الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. [الحديث 73 - أطرافه في: 1409 - 7141 - 7316].
17 - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صلى الله عليه وسلم فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا).
ــ
(رجلٌ آتاه اللهُ مالًا فسَلَّطه على هلكته في الحق) يجوزُ في رجل: الرفعُ على أنه خبر مبتدأ محذوف والجرُ على البدل. وإن روي اثنتين: بتاء التأنيث يقدر مضاف أي: خصلة رجل. والهلكةُ هو الهلاكُ. قاله الجوهري وقيده بالحق إخراجًا لما يُنفَقُ رياءً، أو في المعاصي، وعَبّر بالتسليط إشارةً إلى أنه بتوفيق الله تعالى، لأنه خلافُ هوى النفس، وعرّف الحكمة إشارةً إلى علم الشريعة، ونكّر المال لتنوعه وصدقه على كل صنف. وقوله:(فهو يقضي بها ويُعلمها) إشارةٌ إلى ثمرة العلم التي هي بمنزلة إنفاق المال. وفي رواية الترمذي: "استوى العامل في المال والمتمنى له في الأجر".
باب ما يذكر من ذهاب موسى صلى الله عليه وسلم في البحر إلى الخضر
(وقوله تعالى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]).
الخضر -بفتح الخاء وكسر الضاد، وبكسر الخاء وسكون الضاد- قال الجوهري: هذا أفصَحُ، هذا لقبٌ له؛ وذلك أنه جَلَسَ على فَرْوَةٍ بيضاء، فإذا هي تهتز خلفه خضراء، ذكره البخاري في كتاب الأنبياء (2) مرفوعًا. والفروةُ وجهُ الأرض، وقال ابن الأثير: الأرضُ اليابسة، واسمه: بليا بالموحدة ثم المثناةِ تحت، مقصور، ويكنى أبا العباس، واختُلف في نبوته، والظاهرُ: نبوتُه. لقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] والحمل على أنه أمره نبي في ذلك الزمان كالمحال، وذلك أن هذه الأمور صدرتْ منه. وموسى معه حاضرٌ، وأيضًا قوله لموسى: أنا على علمٍ علمني الله صريحٌ في ذلك، وأبعدُ مِنْ هذا مَنْ قال: إنه مَلَكٌ،
74 -
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ
ــ
بل خطأ محضٌ. لقوله تعالى: {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف: 77] بعد قوله: {اسْتَطْعَمَا} والاستدلالُ على نبوته بتعلم موسى منه غير ناهض وذلك أن موسى لم يتعلم منه من أمور الشرعِ شيئًا؛ فإن موسى نبي مرسلٌ من أولي العزم. معه التوراة التي فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه في الدين، وإنما اتباعُهُ له كان ابتلاءً من الله حيثُ بَدَتْ منه تلك العبارة التي كان الأليق بحاله خلافَها، وهو رَدُّ العلم إلى اللهِ تعالى. قال في "الكشاف" كان في زمن أفريدون وكان على مقدمه إسكندر ذي القرنين الأكبر. قلتُ: قوله الأكبر يدل على تعدُّد ذي القرنين، وليس بصواب، فإن إسكندر الرومي الثاني هو تلميذ أرستطاطاليس لا يسمى ذا القرنين، بل هو رجل من الفلاسفة لم يُعلَم إيمانُهُ.
قال النووي: الأكثرون على أنه حيٌّ، وعليه اتفاقُ الصوفية وحكاياتهم في رؤيته أكثر من أن تحصى. قلت: وسمعتُ أهل الشام يقولون: إن النووي كان يجتمع به في بستانٍ من البساتين بالليل. ويقال: إن الرجل الذي يقتله الدجال ثم يُحييه هو الخضر والله أعلم بحقيقة الحال.
74 -
(محمد بن غُرَير) -بضم المعجمة على وزن المصغر- الزهري، نزيل سمرقند.
فان قلت: في بعض النسخ: قال أبو عبد الله: وحدثنا محمد بن غرير بالواو ما وجهه؟
هذا الحديث رواه من طرق كثيرة، كأنه قال: حدثنا فلان وفلان ومحمد بن غرير.
(صالح يعني: ابن كَيْسان) بفتح الكاف بعده مثناة.
فإن قلت: هلا قال: صالح بن كيسان على ما هي عادته. وأيّ فائدة في زيادة يعني؟ قلتُ: الوصفُ بابن كيسان لم يكن سمعه من شيخه، فلذلك زاد لفظ يعني. وهذا غايةٌ في الورع والاجتناب عن الكذب، فتارةً يقول: يعني. وتارة يقول: هو ابن فلان.
