الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَدْخُلْ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ قَصْدًا وَالْكَسْبُ كَالْوَلَدِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي الْكَافِي.
[بَاب الْعِتْق فِي الْمَرَض]
الْإِعْتَاقُ فِي الْمَرَضِ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَصِيَّةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَهُ أَحْكَامٌ مَفْرُوضَةٌ أَفْرَدَهُ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَخَّرَهُ عَنْ صَرِيحِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (الْعِبْرَةُ بِحَالِ التَّصَرُّفِ فِي التَّصَرُّفِ الْمُنَجَّزِ) وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ حُكْمَهُ فِي الْحَالِ كَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ وَهَبْتُك (فَإِنْ كَانَ) التَّصَرُّفُ الْمُنَجَّزُ (فِي الصِّحَّةِ فَمِنْ كُلِّ الْمَالِ، وَإِنْ) كَانَ (فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَمِنْ ثُلُثِهِ) أَيْ ثُلُثِ الْمَالِ وَالْمُرَادُ بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي هُوَ إنْشَاءٌ وَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى التَّبَرُّعِ حَتَّى إنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ فِي الْمَرَضِ يَنْفُذُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ وَالنِّكَاحُ فِي الْمَرَضِ يَكُونُ الْمَهْرُ فِيهِ مِنْ كُلِّ الْمَالِ (وَ) التَّصَرُّفُ (الْمُضَافُ إلَى الْمَوْتِ) وَهُوَ مَا أَوْجَبَ حُكْمَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ هَذَا لِزَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِي يُعْتَبَرُ (مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ) كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ (فِي الصِّحَّةِ) فَالْمُعْتَبَرُ لَيْسَ حَالَةَ الْعَقْدِ بَلْ حَالَةَ الْمَوْتِ (وَمَرَضٌ صَحَّ) صِفَتُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَرَضِ (كَالصِّحَّةِ) فَقَوْلُهُ مَرَضٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ كَالصِّحَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ كَالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ إلَّا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَبِالْبُرْءِ مِنْهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ مَوْتٍ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ حَقٌّ فِي مَالِهِ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَمَا شَاءَ (فَالتَّحْرِيرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَالْمُحَابَاةُ) وَهِيَ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَتَانِ بِمِائَةٍ مَثَلًا (وَالْكَفَالَةُ وَالْهِبَةُ وَصِيَّةٌ) أَيْ كَالْوَصِيَّةِ وَوَجْهُ الشُّبْهَةِ قَوْلُهُ (فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ حُكْمُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كَحُكْمِ الْوَصِيَّةِ حَتَّى تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَمُزَاحَمَةُ أَصْحَابِ الْوَصَايَا فِي الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مُنَجَّزَةٌ فِي الْحَالِ.
(فَإِنْ أَعْتَقَ وَحَابَى وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ (فَالْمُحَابَاةُ أَوْلَى) أَيْ تُقَدَّمُ عَلَى الْعِتْقِ هَذَا (إنْ قُدِّمَتْ) الْمُحَابَاةُ عَلَى الْعِتْقِ (وَهُمَا) أَيْ الْعِتْقُ وَالْمُحَابَاةُ (سَوَاءٌ إنْ أُخِّرَتْ) الْمُحَابَاةُ بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ ثُمَّ بَاعَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَتَانِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا يُقْسَمُ الثُّلُثُ وَهُوَ الْمِائَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَيَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَصَاحِبُ الْمُحَابَاةِ يَأْخُذُ الْعَبْدَ الْآخَرَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَقَالَا هُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. لَهُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَكِنْ إنْ وُجِدَ الْعِتْقُ أَوَّلًا وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ يُزَاحِمُ الْمُحَابَاةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَالْمُحَابَاةُ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ وَلَا اعْتِبَارَ لِلتَّقَدُّمِ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَبُ التَّقْدِيمُ فِي الثُّبُوتِ إلَّا إذَا اتَّحَدَ الْمُسْتَحِقُّ وَاسْتَوَتْ الْحُقُوقُ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ بَيْنَ مُحَابَاتَيْنِ) بِأَنْ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى قُسِمَ الثُّلُثُ (فَنِصْفُ) الثُّلُثِ (لِلْأُولَى) أَيْ لِلْمُحَابَاةِ الْأُولَى (وَنِصْفُ) الثُّلُثِ (بَيْنَ الْعِتْقِ، وَ)
