الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّمْلِيكُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَهَبْت لِإِنْشَاءِ الْهِبَةِ حَالًا كَبِعْت فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: هِيَ تَمْلِيكُ مَالٍ لِلْحَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَصِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ لَا يَكُونُ مَالًا تَدَبَّرْ. فَخَرَجَتْ عَنْ هَذَا التَّعْرِيفِ الْإِبَاحَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْإِجَارَةُ وَالْبَيْعُ وَهِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَإِنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ إسْقَاطٌ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَهِيَ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ وَصُنْعٌ مَحْمُودٌ مَحْبُوبٌ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» وَقَبُولُهَا سُنَّةٌ، «فَإِنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَبِلَ هَدِيَّةَ الْعَبْدِ» وَقَالَ «فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» ، وَقَالَ عليه السلام:«لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ طَعَامٌ لَقَبِلْت، وَلَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْت» ، وَإِلَيْهَا أَيْ الْإِجَابَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا} [النساء: 4] أَيْ مَسْرُورًا مَرِيئًا أَيْ رَاضِيًا عَلَى الْأَكْلِ
وَهِيَ نَوْعَانِ تَمْلِيكٌ وَإِسْقَاطٌ، وَعَلَيْهِمَا الْإِجْمَاعُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ، وَسَبَبُهَا إرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْوَاهِبِ دُنْيَوِيٌّ كَالْعِوَضِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ وَالْمَحَبَّةِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَأُخْرَوِيٌّ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُعَلِّمَ وَلَدَهُ الْجُودَ وَالْإِحْسَانَ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ التَّوْحِيدَ وَالْإِيمَانَ إذْ حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
[شُرُوط صِحَّة الْهِبَة]
وَشَرَائِطُ صِحَّتِهَا فِي الْوَاهِبِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْمِلْكُ وَفِي الْمَوْهُوبِ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا غَيْرَ مَشَاعٍ مُمَيِّزًا غَيْرَ مَشْغُولٍ، وَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ غَيْرُ لَازِمٍ وَعَدَمُ صِحَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِيهَا وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
[أَرْكَان الْهِبَة]
وَرُكْنُهَا هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَعَنْ هَذَا قَالَ:(وَتَصِحُّ) الْهِبَةُ (بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ) عَلَى مَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ وَقِيَامُ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ فَوَهَبَ وَلَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ عَدَمُ إظْهَارِ الْجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ الْإِظْهَارُ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْهِبَةِ عَقْدٌ تَامٌّ، وَالْقَبُولُ لَيْسَ بِرُكْنٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي الْمَبْسُوطِ الْقَبْضُ كَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ؛ وَلِذَا لَوْ وَهَبَ الدَّيْنَ مِنْ الْغَرِيمِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبُولِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَعَلَّ الْحَقَّ هَذَا، فَإِنَّ فِي التَّأْوِيلَاتِ التَّصْرِيحَ بِالْهِبَةِ غَيْرُ لَازِمٍ؛ وَلِذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ وَضَعَ مَالَهُ فِي طَرِيقٍ لِيَكُونَ مِلْكًا لِلرَّافِعِ جَازَ انْتَهَى. لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْقَبُولَ كَمَا يَكُونُ بِالصَّرِيحِ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ فَيَكُونُ أَخْذُهُ قَبُولًا دَلَالَةً.