(عُبيد الله بن عبد الله) الأول مصغر والثاني مُكَبّر: هو ابن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس أنه تَمَارى هو والحُرُّ بن قيسِ بن حِصْنٍ الفَزَاري اليماني) تفاعل من المراء وهو
عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:" بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ عز وجل إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ
ــ
الجدال. والحرُّ ضد العبد، من الوافدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفزارة -بفتح الفاء- حي من غطفان. (أُبَي بن كعب) -بضم الهمزة وتشديد الياء- الأنصاري الخزرجي، سيد القراء. وكان عُمر يقول له: سيد المسلمين، من فقهاء الصحابة، سيأتي في الكتاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أَمَرَني الله أن أقرأ عليكَ القرآن، قال: سَمَّاني اللهُ باسمي؟ قال: نعم. فبكى أُبَىّ".
فإن قلتَ: فعلى هذا يكون أُبَيٌّ أقرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلتُ: ليس بلازم، وإنما خصه بالذكر بين أقرانه، لأنه كان أكثرَ قابليةً، أراد تكميله ليُعلّم الناسَ على وفق ما سمع. ألا ترى إلى قوله:"أقرؤكم أُبَيٌّ"(2) ولم يقل: أقرؤنا.
(سأل موسى السبيلَ إلى لُقيّه) بضم اللام مصدر كاللقاء (يذكر شأنه) أي: قصته (بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل) أي: في أشراف قومه. وقد جاء أنه وَعَظَ موعظةً بليغةً رقّت لها القلوبُ، وذَرَفت بها العيونُ (فقال له واحدٌ من القوم: هل تعلمُ أحدًا أعلمَ منك؟ فقال: لا) وكان في ذلك القول صادقًا، إلا أنه كان الأولى بحاله أن يقول: الله أعلم.
والأنبياءُ والرسل يُعاتبون على أمثال ذلك (فأوحى الله إليه بلى، عبدُنا خَصرٌ) ويروى: "بل عبدنا". كذا في رواية الحُميدي. والوجه فيه أنه عطف تلقيني كأنه قال: قل: عبدنا خضر، وكان الظاهرُ عبدَ الله، إلا أنه أمره أن يحكي كلام الله.
فإن قلتَ: وضع في الترجمة الخضر باللام، وهذا بحذفه؟ قلتُ: الأعلام المشتقة
فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ:(أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ:(ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عز وجل فِي كِتَابِهِ". [الحديث 74 - أطرافه في: 78 - 122 - 2267 - 3278 - 3400 - 3401 - 4725 - 4726 - 4727 - 6672 - 7478].
ــ
يجوز فيه اللام للمح معنى الوصفية، صَرَّح به النحاةُ في مثل العباس والحسن فلا ضرورة إلى أن يقال: مؤول بواحدٍ من الأمة المسماة بذلك الاسم.
(فجعل الله الحوتَ آية) علامةَ وجدانه لقوله: (إذا فقدتَ الحوتَ فارجع، فإنك ستلقاه، فكان يتّبع أثر الحوت) الضمير في كان لفتاه: يوشع بن نون، وذلك أن موسى قال له: إذا فقدت الحوت أخبرني، ففي الكلام اختصار سيأتي مطولًا عن قريب ({قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف: 64]) قرأه بدون الياء عاصمٌ وابن عامر وحمزة {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]) أي: يقصان من آثارهما. من: قصصت الشيء إذا تتبعته. انتصابه على المصدر. ومنه: القصة لأن الحاكي يتبع المسموع.
ومن فوائد الحديث أن العالم ينبغي أن لا يغترّ بعلمه {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] وإذا سمع ممن هو أعلمُ منه شيئًا يأخذ منه ولا يستنكف، وإن احتاج إلى الرحلة ارتحل، وأن المفضول له أن يخدم الفاضل، ومثله لا يعد من أخذ الأجر على العلم. وأَنَّ حمْلَ الزاد في السفر من آداب المرسلين، ولا يقدح ذلك في التوكل كما يزعمه جَهَلَةُ الصوفية، يكونون كَلا على المسلمين، وأن الأفعال وإن كانت بخلق الله، يجوز إسنادها إلى الأسباب كما في قوله:{وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63].
فإن قلت: ترجم على ذهاب موسى إلى الخضر في البحر، وليس له ذكر في الحديث؟ قلتُ: أشار إلى وروده في الحديث ولم يكن على شرطه. قال شيخ الإسلام: وقد جاء عن أبي العالية أنه وجده في جزيرةٍ من جزائر البحر. قلتُ: أخرج منه ما رواه ابن الأثير: وجده على كبد البحر. قال الجوهري: كبد الشيء وسطه.