحِمَةِ وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ) وَتَقْطَعُهُ بَعْدَ قَطْعِ الْجِلْدِ مِنْ تَلَاحُمٍ أَيْ الْتَأَمَ وَتَلَاصَقَ
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا كَمَا سُمِّيَ اللَّدِيغُ سَلِيمًا (وَالسِّمْحَاقِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (وَهِيَ جِلْدَةٌ) رَقِيقَةٌ (فَوْقَ الْعَظْمِ) تَحْتَ اللَّحْمِ (تَصِلُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى تِلْكَ الْجِلْدَةِ الرَّقِيقَةِ (الشَّجَّةُ حُكُومَةُ عَدْلٍ) لَا بِإِجْمَاعٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ خَبَرُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الْحَارِصَةِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ حُكُومَةِ عَدْلٍ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلٍّ مِنْهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَلَا يُمْكِنُ الْإِهْدَارُ فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِحُكْمِ الْعَدْلِ وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيهَا) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّجَاجِ (الْقِصَاصُ) إذَا كَانَ عَمْدًا (كَالْمُوضِحَةِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ (وَالشِّجَاجُ يَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالْجَائِفَةُ بِالْجَوْفِ وَالْجَنْبِ وَالظَّهْرِ) وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِمَا يُسَمَّى جِرَاحَةً لِأَنَّ الْوَارِدَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالْجَوْفِ وَالْجَنْبِ وَالظَّهْرِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ الْحُكْمُ لِمَعْنَى الشَّيْنِ وَهُوَ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَلِهَذَا قَالَ (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ مَا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالْجَوْفِ وَالْجَنْبِ وَالظَّهْرِ (جِرَاحَاتٌ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَأَمَّا اللَّحْيَانِ فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَا مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ حَتَّى لَوْ وُجِدَ فِيمَا فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ لَا يَجِبُ الْمُقَدَّرُ وَهَذَا لِأَنَّ الْوَجْهَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ وَلَا مُوَاجَهَةَ لِلنَّاظِرِ فِيهِمَا إلَّا أَنَّ عِنْدَنَا هُمَا مِنْ الْوَجْهِ لِاتِّصَالِهِمَا بِهِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلَةٍ وَقَدْ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُوَاجَهَةِ أَيْضًا (وَفِيهَا) أَيْ فِي الْجِرَاحَاتِ (حُكُومَةُ عَدْلٍ وَهِيَ) أَيْ حُكُومَةُ الْعَدْلِ عَلَى مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ (أَنْ يَقُومَ) الْمَجْرُوحُ (عَبْدًا بِلَا هَذَا الْأَثَرِ وَمَعَهُ) أَيْ مَعَ هَذَا الْأَثَرِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ (فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَجَبَ بِنِسْبَتِهِ مِنْ دِيَتِهِ) مَثَلًا يُفْرَضُ أَنَّ هَذَا الْحُرَّ عَبْدٌ وَقِيمَتُهُ بِلَا هَذَا الْأَثَرِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمَعَ ذَلِكَ الْأَثَرِ تِسْعُمِائَةٍ فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ وَهُوَ عُشْرُ الْأَلْفِ فَيُؤْخَذُ هَذَا التَّفَاوُتُ مِنْ الدِّيَةِ وَهِيَ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَعَشَرَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَ (بِهِ يُفْتَى) أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ بِحُكُومَةِ الْعَدْلِ وَقَيَّدَ يُفْتِي احْتِرَازًا مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ مِقْدَارَ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ الْمُوضِحَةِ فَيَجِبُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ قِيلَ: قَوْلُ الْكَرْخِيِّ أَصَحُّ مِمَّا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اعْتَبَرَ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِيمَنْ قُطِعَ طَرَفُ سِنِّهِ.