(وَتَتِمُّ) الْهِبَةُ (بِالْقَبْضِ الْكَامِلِ)، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ شَاغِلًا لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولًا بِهِ لِقَوْلِهِ عليه السلام:«لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» وَالْمُرَادُ هُنَا نَفْيُ الْمِلْكِ لَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ جَوَازَهَا بِدُونِ الْقَبْضِ ثَابِتٌ خِلَافًا لِمَالِكٍ، فَإِنَّ عِنْدَهُ لَيْسَ الْقَبْضُ بِشَرْطِ الْهِبَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ: هِبَةُ الشَّاغِلِ تَجُوزُ، وَهِبَةُ الْمَشْغُولِ لَا تَجُوزُ، وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ اشْتِغَالَ الْمَوْهُوبِ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْهِبَةِ مِثَالُهُ: وَهَبَ جِرَابًا فِيهِ طَعَامٌ لَا تَجُوزُ، وَلَوْ وَهَبَ طَعَامًا فِي جِرَابٍ جَازَتْ وَاشْتِغَالُ الْمَوْهُوبِ بِمِلْكِ غَيْرِ الْوَاهِبِ هَلْ يَمْنَعُ تَمَامَ الْهِبَةِ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَعَارَ دَارًا مِنْ إنْسَانٍ
ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَعِيرَ غَصَبَ مَتَاعًا وَوَضَعَهُ فِي الدَّارِ، ثُمَّ وَهَبَ الْمُعِيرُ الدَّارَ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمُعِيرَ هُوَ الَّذِي غَصَبَ الْمَتَاعَ وَوَضَعَهُ فِي الدَّارِ، ثُمَّ وَهَبَ الْمُعِيرُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ كَانَتْ الْهِبَةُ تَامَّةً وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ وَهَبَ دَارًا وَسَلَّمَ، وَفِيهَا مَتَاعُ الْوَاهِبِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَشْغُولٌ بِمَا لَيْسَ بِهِبَةٍ فَلَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ، وَلَوْ وَهَبَتْ امْرَأَةٌ دَارَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيهَا، وَزَوْجُهَا أَيْضًا سَاكِنٌ فِيهَا جَازَتْ الْهِبَةُ وَيَصِيرُ الزَّوْجُ قَابِضًا لِلدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَتَاعَهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ فَصَحَّ التَّسْلِيمُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَارًا، وَالدَّارُ مَشْغُولَةٌ بِمَتَاعِ الْوَاهِبِ جَازَتْ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِدَارٍ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَالْأَبُ سَاكِنُهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا تَجُوزُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْمُرَادُ بِالْقَبْضِ الْكَامِلِ فِي الْمَنْقُولِ مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ وَفِي الْعَقَارِ أَيْضًا مَا يُنَاسِبُهُ، فَأَخْذُ مِفْتَاحِ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ قَبْضٌ لَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَ ثِيَابًا فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ وَدَفَعَ الصُّنْدُوقَ لَا يَكُونُ قَبْضًا فَلَا تَتِمُّ الْهِبَةُ.
وَفِي الْفُصُولَيْنِ هِبَةُ الْمَرِيضِ تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إذْ الْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ، وَلَوْ كَانَتْ وَصِيَّةً حَتَّى تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَكِنَّهَا هِبَةٌ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ.
(فَإِنْ قَبَضَ) الْمَوْهُوبُ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْهِبَةِ (بِلَا إذْنٍ) صَرِيحٍ مِنْ الْوَاهِبِ (صَحَّ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَ كَالْقَبُولِ فِي الْهِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ حُكْمِهِ، وَهُوَ الْمِلْكُ فَيَكُونُ الْإِيجَابُ مِنْهُ تَسْلِيطًا عَلَى الْقَبْضِ كَمَا أَنَّ الْإِيجَابَ مِنْهُ يَكُونُ تَسْلِيطًا عَلَى الْقَبُولِ.
(وَبَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ أَرَادَ بِهِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ (لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ) الصَّرِيحِ فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ؛ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا التَّسْلِيطَ فِيهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْقَبُولِ، وَالْقَبُولُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ فَكَذَا مَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا إذَا نَهَى عَنْ الْقَبْضِ صَرِيحًا، فَإِنَّ التَّسْلِيطَ مَوْجُودٌ لَكِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَبْضُ أُجِيبُ بِأَنَّهُ إذَا نَهَاهُ صَرِيحًا لَا تَعْمَلُ الدَّلَالَةُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَعْمَلُ بِمُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ فَلِهَذَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَا بَعْدَهُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَالْحَاصِلُ إنَّهُ إذَا أَذِنَ بِالْقَبْضِ صَرِيحًا يَصِحُّ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ وَيَمْلِكُهُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَلَوْ نَهَى عَنْ الْقَبْضِ بَعْدَ الْهِبَةِ لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ لَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا يَمْلِكُهُ قِيَاسًا، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْقَبْضِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ إنْ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ الْقَبْضُ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَ الْمَجْلِسِ لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ غَائِبًا فَذَهَبَ وَقَبَضَ، فَإِنْ كَانَ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ جَازَ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَجُوزُ هَذَا لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّأْوِيلَاتِ انْتَهَى. لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ وَضْعَ مَالِهِ فِي طَرِيقٍ لِيَكُونَ مِلْكًا لِلرَّافِعِ إذْنٌ بِالْقَبْضِ دَلَالَةً فَيَجُوزُ فَلَا مُخَالَفَةَ أَصْلًا تَدَبَّرْ.
(وَتَنْعَقِدُ) الْهِبَةُ (بِوَهَبْتُ) أَيْ بِقَوْلِهِ: وَهَبْت؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ.
وَفِي الْفَرَائِدِ
قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا، وَتَصِحُّ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَمَالَ إلَى أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْعَقِدُ بِوَهَبْتُ إلَى آخِرِهِ: وَمَالَ إلَى أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ الْإِيجَابُ فَقَطْ كَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فَعَلَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَيَّنَ أَوَّلًا الرُّكْنَ فَقَالَ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَلْفَاظَ الْإِيجَابِ فَقَالَ: وَتَنْعَقِدُ بِوَهَبْتُ إلَى آخِرِهِ فَلَا يَلْزَمُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ تَدَبَّرْ (وَنَحَلْت) لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ (وَأَعْطَيْت وَأَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ) ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إذَا نُسِبَ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يَكُونُ هِبَةً كَمَا مَرَّ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُزَاحِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ قَالَ: هَبْنِي هَذَا الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِ الْمُزَاحِ فَقَالَ: وَهَبْت وَسَلَّمَ إلَيْهِ جَازَ، وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ يَضْرِبُونَ الطُّنْبُورَ فَقَالَ لَهُمْ: هَبُوا هَذَا مِنِّي فَدَفَعُوهُ إلَيْهِ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ فَكَسَرَهُ فَقَالُوا: يَا شَيْخُ خَدَعْتَنَا انْتَهَى. وَشَمَلَ مَا لَوْ قَالَ لِقَوْمٍ: قَدْ وَهَبْت جَارِيَتِي هَذِهِ لِأَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا مَنْ شَاءَ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ مَلَكَهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَكَذَا بِقَوْلِهِ: أَذِنْت لِلنَّاسِ جَمِيعًا فِي تَمْرِ نَخْلِي مَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ فَبَلَغَ النَّاسَ فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا يَمْلِكُهُ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْمُنْتَقَى، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَقَالَةُ الْوَاهِبِ لَا يَكُونُ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى لَكِنْ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ مَالَهُ فِي طَرِيقٍ لِيَكُونَ مِلْكًا لِلرَّافِعِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ سَوَاءٌ بَلَغَتْهُ الْمَقَالَةُ أَوْ لَا تَأَمَّلْ (وَكَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ) ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ يُرَادُ بِهَا التَّمْلِيكُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا، وَقَالَ: أَلْبِسْ نَفْسَك فَفَعَلَ يَكُونُ هِبَةً، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ فَقَالَ: أَنْفِقْهَا يَكُونُ قَرْضًا (وَأَعْمَرْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهُوَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ» وَلِأَنَّ الْعُمْرَى تَمْلِيكٌ لِلْحَالِ فَثَبَتَ الْهِبَةُ، وَيَبْطُلُ مَا اقْتَضَاهُ مِنْ شَرْطِ الرُّجُوعِ؛ وَلِذَا لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ صَرِيحًا يَبْطُلُ شَرْطُهُ أَيْضًا كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك هَذَا الْعَبْدَ حَيَاتَك أَوْ حَيَاتَهُ، أَوْ أَعْمَرْتُكَ دَارِي هَذِهِ حَيَاتَك أَوْ أَعْطَيْتهَا حَيَاتَك، أَوْ وَهَبْت هَذَا الْعَبْدَ حَيَاتَك، فَإِذَا مِتَّ فَهُوَ لِي، وَإِذَا مِتُّ فَهُوَ لِوَرَثَتِي فَهَذَا تَمْلِيكٌ صَحِيحٌ وَشَرْطُهُ بَاطِلٌ (وَجَعَلْته لَك عُمْرِي) ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلتَّمْلِيكِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَلَّكْتُك هَذَا الشَّيْءَ إلَى آخِرِ عُمْرِي (وَدَارِي لَك) حَالَ كَوْنِهَا (هِبَةً تَسْكُنُهَا) ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي لَك لِلتَّمْلِيكِ ظَاهِرًا، وَقَوْلُهُ: تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ فَصَارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: هَذَا الطَّعَامُ لَك تَأْكُلُهُ (وَبِنِيَّتِهَا) أَيْ بِنِيَّةِ الْهِبَةِ (فِي حَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْهِبَةِ مَجَازًا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ النِّيَّةُ كَمَا مَرَّ فِي الْعَارِيَّةِ.
