الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
37 - بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ.
ــ
باب: خوفُ المؤمن من أن يحبط عملُهُ وهو لا يشعر
حبوط العمل عبارةٌ عن بطلان ثوابه. من حَبِط بالكسر: بَطَل. أصلُهُ ذهابُ الماء من الحوض بحيث لا يعود (ما عَرَضْتُ قولي على عَمَلي إلَّا خَشِيتُ أن أكون مُكَذِّبًا). -بكسر الذال- لأنَّه إذا لم يوافق قولُه عملَه، فكان القولُ كاذبًا غير واقع. ويُروى بالفتح؛ كأن غيره يُكَذبُهُ إذا رأى قوله مخالفًا لفعله (وقال ابنُ أبي مُلَيْكَة) -بضم الميم على وزن المصغر- هو عُبيد الله بن عبد الله، الأول مُصَغَّر والثاني مكبَّر. وأبو مُلَيكة جدّه. أدرَكَ ثلاثين من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كلُّهم يخافُ النفاقَ على نفسه. ليس المراد من النفاق الكفرَ الذي يُضَادُّ الإيمانَ، بل العملَ الذي يَشُوبه الرياء؛ وذلك [مع] بعد مقام الصّحابة من ذلك.
(ويُذكَرُ عن الحسن) المنقول عن إبراهيم وعن ابن أبي مُلَيكة، وعن الحسن تعليقًا.
وإنَّما ذكر في الأولين بلفظ قال. وفي الآخر بلفظ يذكر تَفَنُّنًا في العبارة. وقيل: إنَّما جزم في الأولين وأتى بصيغة التمريض في الآخر بجزمه باتصال الإسناد في الأولين دونه. قلتُ: هذا قول مشهور بين الشارحين، لكن هذا ليس قانونًا كليًّا؛ لأنَّه قد يَذكُرُ الحديثَ المسند بلفظ: يذكر. كما سننبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. قال العاقي: إنَّما يأتي بصيغة التمريض إذا اختصر الحديثَ أو أتى به بالمعنى (ما خافه إلَّا مؤمن ولا أَمِنَهُ إلَّا منافقٌ) الضميران للحبوط؛ لأنَّه المقصود الذي ترجم له، أو للنفاق الذي سبق ذكره في قول ابن أبي مليكة، وجعلُ الضمير في الموضعين لله لا وجهَ له، يدل عليه ما رواه معلَّى بن زياد عن الحسن:"ما قضى مؤمن ولا تقي إلَّا وهو يشفق من النفاق" ولو كان الضمير لله، ولا احتياج إلى جعله من حذف الجار وإيصال الفعل، لأنَّ خاف يتعدَّى بنفسه. قال تعالى:{فَلَا تَخَافُوهُمْ}
وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].
48 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» .
[الحديث 48 - طرفاه في: 6044 - 7076]
ــ
[آل عمران: 175] وقال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28]. (وما يُحذَر من النفاق والعصيان من غير توبة) عطف على خوف المؤمن في أول الترجمة مندرج تحتها، ويُحذَرُ: بلفظ المجهول وعطفه على يقول، وجعل ما نافيةً. أي: ما منهم أحدٌ ما يَحْذَرُ عليّ بناء الفاعل يَرُدُّهُ الآية، فإنَّها عامة، والمعطوف عليه قول الصّحابة خاصة. ويروى مكان النفاق "التقاتل".
