الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
9 - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
66 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟
ــ
باب: مَنْ قَعَدَ حيثُ ينتهي به المجلسُ، ومن رأى فُرْجَةً في الحَلْقة فجَلَسَ بها الفرجةُ -بضم الفاء وفتحها- لغتان كالفُرفة، والفرجة: المكان الخالي. والحَلْقة -بفتح الحاء وسكون اللام- جمع على حِلَق -بكسر الحاء وفتح اللام- وهم الجماعة المستديرون. وقال الجوهري: جمعه حلق -بفتح الحاء- على غير قياس. وحُكي عن أبي عمرو: فتحُ الحاء في مفرده. وقال الشيباني: ليس في كلام العرب حلق بفتح الحاء إلا جمع حالق.
66 -
(أنّ أبا مُرّة) بضم الميم وتشديد الراء (مولى عَقِيل بن أبي طالب) بفتح العين وكسر القاف كذا أطلقه النووي. وقال شيخ الإسلام: ويقال: مولى أخته أمّ هانئ، وإنما أضيف إلى عَقيل للزومه إياه (عن أبي واقدٍ) -بالقاف هو الليثي صحابيٌّ مكرَّم. واسمُهُ الحارث بن مالك. وقيل: اسمُهُ عوف (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالسٌ) أي: في زمان قد ذكرنا أنه ظرف زمان فيه معنى المفاجأة، وألفه للإشباع وما زائدة (أقببل ثلاثةُ نفَرٍ) -بفتح النون والفاء-: اسم جمعٍ يقعُ على الرجال خاصةً ما بين الثلاثة إلى العشرة. الإضافة فيه بيانية كما في ثلاثة رجال، وإنما وقع تمييزًا لثلاثة، لأنه في معنى الجمع كقوله تعالى:{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل: 48](قال: أَلَا أخبركم بالنفر الثلاثة) همزة الاستفهام دخلت على النفي أفادت الإثبات. ومعني هذا الكلام العرض كما في قولك: ألا تنزل بنا فتصب خيرًا، ومحصّله: تحقيق الإخبار منه، وحمله على تنبيه المخاطبين أو على الاستفهام
أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». [الحديث 66 - طرفه في: 474]
ــ
ليوطئ الكلام كأنه قال: ألا أخبركم؟ قالوا: أخبرنا [....](أما أحدهم فآوى إلى الله) مقصور أي: رجع والتجأ إلى الله، لازم. وقد جاء متعديًا كقوله في الحديث:"لا قَطْعَ في ثَمَرٍ حتى تؤويه الجرين" وفي الحديث أيضًا: "لا يأوي الضالة إلاّ ضال". قال الأزهري: لغةٌ فصيحة. قلتُ: كفاها فصاحةً تكلّمَ سيدُ الفصحاء بها (فآواه الله) قال القاضي: الأشهر فيه المدّ، وفي الأول القصرُ، وإن كان في كل منهما الوجهان، لكن ابن الأثير لم يقل: الوجهان إلا في الأول، وهو ظاهرُ كلام الجوهري؛ لأنه قال: آوى فلانٌ إلى منزله، وآويته بالمد، وأويته بالقصر (وأما الآخر فاستحيا فاستحيا اللهُ منه) قد تقدم في كتاب الإيمان أن الحياء غريزة في الإنسان تمنعه من ارتكاب ما يلام به وهو من الأعراض النفسانية التي يستحيل اتصافُ الباري تعالى به، فالمراد لازمه وهو ترك العقاب والإكرام والعلاقة اللزوم الذي أشرنا إليه، وإنما ذكره بلفظه مشاكلة.
ومنهم من قال: فإن قلتَ: ما العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازى؟ قلتُ: اللزوم. ثم قال: فإن قلت: هذا من أيّ أنواع المجاز؟ قلتُ: من باب المشاكلة فالقول ما أشرنا إليه من أنّ العلاقة هو اللزوم، والتعبيرُ بلفظ الاستحياء للمشاكلة لوقوعه في مجاورة استحياء الرجل. ألا ترى أن قوله تعالى:{لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26] ليس فيه مشاكلة مع بقاء المعنى المجازي المستند إلى اللزوم، ونظيره قوله تعالى:{يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] بعد قوله تعالى حكايةً عن قول المنافقين: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14].
(وأما الآخر) بفتح الهمزة والخاء أفعل التفضيل في الأصل، ولكن اتسع فيه فأطلق على كل واحد من الشيئين أو الأشياء، ولذلك أطلقه على الثاني أيضًا (فأعرَضَ فأعرَضَ اللهُ عنه) معنى أعرض الله: عدم اللطف به، وكونه في معرض سخطه، لأنه ترك ذلك المجلس الذي حقه أن يسعى إليه مشيًا على القدم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن فوائد الحديث أن الإنسان إذا حَضَر مجلسَ علمٍ أو غيره إن وَجَد فُرْجَةً جلس فيها، وإلا لا يتخطّى الناس، بل يجلسُ خَلْفهم، وإذا وجد مجلس ذكر أو علم لا يولي ذاهبًا إلا لضرورة أكيدة.
فإن قلت: ربما كانت لمن ولى ضرورة؟ قلت: لو لم يعلم أنه إنما ذَهَبَ معرضًا لم يقل له ما قاله، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.
باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رُبّ مُبَلَّغ أوعى مِن سَامِعٍ"
رُبَّ أصله التقليل ثم كثُر استعمالُهُ في التكثير، كما في الحديث هنا، وما دَخَله يكون موصوفًا غالبًا، وهو حرف جر عند البصريين، ويتعلقُ بجوابه الماضي، وقد يحذف كما في الحديث هنا. أي: رُبَّ مبلَغ حاصل أو موجود. واسم عند الكوفيين مضاف يكون أبدًا مبتدأ، ما بعده خبره. و"مُبَلَّغ" -بفتح اللام- يقال: بلغ كذا متعديًا إلى مفعول واحد. قال الله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [يوسف: 22] وإذا نقل إلى المزيد تعدى إلى مفعولين. قال النابغة يخاطب النعمان بن المنذر:
لئن كنت قد بُلِّغتَ عني خيانة
وليس من قبيل الحذف والإيصال كما توهم.
قال بعضُهم: تقديره: رُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع مني. لا بد من هذا القيد، لأنه المقصود. وليس بشيء لأن مراده من هذا الكلام: الحث على التبليغ إلى آخر الدهر، ولهذا نكّر كلَّ واحدٍ من الاسمين، يدلّ على ما ذكرنا رواية الإمام أحمد وابن ماجه والطبراني:"رُب حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه" فإن قلتَ: فقد جاء في رواية أبي داود والترمذي: "نَضَّر اللهُ أمرأَ سمع منّي شيئًا فبلّغه كما سمعه"؟ قلت: لا دلالة في هذا فإنه أردفَهُ بقوله: (رب