الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 - بَابُ غَسْلِ الوَجْهِ بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
ــ
باب من أذَّن لكل واحدة؟ قلتُ: ابن عمر لم يَروِ في ذلك حديثًا ولا يقاوم فعله حديث جابر.
فإن قلت: هل يصلي السنة؟ قلتُ: قوله: لم يصل بينهما لا ينفي جواز السنة بعدهما أو قبلهما. قال الشافعي: يصلي سنة الصلاتين بعدهما لما روى الترمذي عن ابن عمر: صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين. وروى أبو داود والترمذي عن البراء: غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرةَ غزوةً كان إذا زاغت الشمسُ يصلي ركعتين. وقد أنكر ابن عمر على من يصلى السنة وقال: لو صليت السنة لأتممْت الفريضة.
باب: غسل الوجه باليدين من غَرفةٍ واحدةٍ
الغرفة -بالضم- بمعنى المغروف كاللقمة والأكلة. وبالفتح: مصدر غرف للوحدة، كما قال الله تعالى:{إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً} [البقرة: 249] قُرئ بهما في السبع. قال الجعبري: والمختار بضم الغين، لأن الفتح يحتاج إلى تقدير الماء، وما يحكى أن أبا عمرو بن العلاء، لما قرأ غَرفة، بالفتح، وكان ذلك في أيام إمارة الحجاج بالعراق، فطالبه الحجاج على أن يقيم على قراءته شاهدًا من كلام العرب، فلم يظفر به فهَرَبَ منه إلى اليمن ثم خَرَج يومًا، فإذا هو بأعرابي ينشد شعر أمية بن الصلت:
ربما تكره النفوس من الأمـ
…
ـر شيئًا له فرجة كحل العقال
بفتح الفاء فسأله فقال: مات الحجاج. فقال أبو عمرو: لا أدري بأيهما أنا أفرح، بموت الحجاج أم بهذا البيت؟ فباطلٌ أما أولًا: فلأن أبا عمرو ناقلٌ لقراءة متواترة عن أفصح البشر، ولم يكن متفردًا بذلك وافقه نافع وابن كثير، فلا يتوجه إليه الاعتراض، وأما ثانيًا: فلأن أبا عمرو أعلى كعبًا من أن يحتاج إلى الاستدلال على قراءته بقول آحاد الأعراب.
قال الجعبري ناقلًا عنه: لولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما ثبت لقرأتُ حرفَ كذا وحرفَ كذا. وإنما ذكر في هذا الكلام ونبهتُ على غلطه، لأنه منقول في الكتب فيغترّ به من لا خبرَ
140 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ،
ــ
له. نعم توارى أبو عمرو عن الحجاج، كما توارى عنه الحسن البصري وغيره لفرط ظلمه وقتله الصحابة والتابعين.
140 -
(محمد بن عبد الرحيم) البغدادي، كان يلقب بالصاعقة بمجرد فهمه (أبو سَلَمة) -بفتح السين واللام- ابن عبد العزيز، واسمه منصور بن سلمة الخُزاعي -بضم الخاء- نسبةً إلى خزاعة قبيلة معروفة (عن زيد بن أسلم) بفتح الهمزة (عن عطاء بن يسار) ضد اليمين (توضأ فغسَلَ وجهه).
فإن قلت: غسل الوجه مقدم على التوضؤ، لأنه جزء من أجزائه، فكيف صَحّ ذكره بالفاء بعده؟ قلتُ: ما بعد الفاء إلى آخره يفصل ذلك المُجمل، والمفصل متأخر عن المجمل.
(أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه) قوله: أخذ غرفة، استئناف يُبَين كيفية غسل الوجه الذي تقدمه، فبين أن المضمضة والاستنشاق مقدمان عليه، وبَين أن الماء يُؤخذ بعد ذلك في إحدى اليدين، ثم يضاف إلى اليد الأخرى، ثم يغسل بها الوجه، ولا يخفى أن هذا إنما يكون إذا صَبَّ الماء من نحو الإبريق، وأما إذا كان حوضًا أو نهرًا فلا يحتاج إلى الأخذ بإحدى اليدين كما في الحديث.
قال بعض الشارحين: المضمضة والاستنشاق ليسا من غسل الوجه. قلتُ: أُعطي لهما حكم الوجه لأنهما في الوجه. هذا كلامه. قلتُ: لو أُعطي حكم الوجه كان غسلهما واجبًا مثله.
ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي اليُسْرَى» ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ.
ــ
فإن قلتَ: ما حقيقةُ المضمضة والاستنشاق؟ قلتُ: المضمضة لغة: تحريكُ الماء في الفم، إلا أن الفقهاء على أنه يكفي مجرّد إدخال الماء في الفم، وأما الاستنشاق فهو: إدخال الماء في الأنف، من: نشق الدابة، إذا كفّ زمامها، وهما واجبان عند الإمام أحمد وابن راهويه تمسكًا بظاهر الأحاديث ولم يحكِ أحدٌ وضوءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مقرونًا بهما، وذَهَبَ الشافعي إلى سُنيتهما لعدم ذكرهما في الآية، والفعل لا يدل على الوجوب، وذهب أبو حنيفة إلى وجوبهما في الغسل لقراءة:{فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، بالتشديد. والفم والأنف ظاهران من وجهٍ، باطنان من وجهٍ، فأَخَذَ بالاحتياط، وذَهَب إلى وجوب الاستنشاق دون المضمضة أبو ثور، وأهل الظاهر، لأن الأنف محلّ الأوساخ ونبات الشعر. قال النووي: في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه:
يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها ثلاثًا ويستنشق ثلاثًا.
والثاني: أن يدخل الماء في فمه مرة، ثم أنفه مرة، ثم يعود إلى الفم، ثم إلى الأنف.
كل ذلك مرة بعد أخرى إلى الثلاث في كل واحد.
والثالث: ثلاث غَرَفات. كل واحدة يقسمها إلى الفم والأنف.
والرابع: بغرفتين، كل واحدة لواحد لكنها يدخلها في ثلاث مرات.
والخامس: ست غرفات ثلاث لهذا، وثلاث لذاك. والأفضل منها الرابع.
وإنما اختصر في الحديث هنا على غرفة، لأنه بصدد بيان فرض الوضوء، ولهذا اكتفى في غسل الأعضاء مرة مرة.
(ثم أخذ غرفة من ماء، فَرَشَّ على رجله اليمنى) أي: صَبَّه قليلًا قليلًا. إما لأنه كذلك رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لقلة الماء. والظاهر هو الأول لقوله: هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. ومن قال: لا فَرقَ بين الغسل والرش، فقد خالف اللغة والفقه، أما اللغة فلقول الجوهري: يقال: رشت السماء والرش: المطرُ القليل. وقال ابنُ الأثير في "النهاية": الرش: النَّضح. وأما الفقه فلقول الشافعي: يُغْسَل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام قبل أن يطعم. واستدل ابنُ بطال بالحديث على أن الماء المستعمل يطهر، لأنه بأول ملاقاة العضو يصير مستعملًا، فلو لم يكن طهورًا لما صحّ غسل باقي العضو. وفي استدلاله نظرٌ، لأن العضو الواحد له حكم واحد، وما دام الماء جاريًا عليه لا يوصف بالاستعمال.