(وَإِنْ قَالَ: دَارِي لَك) حَالَةَ كَوْنِهَا (هِبَةً سُكْنَى) لِمَا مَرَّ أَنَّ سُكْنَى تَمْيِيزٌ فَتَصِيرُ تَفْسِيرًا لِمَا قَالَهُ لِكَوْنِهِ مُحْكَمًا فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فَتَكُونُ عَارِيَّةً (أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (سُكْنَى هِبَةً) ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا تَمْلِيكَ مَنْفَعَةٍ
(أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (نُحْلَى) عَلَى وَزْنِ حُبْلَى الْعَطِيَّةُ (سُكْنَى) فَتَقْدِيرُ نَحَلْتهَا نِحْلَةً سُكْنَى فَسُكْنَى يَرْفَعُ الْإِبْهَامَ (أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (سُكْنَى صَدَقَةً) فَسُكْنَى يُقَرِّرُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ (أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (صَدَقَةً عَارِيَّةً) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَمْيِيزٌ فَيَصِيرُ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ (أَوْ) دَارِي لَك (عَارِيَّةً هِبَةً) أَيْ دَارِي لَك بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ حَالَ كَوْنِ مَنَافِعِهَا لَك؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْعَارِيَّةِ صَرِيحٌ فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ (فَعَارِيَّةً) أَيْ فَجَمِيعُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ تَكُونُ عَارِيَّةً لَا هِبَةً.
(وَتَصِحُّ هِبَةُ مَشَاعٍ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ) أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْسَمَ بِمَعْنَى لَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَصْلًا كَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ وَلَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ جِنْسِ الِانْتِفَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَالْحَمَّامِ (لَا) أَيْ لَا تَصِحُّ هِبَةُ (مَا) أَيْ مَشَاعٍ (يَحْتَمِلُهَا) أَيْ الْقِسْمَةَ عَلَى وَجْهٍ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا قَبْلَهَا كَالْأَرْضِ وَالثَّوْبِ وَالدَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِشَرِيكِ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَيُشْتَرَطُ كَمَالُهُ وَالْمَشَاعُ لَا يَقْبَلُ الْقَبْضَ إلَّا بِضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْهُوبٍ فَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ الْكَامِلُ فَاكْتَفَى بِالْقَبْضِ الْقَاصِرِ ضَرُورَةً، وَلَا تَجُوزُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ خِلَافًا لِلْبَيْعِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِيهَا، وَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: الْهِبَةُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ فَتَجُوزُ فِي الْمَشَاعِ وَغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالشُّيُوعِ الْمَانِعِ الشُّيُوعَ الْمُقَارِنَ لِلْعَقْدِ لَا الطَّارِئَ كَأَنْ يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ شَائِعًا، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُهَا، أَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَيُفْسِدُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ مُقَارِنٌ لَا طَارِئٌ قُيِّدَ بِالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُبْطِلُهُ الشُّيُوعُ الطَّارِئُ كَالْمُقَارِنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الدُّرَرِ اعْتِرَاضٌ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلْيُرَاجَعْ (فَإِنْ قَسَمَ) أَيْ أَفْرَزَ الْجُزْءَ الْمَوْهُوبَ الْمَشَاعَ (وَسَلَّمَ) إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ (صَحَّ) الْعَقْدُ لِحُصُولِ الشَّرْطِ بَعْدَ رَفْعِ الشُّيُوعِ، وَهُوَ كَمَالُ الشُّيُوعِ، وَلَوْ سَلَّمَهُ شَائِعًا حَتَّى لَا يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَيَنْفُذَ فِيهِ تَصَرُّفُ الْوَاهِبِ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