(وَفِي) قَطْعِ (أَصَابِعِ الْيَدِ) الْوَاحِدَةِ (وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَزِيدُ بِسَبَبِ الْكَفِّ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ بَلْ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ فَيَكُونُ فِي الْخَمْسِ خَمْسُونَ وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
(وَ) فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ (مَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةُ عَدْلٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَهُوَ تَبَعٌ إلَى الْمَنْكِبِ وَإِلَى الْفَخِذِ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ
فِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَالْيَدُ اسْمٌ لِهَذِهِ الْجَارِحَةِ إلَى الْمَنْكِبِ فَلَا يُزَادُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْعِ وَلَهُمَا أَنَّ الْيَدَ آلَةٌ بَاطِشَةٌ وَالْبَطْشُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ دُونَ الذِّرَاعِ فَلَمْ يُجْعَلْ الذِّرَاعُ تَبَعًا فِي حَقِّ التَّضْمِينِ وَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَأَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا عُضْوًا كَامِلًا وَلَا إلَى أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْكَفِّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ وَلَا تَبَعَ لِلتَّبَعِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَفِي) قَطْعِ (كَفٍّ فِيهَا أُصْبُعٌ عُشْرُ الدِّيَةِ وَإِنْ) كَانَ (فِيهَا إصْبَعَانِ فَخُمْسُهَا وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ أَصْلٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْيَدِ وَهِيَ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ وَالْبَطْشُ قَائِمَةٌ بِهَا وَكَذَا حُكْمًا لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جَعَلَ الدِّيَةَ بِمُقَابَلَةِ الْأَصَابِعِ حَيْثُ «أَوْجَبَ فِي الْيَدِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَجَعَلَ فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ» وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّهَا بِمُقَابَلَةِ أَصَابِعِ كُلِّ الْكَفِّ وَالْأَصْلُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَإِنْ قَلَّ وَلَا يَظْهَرُ التَّابِعُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ فَلَا يُعَارَضُ حَتَّى يُصَارَ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ وَلَئِنْ تَعَارَضَا فَالتَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ (وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْأَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ الْكَفِّ وَدِيَةِ الْإِصْبَعِ وَالْإِصْبَعَيْنِ وَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِيهِ) أَيْ فِي الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَرْشَيْنِ لِأَنَّ الْكُلَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَا إلَى إهْدَارِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ فَرَجَّحْنَا بِالْكَثْرَةِ (وَإِنْ) كَانَ (فِيهَا) أَيْ فِي الْكَفِّ (ثَلَاثُ أَصَابِعَ فِدْيَةُ الْأَصَابِعِ) وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْأَصَابِعَ أُصُولٌ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَاسْتُتْبِعَتْ الْكَفُّ كَمَا إذَا كَانَتْ الْأَصَابِعُ قَائِمَةً (وَهِيَ) أَيْ دِيَةُ هَذِهِ الْأَصَابِعِ الثَّلَاثَةِ (ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ) الدِّيَةِ (إجْمَاعًا) يَعْنِي لُزُومَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
(وَفِي الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ) أَيْ حُكُومَةُ عَدْلٍ تَشْرِيفًا لِلْآدَمِيِّ لِأَنَّهَا جُزْءٌ لِلْآدَمِيِّ وَلَكِنْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا وَلَا زِينَةَ.
(وَكَذَا) أَيْ يَلْزَمُ (فِي الشَّارِبِ) حُكُومَةُ عَدْلٍ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلِّحْيَةِ فَصَارَ طَرَفًا مِنْ أَطْرَافِ اللِّحْيَةِ.
(وَلِحْيَةُ الْكَوْسَجِ) أَيْ يَلْزَمُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: بِخِلَافِ لِحْيَةِ الْكَوْسَجِ حَيْثُ لَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ لَا يَبْقَى فِيهَا أَثَرُ الْحَلْقِ فَلَا يَلْحَقُهَا الشَّيْنُ بِالْحَلْقِ بَلْ بِبَقَاءِ الشَّعَرَاتِ يَلْحَقُهُ ذَلِكَ فَيَكُونُ نَظِيرَ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَ) تَجِبُ فِي (ثَدْيِ الرَّجُلِ) حُكُومَةُ عَدْلٍ.
(وَ) كَذَا فِي (ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ وَالرِّجْلِ الْعَرْجَاءِ وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الدِّيَةُ لِعَدَمِ فَوَاتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَعَدَمِ جَمَالِ السِّنِّ السَّوْدَاءِ وَلَكِنْ يَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ الْعَدْلِ تَشْرِيفًا لِلْآدَمِيِّ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعَيْنِ لِقَوْلِهِ «عليه الصلاة والسلام: وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» وَلَنَا أَنَّ الْمَنْفَعَةَ وَهِيَ الْإِيلَاجُ وَالْإِنْزَالُ وَالْإِحْبَالُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ مِنْ هَذَا الْعُضْوِ فَإِذَا عَدِمَتْ لَا يَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ
كَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ بِلَا ضَوْءٍ وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ.