الْمُحَابَاةِ (الْأَخِيرَةِ) ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِيرَةِ فَيَسْتَوِيَانِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُحَابَاتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْمُحَابَاةَ الْأَخِيرَةَ قُسِمَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا فَيَسْتَوِيَانِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُحَابَاةَ الْأُولَى مُسَاوِيَةٌ لِلْمُحَابَاةِ الثَّانِيَةِ وَالْمُحَابَاةَ الثَّانِيَةَ مُسَاوِيَةٌ لِلْعِتْقِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهَا فَالْمُحَابَاةُ الْأُولَى مُسَاوِيَةٌ لِلْعِتْقِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا، وَهُوَ يُنَاقِضُ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ جَانِبِ الْإِمَامِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ شَرْطَ الْإِنْتَاجِ أَنْ تَلْزَمَ لِنَتِيجَةِ الْقِيَاسِ لِذَاتِهِ وَقِيَاسُ الْمُسَاوَاةِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ انْتَهَى لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُسَاوِيَ لِلْمُسَاوِي لِلشَّيْءِ مُسَاوٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مُسَاوَاةَ الْمُحَابَاةِ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ مِنْ جِهَةٍ وَمُسَاوَاةَ الثَّانِيَةِ لِلْعِتْقِ الْمُقَدَّمِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَحَيْثُ انْفَكَّتْ الْجِهَةُ انْدَفَعَ الْمَحْذُورُ.
(وَإِنْ حَابَى بَيْنَ عِتْقَيْنِ) بِأَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ (فَنِصْفُ) الثُّلُثِ (لِلْمُحَابَاةِ وَنِصْفُ) الثُّلُثِ (لِلْعِتْقَيْنِ) بِأَنْ يُقْسَمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ وَالْمُحَابَاةِ وَمَا أَصَابَ الْعِتْقَ قُسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ الثَّانِي هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا الْعِتْقُ أَوْلَى فِي الْجَمِيعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِخِلَافِ الْمُحَابَاةِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ.
(وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بِهَذِهِ الْمِائَةِ عَبْدٌ فَهَلَكَ مِنْهَا دِرْهَمٌ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا يُعْتَقُ) عَنْهُ عَبْدٌ (بِمَا بَقِيَ) ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِنَوْعِ قُرْبَةٍ فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا أَمْكَنَ قِيَاسًا عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ.
(وَلَوْ) كَانَ (مَكَانَ الْعِتْقِ حَجٌّ حَجَّ بِمَا بَقِيَ إجْمَاعًا) وَلَهُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ بِالْعِتْقِ لِعَبْدٍ يُشْتَرَى بِمِائَةٍ مِنْ مَالِهِ وَتَنْفِيذُهَا فِيمَنْ يَشْتَرِي بِأَقَلَّ مِنْهُ تَنْفِيذٌ فِي غَيْرِ الْمُوصَى لَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَتَبَدَّلْ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ فَهَلَكَ بَعْضُهَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْبَاقِي قَالَ الزَّيْلَعِيُّ قِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْعِتْقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمَا حَتَّى تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَلَمْ يَتَبَدَّلْ الْمُسْتَحِقُّ وَعِنْدَهُ حَقُّ الْعَبْدِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، فَاخْتَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ وَهَذَا الْبِنَاءُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ ثَابِتٌ مَعْرُوفٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِهِ.
(وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لَوْ جَنَى بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَدَفَعَ بِهَا) أَيْ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ مَوْلَى الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُوصِي فَكَذَا عَلَى حَقِّ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ الْعَبْدُ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي وَمِلْكُ الْمُوصِي بَاقٍ إلَى أَنْ يَدْفَعَ وَبِالدَّفْعِ يَزُولُ مِلْكُهُ فَإِذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا إذَا بَاعَهُ الْوَصِيُّ أَوْ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالدَّيْنِ (وَإِنْ فَدَى) أَيْ الْعَبْدُ بِأَنْ أَعْطَى الْوَرَثَةَ الْفِدَاءَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِمُقَابَلَةِ الْعَبْدِ (فَلَا) تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ بِالْفِدَاءِ وَإِنَّمَا جَازَتْ الْوَصِيَّةُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بَرِيءٌ عَنْ الْجِنَايَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ.
(وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ
وَتَرَكَ عَبْدًا فَادَّعَى زَيْدٌ عِتْقَهُ فِي الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ الْمُوصِي (وَ) ادَّعَى (الْوَارِثُ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ فَالْقَوْلُ لِلْوَارِثِ) مَعَ الْيَمِينِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَلَهُ عَبْدٌ فَأَقَرَّ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثُ أَنَّ الْمُوصِيَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ لَكِنْ قَالَ الْمُوصَى لَهُ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ لِئَلَّا تَكُونَ وَصِيَّةً تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ وَقَالَ الْوَارِثُ أَعْتَقَهُ فِي الْمَرَضِ لِيَكُونَ وَصِيَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ مَعَ يَمِينِهِ (وَلَا شَيْءَ لِزَيْدٍ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ الثُّلُثُ عَنْ قِيمَتِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (أَوْ يُبَرْهِنَ) زَيْدٌ (عَلَى دَعْوَاهُ) وَهُوَ عِتْقُهُ فِي الصِّحَّةِ فَيَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَالْوَارِثُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَهُ ثُلُثَ مَالِهِ غَيْرَ الْعَبْدِ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لِزَيْدٍ بِلَا بُرْهَانٍ، فَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ حَلَفَ الْوَارِثُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مُوَرِّثَهُ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ الْحَوَادِثِ فَيُحْكَمُ بِحُدُوثِهِ مِنْ أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ لِلتَّيَقُّنِ بِهَا، وَأَقْرَبُ الْأَوْقَاتِ هُنَا وَقْتُ الْمَرَضِ وَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَارِثِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ الْيَمِينِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُزَاحِمَ لَهُ أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ إذْ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ نَعَمْ الْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُقْبَلُ مِنْ خَصْمٍ وَالْعِتْقُ حَقُّ الْعَبْدِ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ أَيْ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ خَصْمٌ فِي إقَامَتِهَا لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ.
(وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَ) ادَّعَى (الْعَبْدُ إعْتَاقَهُ فِي صِحَّتِهِ وَصَدَّقَهُمَا الْوَارِثُ سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ وَتُدْفَعُ إلَى الْغَرِيمِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا لَا يَسْعَى) لَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ وَالْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ ظَهَرَا مَعَهَا لِتَصْدِيقِ الْوَارِثِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا وَالْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ لَا يُوجِبُ السِّعَايَةَ، وَلَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَرَضِ يُعْتَبَرُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ وَالْإِقْرَارُ بِالْعِتْقِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَيَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ لَكِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ فَيَبْطُلُ مَعْنَى إيجَابِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ إسْنَادَ الْعِتْقِ إلَى الصِّحَّةِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يُوجَدْ شَغْلُ الدَّيْنِ وَقَدْ وُجِدَ الدَّيْنُ هُنَا فَمُنِعَ الْإِسْنَادُ فَوَجَبَ رَدُّهُ بِالدَّيْنِ وَرَدُّهُ بِالسِّعَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ ابْنًا وَأَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ رَجُلٌ لِي عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ وَقَالَ رَجُلٌ هَذَا الْأَلْفُ الَّذِي تَرَكَهُ أَبُوك كَانَ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ أَبِيك، وَقَالَ الِابْنُ صَدَقْتُمَا فَعِنْدَهُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ الْوَدِيعَةُ إلَّا وَالدَّيْنُ ظَاهِرٌ مَعَهَا فَيَتَحَاصَّانِ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْوَدِيعَةِ ثُمَّ بِالدَّيْنِ وَقَالَا الْوَدِيعَةُ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي عَيْنِ الْأَلْفِ وَالدَّيْنُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْعَيْنِ فَكَانَتْ أَسْبَقَ وَصَاحِبُهَا أَحَقَّ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُوَرِّثُ حَيًّا وَقَالَ صَدَقْتُمَا وَذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ فَعِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ أَقْوَى وَعِنْدَهُمَا سَوَاءٌ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا وَبِهِ يَنْطِقُ شُرُوحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشُرُوحُ الْمَنْظُومَةِ كَذَا فِي الْكَافِي.