وَفِي الْمِنَحِ: هِبَةُ الْمَشَاعِ إذَا فَسَدَتْ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، وَإِنْ قَبَضَ الْجُمْلَةَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ مَضْمُونَةٌ بِالْقَبْضِ، وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبْضِ هُوَ الْمُخْتَارُ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْهِبَةَ الْفَاسِدَةَ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ لَكِنَّ لَفْظَ الْفَتْوَى آكَدُ مِنْ لَفْظِ التَّصْحِيحِ كَمَا أَفَادَهُ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
(وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ دَقِيقٍ فِي بُرٍّ وَ) هِبَةُ (دُهْنٍ فِي سِمْسِمٍ، وَسَمْنٍ فِي لَبَنٍ، وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (طُحِنَ) الْبُرُّ (أَوْ اُسْتُخْرِجَ الدُّهْنُ) مِنْ السِّمْسِمِ وَالسَّمْنُ مِنْ اللَّبَنِ (وَسُلِّمَ) ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَعْدُومٌ وَقْتَ الْهِبَةِ وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمِلْكِ بِخِلَافِ الْمَشَاعِ إذْ هُوَ مَحَلٌّ لَهُ حَيْثُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ إلَّا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْعَقْدَ.
(وَهِبَةُ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ وَصُوفٍ عَلَى غَنَمٍ وَنَخْلٍ وَزَرْعٍ فِي أَرْضٍ وَتَمْرٍ فِي نَخْلٍ كَهِبَةِ الْمَشَاعِ) ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْجَوَازِ
لِلِاتِّصَالِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْقَبْضَ كَالشَّائِعِ حَتَّى إذَا فُصِلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَسُلِّمَتْ صَحَّتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَ الْحَمْلَ وَسَلَّمَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي وُجُودِهِ احْتِمَالًا فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ.
وَفِي الْكَافِي لَوْ وَهَبَ زَرْعًا فِي أَرْضٍ وَتَمْرًا فِي شَجَرٍ وَأَمَرَهُ بِالْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ وَهَبَهُ بَعْدَ الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ.
(وَهِبَةُ شَيْءٍ هُوَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ تَتِمُّ بِلَا تَجْدِيدِ قَبْضٍ) لِتَحَقُّقِ شَرْطِ الْهِبَةِ، وَهُوَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْوَاجِبَ بِالْهِبَةِ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَيَنُوبُ عَنْهُ كُلُّ قَبْضٍ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ مَضْمُونٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَيَلْزَمُهُ قَبْضٌ جَدِيدٌ، وَفِي إطْلَاقِهِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ أَوْ مَضْمُونَةٌ، وَلَوْ وَدِيعَةً كَأَنَّهُ بَعْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ عَامِلًا لِلْمَالِكِ فَاعْتُبِرَتْ يَدُ الْحَقِيقَةِ.
(وَهِبَةُ الْأَبِ لِطِفْلِهِ تَتِمُّ بِالْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِ الْأَبِ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ.