(وَكَذَا) تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ (فِي عَيْنِ الطِّفْلِ وَلِسَانِهِ وَذَكَرِهِ إذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّةُ ذَلِكَ) أَيْ صِحَّةُ كُلٍّ مِنْهَا (بِمَا يَدُلُّ عَلَى إبْصَارِهِ وَتَحَرُّكِ ذَكَرِهِ وَكَلَامِهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَنْفَعَةُ فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهَا لَا يَجِبُ الْأَرْشُ الْكَامِلُ بِالشَّكِّ وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ بِخِلَافِ الْمَارِنِ وَالْأُذُنِ الشَّاخِصَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجَمَالُ وَقَدْ فَوَّتَهُ عَلَى الْكَمَالِ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَهْلَكَ الصَّبِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ صَوْتٍ وَإِنْ عُلِمَتْ الصِّحَّةُ فِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَالِغِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
(وَإِنْ شَجَّ) رَجُلٌ (رَجُلًا) مُوضِحَةً (فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ) وَلَمْ يَنْبُتْ (دَخَلَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ) لِأَنَّ فَوَاتَ الْعَقْلِ يُبْطِلُ مَنْفَعَةَ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ إذْ لَا يُنْتَفَعُ بِدُونِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْضَحَهُ فَمَاتَ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ وَقَدْ تَعَلَّقَا جَمِيعًا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فَوَاتُ الشَّعْرِ فَيَدْخُلُ الْجُزْءُ فِي الْكُلِّ كَمَنْ قَطَعَ إصْبَعَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ بِهِ يَدُهُ كُلُّهَا.
(وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلَامُهُ لَا يَدْخُلُ) أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَالْمَنْفَعَةُ مُخْتَصَّةٌ فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ بِخِلَافِ الْعَقْلِ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ عَائِدَةٌ إلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ كَمَا مَرَّ هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّجَّةَ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالنُّطْقِ وَلَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ الْبَصَرِ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ خَطَأً أَمَّا إذَا شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً عَمْدًا فَذَهَبَ مِنْ ذَلِكَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ فَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَكِنْ يَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ وَدِيَةُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الشَّجَّةِ وَيَجِبُ الدِّيَةُ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
(وَإِنْ ذَهَبَ بِهَا) أَيْ بِالْمُوضِحَةِ (عَيْنَاهُ فَلَا قِصَاصَ وَيَجِبُ أَرْشُهَا) أَيْ أَرْشُ الشَّجَّةِ (وَأَرْشُ الْعَيْنَيْنِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) يَجِبُ (الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ وَالدِّيَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّ الْفِعْلَ إذَا أَوْجَبَ مَالًا فِي الْبَعْضِ سَقَطَ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ كَانَا عُضْوَيْنِ أَوْ عُضْوًا وَاحِدًا وَعِنْدَهُمَا فِي الْعُضْوَيْنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ مَعَ وُجُوبِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ عُضْوًا وَاحِدًا لَا يَجِبُ.
(وَلَا قِصَاصَ فِي أُصْبُعٍ قُطِعَتْ فَشُلَّتْ أُخْرَى) جَنْبَهَا بَلْ يَجِبُ الْأَرْشُ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ وَاجِبٍ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ لِأَنَّ قَطْعَ الثَّانِي عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ شَلَّ الْأُخْرَى غَيْرُ مُمْكِنٍ (وَعِنْدَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْحَسَنِ (يُقْتَصُّ فِي الْمَقْطُوعَةِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْأُخْرَى) الَّتِي شُلَّتْ لِأَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ بِالنُّصُوصِ.
(وَلَوْ قَطَعَ مِفْصَلَهَا) أَيْ مِفْصَلَ الْإِصْبَعِ (الْأَعْلَى فَشُلَّ مَا بَقِيَ) مِنْ الْمَفَاصِلِ كَمَا فِي الرَّمْزِ شَرْحِ الْكَنْزِ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ فَشُلَّتْ مَا بَقِيَ مِنْ الْإِصْبَعِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ تَدَبَّرْ (فَلَا قِصَاصَ بَلْ الدِّيَةُ فِيمَا قُطِعَ وَحُكُومَةٌ) أَيْ حُكُومَةُ عَدْلٍ (فِيمَا شُلَّ) وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَتَلْزَمُ الْحُكُومَةُ فِيمَا بَقِيَ لِانْتِفَاءِ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ
فِيهِ.