(وَإِنْ اجْتَمَعَتْ وَصَايَا وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا قُدِّمَتْ الْفَرَائِضُ) كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ.
(وَإِنْ أَخَّرَهَا) أَيْ الْمُوصِي الْفَرَائِضَ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ
أَهَمُّ مِنْ النَّفْلِ (فَإِنْ تَسَاوَتْ) الْوَصَايَا (فِي الْفَرْضِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا) بِأَنْ كَانَ جَمِيعُهَا نَفْلًا (وَقُدِّمَ مَا قَدَّمَهُ) الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُوصِي أَنْ يَبْدَأَ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ وَالثَّابِتُ بِالظَّاهِرِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ (وَقِيلَ) إنْ تَسَاوَتْ فِي الْفَرْضِيَّةِ (تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَجِّ) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ (وَقِيلَ بِالْعَكْسِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَاخْتَلَفَتْ رِوَايَاتٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ.
وَقَالَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ يُبْدَأُ بِالْحَجِّ، وَإِنْ أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَتَأَدَّى بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالزَّكَاةُ بِالْمَالِ فَحَسْبُ فَكَانَ الْحَجُّ أَقْوَى فَيُبْدَأُ بِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَقِيرِ ثَابِتٌ وَالْحَجُّ تَمَحَّضَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَتْ الزَّكَاةُ أَقْوَى (وَيُقَدَّمُ الْحَجُّ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْكَفَّارَاتِ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ) لِرُجْحَانِهِمَا عَلَيْهَا فَقَدْ جَاءَ فِيهِمَا مِنْ الْوَعِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي كَفَّارَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِمَا.
(وَ) تُقَدَّمُ (الْكَفَّارَاتُ عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ) لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِوُجُوبِهَا بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
(وَ) تُقَدَّمُ (صَدَقَةُ الْفِطْرِ) مُقَدَّمَةٌ (عَلَى الْأُضْحِيَّةِ) لِلِاتِّفَاقِ فِي وُجُوبِهَا وَلِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ التَّضْحِيَةِ وَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَدَّمُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى بَعْضٍ كَالنَّذْرِ يُقَدَّمُ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ دُونَهَا.
(وَإِنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (عَنْهُ) أَيْ الْمُوصِي (رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ) الَّذِي يَحُجُّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنْهُ حَالَ كَوْنِهِ (رَاكِبًا) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَحُجَّ مِنْ بَلَدِهِ فَيَجِبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ كَمَا وَجَبَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَدَاءِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَوَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَزِمَهُ (إنْ وَفَتْ النَّفَقَةُ) لِلْإِحْجَاجِ مِنْ بَلَدِهِ رَاكِبًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَفِ النَّفَقَةُ (فَمِنْ حَيْثُ تَفِي) النَّفَقَةُ وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَحُجَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِالْحَجِّ بِصِفَةٍ وَقَدْ عُدِمَتْ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ غَرَضَهُ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فَتَنْفُذُ مَا أَمْكَنَ.
(وَإِنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» وَالْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ لَيْسَ مِنْ الثَّلَاثِ فَظَهَرَ بِمَوْتِهِ أَنَّ سَفَرَهُ كَانَ سَفَرَ الْمَوْتِ لَا سَفَرَ الْحَجِّ فَكَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَخُرُوجِهِ لِلتِّجَارَةِ إذَا مَاتَ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ فَكَذَا هُنَا. (وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ اسْتِحْسَانًا) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَقَعَ قُرْبَةً وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] وَلَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