(وَإِنْ) كَانَ (الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْأَبِ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ لَا لَكِنْ يَلْزَمُ الْإِشْهَادُ، وَعَلَيْهِ الِاحْتِيَاطُ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ جُحُودِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ (أَوْ) فِي (يَدِ مُودَعِهِ) ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ (إلَّا إنْ كَانَ) الْمَوْهُوبُ (فِي يَدِ غَاصِبٍ) أَيْ لَوْ غَصَبَ عَبْدَهُ مَثَلًا غَاصِبٌ فَوَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ الْأَبِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا، وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَفْوِيتِ الْيَدِ (أَوْ) فِي يَدِ (مُبْتَاعٍ بَيْعًا فَاسِدًا) أَيْ لَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا تَجُوزُ (أَوْ) فِي يَدِ (مُتَّهَبٍ) مَعْنَاهُ لَوْ وَهَبَ لِآخَرَ بِلَا عِوَضٍ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا تَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنْ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَوْ فِي يَدِ مُرْتَهِنٍ مَكَانَ مُتَّهَبٍ يَعْنِي لَوْ رَهَنَ لِآخَرَ، ثُمَّ وَهَبَ لِطِفْلِهِ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ تَتَبَّعْ. (وَالصَّدَقَةُ فِي ذَلِكَ كَالْهِبَةِ) وَالْمُرَادُ مِنْ الصَّدَقَةِ هُنَا التَّصَدُّقُ لِابْنِهِ فَقَطْ وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ فَعَلَى هَذَا تَفْسِيرُ صَاحِبِ الْفَرَائِدِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مُطْلَقًا لَيْسَ بِشَيْءٍ تَتَبَّعْ.
(وَالْأُمُّ كَالْأَبِ) فِي أَنَّ هِبَتَهَا لِطِفْلِهَا تَتِمُّ بِالْعَقْدِ (عِنْدَ غَيْبَتِهِ) أَيْ الْأَبِ (غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً) وَتَفْسِيرُهَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَوْلِيَاءِ (أَوْ مَوْتِهِ) أَيْ الْأَبِ (وَعَدَمِ وَصِيِّهِ إنْ كَانَ الطِّفْلُ فِي عِيَالِهَا) ؛ لِأَنَّ لِلْأُمِّ وِلَايَةَ الْحِفْظِ إذَا كَانَ فِي حِجْرِهَا لَكِنْ بِشَرْطِ غَيْبَةِ الْأَبِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً أَوْ مَوْتِهِ وَعَدَمِ وَصِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ حُضُورِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ لَا يَكُونُ لِلْأُمِّ ذَلِكَ، وَلَوْ فِي حِجْرِهَا.
(وَكَذَا كُلُّ مَنْ يَعُولُ الطِّفْلَ) كَالْعَمِّ وَالْأَخِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ تَأْدِيبُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي حَرْفِهِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ النَّافِعُ بِتَمْلِيكِهِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ كَمَا فِي الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ.
(وَهِبَةُ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ) أَيْ لِلطِّفْلِ (تَتِمُّ بِقَبْضِهِ) أَيْ بِقَبْضِ الطِّفْلِ (لَوْ) كَانَ (عَاقِلًا) أَيْ مُمَيِّزًا يَعْقِلُ التَّحْصِيلَ، وَلَوْ أَبُوهُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ يَلْحَقُ بِالْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَفِي الْبَحْرِ
مَنْ وَهَبَ لِصَغِيرٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئًا فَرَدَّهُ يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ قَبُولُهُ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ مَنْ وَهَبَ لِلصَّغِيرِ شَيْئًا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ التَّعْوِيضُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَيَبِيعُ الْقَاضِي مَا وُهِبَ لِلصَّغِيرِ حَتَّى لَا يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ.