(وَلَا) قِصَاصَ (لَوْ كَسَرَ نِصْفَ سِنٍّ فَاسْوَدَّ بَاقِيهَا بَلْ) تَجِبُ (دِيَةُ السِّنِّ كُلِّهَا وَكَذَا لَوْ احْمَرَّ) بَاقِيهَا (أَوْ اصْفَرَّ أَوْ اخْضَرَّ) الْأَصْلُ فِي هَذَا عِنْدَهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ إذَا أَوْجَبَ مَالًا فِي الْبَعْضِ سَقَطَ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ كَانَا عُضْوَيْنِ أَوْ عُضْوًا وَاحِدًا.
(وَلَوْ اسْوَدَّتْ كُلُّهَا بِضَرْبَةٍ وَهِيَ) أَيْ السِّنُّ (قَائِمَةٌ فَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَفِي الْعَمْدِ فِي مَالِهِ) وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا يُسَوِّدُهَا جَمِيعًا بَلْ يَجِبُ الْأَرْشُ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَفِي الْعَمْدِ فِي مَالِهِ.
(وَلَوْ قُلِعَتْ سِنُّ رَجُلٍ فَنَبَتَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى سَقَطَ أَرْشُهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ زَالَتْ مَعْنًى لِأَنَّ الْمُوجِبَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَيْثُ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى فَلَمْ تَفُتْ الْمَنْفَعَةُ بِهِ وَلَا الزِّينَةُ (خِلَافًا لَهُمَا) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَالْحَادِثَةُ نِعْمَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَصَارَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ فَحَصَلَ لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ مَالٌ آخَرُ.
(وَفِي سِنِّ الصَّبِيِّ يَسْقُطُ إجْمَاعًا) لِأَنَّ سِنَّ الصَّبِيِّ لَا تَتَقَرَّرُ فِي مَكَانِهَا فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا فَلَمْ يُعَدَّ قَلْعُهَا جِنَايَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِمَكَانِ الْأَلَمِ الْحَاصِلِ.
(وَإِنْ أَعَادَ الرَّجُلُ سِنَّةَ الْمَقْلُوعَةِ إلَى مَكَانِهَا) أَيْ السِّنِّ (فَنَبَتَ عَلَيْهَا اللَّحْمُ لَا يَسْقُطُ أَرْشُهَا إجْمَاعًا) وَعَلَى الْقَالِعِ كَمَالُ الْأَرْشِ لِأَنَّ هَذَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ إذْ الْعُرُوقُ لَا تَعُودُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا إذَا لَمْ تَعُدْ إلَى حَالِهَا الْأُولَى بَعْدَ النَّبَاتِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْجَمَالِ وَأَمَّا إذَا عَادَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَكَذَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَلْصَقَهَا فَالْتَحَمَتْ) يَعْنِي يَجِبُ عَلَى الْقَالِعِ أَرْشُهَا لِأَنَّهَا لَا تَعُودُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ قُلِعَتْ سِنُّهُ فَاقْتَصَّ مِنْ قَالِعِهَا ثُمَّ نَبَتَتْ) أَيْ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى (فَعَلَيْهِ دِيَةُ سِنِّ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَيْثُ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى فَانْعَدَمَتْ الْجِنَايَةُ (وَيُسْتَأْنَى فِي اقْتِصَاصِ السِّنِّ، وَ) اقْتِصَاصِ (الْمُوضِحَةِ حَوْلًا) الِاسْتِنَانُ الِانْتِظَارُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ.
(كَذَا لَوْ ضَرَبَ سِنَّهُ فَتَحَرَّكَتْ فَلَوْ أَجَّلَهُ الْقَاضِي فَجَاءَ الْمَضْرُوبُ وَقَدْ سَقَطَتْ سِنُّهُ فَاخْتَلَفَا فِي سَبَبِ سُقُوطِهَا فَإِنْ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمَضْرُوبِ وَإِنْ بَعْدَ مُضِيِّهَا فَ) الْقَوْلُ (لِلضَّارِبِ) .