48 -
(محمد بن عَرْعَرة) بعين وراء مهملة مكررتين (زبيد) -بضم الزَّاي على وزن المصغر- هو الحارث اليامي العابد الناسك. قال ابن عيينة: قال زبيد: ألف بعرة عندي خيرٌ من ألف دينار (سألتُ أبا وائل) هو سلمة بن شقيق التَّابعي المعروف الحَضْرمي الأسدي الكوفيِّ. و (المرجئة) طائفة يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان المعاصي، كما لا ينفع مع الكفر الطاعاتُ. من الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخَّروا العقاب عن المؤمن العاصي. يقال -بالهمزة والياء- بناءً على الاختلاف في كونه مهموزًا أو معتلًا، فإن كان مهموزًا فالنسبة فيه مرجَئي بفتح الجيم بعده همزة مكسورة، وإن كان معتلًا فالنسبةُ إليه مرجي -بكسر الجيم- قاله ابن الأثير. قال الجوهري: يقال: مرجية أيضًا بتشديد الياء (سباب المسلم فُسُوق وقتالُهُ كفر) استدلَّ به على بطلان قول المرجئة وهو ظاهر. والسِّباب -بكسر السِّين- مصدر سَبَّ. يقال: سبَّه سبًّا وسبابًا قاله ابن الأثير. من السُّبة -بضم السِّين- وهو العار.
فإن قلتَ: المؤمن لا يكفر بالقتال. قلتُ: محمول على الاستحلال، واستحلال المجمع على حرمته كفر، أو كفران نعمة أُخوة الإسلام، أو المراد منه التغليظ تنفيرًا عن فعله
49 -
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ:«إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ» . [الحديث 49 - طرفاه في: 2033 - 6049]
ــ
كما فعله في نظيره في مواضع. فلا دليل فيه للخوارج على أن صاحب الكبيرة كافر.
49 -
(قتيبة بن سعيد) بضم القاف على وزن المصغر، وكذا (حُمَيد) وهو ابن تير بفتح المثناة فوق وسكون التحتانية وسكون الراء وقيل تيرويه وقيل: داود. وكلها ألفاظ عجمية. ويُلَقب بحُميد الطَّويل. قيل: كان قصير القامة، والطُول كان في يديه، وعن الأصمعي: إنَّما قيل له: الطَّويل؛ لأنَّه كان في جيرانه حميد القصير، فأرادوا التمييز بذلك، ولم يكن فيه طول (تلاحى فلان وفلان) التلاحي هو التنازع من لحيت الرجل إذا عَذَلْتَهُ ولُمتَهُ. قيل: المتلاحيان اللذان كنّى عنهما بفلان وفلان هما كعب بن مالك، وابن أبي حدرد فإن كعبًا تقاضاه دينًا له عليه كما سيأتي صريحًا (فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم) الضمير في رفعت لليلة القدر والمراد: رفع العلم بوقتها المعين، لا رفع الليلة، وإلَّا لم يأمر بطلبها.
فإن قلتَ: مساق الكلام اقتضى كون التلاحي مذمومًا، وآخرُ الكلام يدل على كونه محمودًا فإنَّه قال: عسى أن يكون رفع العلم بها خيرًا؟ قلتُ: جهة الخيرية مختلفة ولو كانت معلومة لنالها كل أحد. وأمَّا إذا جُهلت فالخيرية في كثرة الاجتهاد في طلبها ولا يقدر على ذلك الأفراد من النَّاس.
فإن قلت: ما وجهُ إيراد هذا في هذا الباب؟ قلتُ: أجاب شيخ الإسلام بأن ذلك التلاحي كان بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الصوت بحضرته محبط للعمل بنص القرآن، واستحسنه بأنه وجهٌ حَسَن قَل من تَنَبَّهَ له، وهذا كلام حسنٌ، إلَّا أن ذلك مُقَيَّدٌ برفع الصوت فوق صوته. وقوله في الحديث:"فتلاحى فلان وفلان فرفعت" يدل على أن منشأ ذلك نفسُ التلاحي من غير إشارة إلى شيء آخر. فالصوابُ في الجواب أنَّه أورده دليلًا على الشق الثَّاني من الترجمة وهو الحَذَرُ من العصيان؛ لأنَّ الرجلين لم يقصدا بالتلاحي المعصية، فعلى المؤمن الحذر في الأفعال التي ظاهرُها الإبانة أن لا تؤديه إلى المعصية.