(وَ) تَتِمُّ أَيْضًا (بِقَبْضِ أَبِيهِ) حَالَ صِغَرِهِ (أَوْ جَدِّهِ أَوْ وَصِيِّ أَحَدِهِمَا) أَيْ بِقَبْضِ وَصِيِّ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّ الْجَدِّ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ فِي حِجْرِهِمْ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةً عَلَى الْيَتِيمِ أَمَّا الْأَبُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْجَدِّ وَالْوَصِيِّ فَلِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْأَبِ (أَوْ) بِقَبْضِ (أُمِّهِ إنْ) كَانَ الطِّفْلُ (فِي حِجْرِهَا) لِمَا مَرَّ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَيُبَاحُ لِلْوَالِدَيْنِ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ الْمَأْكُولِ الْمَوْهُوبِ لِلصَّغِيرِ فَأَفَادَ أَنَّ غَيْرَ الْمَأْكُولِ لَا يُبَاحُ لَهُمَا إلَّا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ، وَأَشَارَ إلَى مَا عُلِمَ أَنَّ مَا وَهَبَ لِلصَّغِيرِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ أَمَّا لَوْ اتَّخَذَ الْأَبُ وَلِيمَةً لِلْخِتَانِ فَأَهْدَى النَّاسَ هَدَايَا وَوَضَعُوا بَيْنَ يَدَيْ الْوَلَدِ، فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ تَصْلُحُ لِلصَّبِيِّ مِثْلُ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ أَوْ بِشَيْءٍ يَسْتَعْمِلُهُ الصِّبْيَانُ فَالْهَدِيَّةُ لِلصَّبِيِّ وَإِلَّا يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِنْ أَقْرِبَاءِ الْأَبِ أَوْ مَعَارِفِهِ فَهُوَ لِلْأَبِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْرِبَاءِ الْأُمِّ أَوْ مَعَارِفِهَا فَهُوَ لِلْأُمِّ سَوَاءٌ كَانَ الْمُهْدِي يَقُولُ عِنْدَ الْهَدِيَّةِ: هَذَا لِلصَّبِيِّ أَمْ لَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَقُلْ الْمُهْدِي هَذَا لَهُ أَوْ لَهَا، وَكَذَا لَوْ اتَّخَذَ الْوَلِيمَةَ لِزِفَافِ بِنْتِهِ كَمَا مَرَّ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطَايَا، وَالْعَدْلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْطِيهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْمَوَارِيثِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ مُشْتَغِلًا بِالْعِلْمِ دُونَ الْكَسْبِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَضِّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى جَوَابِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَوْلَادِهِ مَنْ كَانَ عَالِمًا مُتَأَدِّبًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فَاسِقًا فَاجِرًا (أَوْ) بِقَبْضِ (أَجْنَبِيٍّ يُرَبِّيهِ) وَيَحْجُرُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ يَدًا مُعْتَبَرَةً حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ فَيَمْلِكُ النَّفْعَ فِي حَقِّهِ (أَوْ) تَتِمُّ (بِقَبْضِ زَوْجِ الطِّفْلَةِ لَهَا) أَيْ لِلطِّفْلَةِ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (مَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ بَعْدَ الزِّفَافِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ زُفَّتْ الصَّغِيرَةُ إلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حِفْظِهَا وَقَبَضَ الْهِبَةَ مِنْهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ الْأَبُ أَيْضًا صَحَّ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَاشْتِرَاطُ الزِّفَافِ لِثُبُوتِ وِلَايَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَعُولُهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ الزِّفَافِ (لَا قَبْلَهُ) أَيْ لَا يَصِحُّ قَبْضُ الزَّوْجِ قَبْلَ الزِّفَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعُولُهَا قَبْلَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْلَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُجَامِعُ مِثْلَهَا فِي الصَّحِيحِ.
(وَصَحَّ هِبَةُ اثْنَيْنِ لِوَاحِدٍ دَارًا) ؛ لِأَنَّهَا سُلِّمَتْ جُمْلَةً وَقُبِضَتْ جُمْلَةً فَلَا شُيُوعَ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ هِبَةَ الِاثْنَيْنِ لِلِاثْنَيْنِ لَا تَجُوزُ (لَا عَكْسُهُ) أَيْ لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْوَاحِدِ لِلِاثْنَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَيَثْبُتُ الشُّيُوعُ، وَالْقَبْضُ فِي الْمَشَاعِ لَا يَتَحَقَّقُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَبْسِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: رَجُلٌ وَهَبَ