وَفِي الْمِنَحِ ضَرْبُ سِنِّ إنْسَانٍ فَتَحَرَّكَتْ يُسْتَأْنَى حَوْلًا لِيَظْهَرَ أَثَرُ فِعْلِهِ وَلَوْ سَقَطَتْ سِنُّهُ وَاخْتَلَفَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَالْقَوْلُ لِلْمَضْرُوبِ لِيُفِيدَ التَّأْجِيلَ بِخِلَافِ مَا إذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً ثُمَّ جَاءَ وَقَدْ صَارَتْ مُنَقِّلَةً حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ
لِلضَّارِبِ لِأَنَّ الْمُوضِحَةَ لَا تُورِثُ الْمُنَقِّلَةَ وَالتَّحْرِيكَ يُورِثُ السُّقُوطَ وَلَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْحَوْلِ كَانَ الْقَوْلُ لِلضَّارِبِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ الَّذِي ضُرِبَ لِلسِّنِّ وَلَمْ تَسْقُطْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ وَلَوْ اسْوَدَّتْ بِالضَّرْبِ أَوْ احْمَرَّتْ أَوْ أُحْضِرَتْ يَجِبُ الْأَرْشُ كُلُّهُ لِذَهَابِ الْجَمَالِ وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِمَا قُلْنَا فَأَوْجَبَ فِي الِاسْوِدَادِ وَنَحْوِهِ كَمَالَ الْأَرْشِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سِنٍّ وَسِنٍّ وَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْأَضْرَاسِ وَبَيْنَ الْعَوَارِضِ الَّتِي تُرَى فَتَجِبُ فِي الْأَوَّلِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إذَا لَمْ يُفَوِّتْ بِهِ مَنْفَعَةَ الْمَضْغِ وَإِنْ فَاتَ يَجِبُ الْأَرْشُ كُلُّهُ كَيْفَ مَا كَانَ لِفَوَاتِ الْجَمَالِ وَإِنْ اصْفَرَّتْ تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ فِيهَا أَرْشُ السِّنِّ كَامِلًا لِأَنَّ الصُّفْرَةَ تُؤَثِّرُ فِي تَفْوِيتِ الْجَمَالِ كَالسَّوَادِ وَلَنَا أَنَّ الصُّفْرَةَ لَا تُوجِبُ تَفْوِيتَ الْجَمَالِ وَلَا تَفْوِيتَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّ الصُّفْرَةَ لَوْنُ السِّنِّ فِي بَعْضِ النَّاسِ وَلَا كَذَلِكَ السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ وَالْخُضْرَةُ.
(وَلَوْ شَجَّ رَجُلًا فَالْتَحَمَتْ وَنَبَتَ الشَّعْرُ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ يَسْقُطُ الْأَرْشُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ أَرْشُ الْأَلَمِ وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ) لِأَنَّ الشَّيْنَ الْمُوجِبَ إنْ زَالَ فَالْأَلَمُ الْحَاصِلُ لَمْ يَزُلْ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) عَلَيْهِ (أُجْرَةُ الطَّبِيبِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَزِمَهُ بِفِعْلِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَأَعْطَاهُ لِلطَّبِيبِ وَفُسِّرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ بِأُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَالْمُدَاوَاةِ فَعَلَى هَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الشَّيْنُ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِفِعْلِهِ وَزَوَالِ مَنْفَعَتِهِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِزَوَالِ أَثَرِهِ وَالْمَنَافِعُ لَا تَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ كَالْإِجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ شِبْهِ الْعَقْدِ كَالْفَاسِدِ مِنْهُمَا وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْجَانِي فَلَا تَلْزَمُهُ الْغَرَامَةُ وَكَذَا مُجَرَّدُ الْأَلَمِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ.
(وَكَذَا لَوْ جَرَحَهُ بِضَرْبٍ فَزَالَ أَثَرُهُ) فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي سُقُوطِ الْأَرْشِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَوُجُوبِ الْأَرْشِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَوُجُوبِ أُجْرَةِ الطَّبِيبِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
(وَإِنْ بَقِيَ) أَثَرُهُ (فَحُكُومَةُ عَدْلٍ بِالْإِجْمَاعِ) وَقَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ لَوْ جَرَحَهُ لِأَنَّهُ إذَا ضَرَبَهُ وَلَمْ يَجْرَحْ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَلَا يُقْتَصُّ لِجُرْحٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ مُوضِحَةٍ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْمُوجِبَ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا يُؤَخَّرُ كَمَا فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْهُ «عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَآلُهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَسْرِي إلَى النَّفْسِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَتْلٌ فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ جُرْحٌ إلَّا بِالْبُرْءِ.
(وَكُلُّ عَمْدٍ سَقَطَ فِيهِ الْقَوَدُ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَالدِّيَةُ فِيهِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا لَا يَعْقِلُ الْعَاقِلَةَ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا.
(وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ وَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَلَا حِرْمَانَ إرْثٍ)