الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
43 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ
ــ
فإن قلتَ: إلَّا أُجِرْتَ: كيف وقع مستثنى، وشرطُ الاستثناء أن يكون المستثنى اسمًا، لأنَّه من خَوَاصّ الاسم؟ قلتُ: مؤولٌ كأنه قيل: إلَّا وأنت ذو أجر.
فإن قلتَ: ما المراد بوجه الله؟ قلتُ: ذاته تعالى، لأنَّ الوجه أشرفُ الأعضاء يُعبّر به عن الذّات من غير تخيّل جارحةٍ، تعالى عن ذلك. ومحصّله أن يكون مخلصًا في ذلك.
فإن قلتَ: ما موقع (حتَّى)؟ قلتُ: يجوزُ أن تكون عطفًا على أُجِرْتَ وأن تكون ابتدائية. قال المحقق التفتازاني: ومعنى الغاية لازم لها على كل وجه استعملت.
فائدة: قال بعضُ العارفين: شأن العاقل أن تكون أفعاله المباحة كلها طاعة، وذلك بأن ينوي بالأكل أن يكون سببًا للقوة على الطاعة، وبالنوم: النشاط على قيام الليل، وقِسْ على هذا.
باب قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "الدينُ النصيحةُ: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"
قال ابن الأثير: النصيحةُ كلمة يُعبّر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبّر عن معناها بكلمةٍ أخرى كالفلاح الدال على خير الدارين. يقال: نصحتُه ونصحتُ له. وأصل النُّصْحِ: الخُلُوص. ومعنى النصيحة لله اعتقاد وحدانيته واتصافه بصفات الكمال، وتقدسه عن كل نقص، ولكتاب الله: الإيمانُ به والتعبدُ بأحكامه. ولرسوله: تصديقُهُ في رسالته، والانقياد لأوامره. وللأئمة: الإطاعة لهم فيما لا يكون معصية. ولعامة المسلمين: إرشادهم إلى ما فيه صلاحٌ لهم، وأن تحب لهم ما تحبّ لنفسك، وكفّ الشرّ عنهم. فالحصرُ فيه حقيقي إذ لا يخرج شيءٌ من أمور الدين عن النصيحة المذكورة. وأعلم أن هذه الترجمة حديثٌ رواه مسلم عن تميم الداري مسندًا، ولم يكن رجاله من شرط البُخاريّ، فلم يَرْوِهِ مسندًا. قال النووي: وليس لتميمٍ حديثٌ في مسلم والبخاريِّ إلَّا هذا.
فإن قلت: هذا من فروض الأعيان أو الكفاية؟ قلتُ: فرض عين على كل أحدٍ، ولذلك أخذ على جرير في المتابعة. والنصحِ لكل مسلم ومَنْ قال: الأمور المذكورة فرض كفاية،
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91].
57 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:«بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» . [الحديث 57 - أطرافه في: 524 - 1401 - 2157 - 2705 - 2714 - 7204].
58 -
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ:
ــ
فقد زَلَّتْ به القَدَمُ (وقوله عز وجل {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91]) استدل بالآية على حكم الترجمة.
57 -
(عن أبي حازم) بالحاء المهملة (عن جرير بن عبد الله: بايعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، والنصحِ لكل مسلم) اكتفى من أركان الإسلام بالصلاة والزكاة؛ لأنهما أصل سائر الأحكام، وقد قدّمنا أنهما أُمَّا العبادات. واكتفى بالنصح لكل مسلم عن النصح لله ورسوله وكتابه، لأنَّ مَنْ قام به قائمٌ بهما، أو المبايعة على إقامة الصَّلاة وإيتاء الزكاة دالة عليه لدلالته على امتثال أوامرهما.
58 -
(أبو النُّعمان) -بضم النون- محمد بن الفضل المعروف بعارم (أبو عَوَانة) -بفتح العين- الوضاح اليشكري (زياد بن عِلَاقة) بكسر الزَّاي والعين (سمعتُ جريرًا) أي: قوله فسره قوله: (فحَمِدَ الله)(يوم مات المغيرة بن شعبة) -بضم الميم- هو ابن عامر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان واليًا على كوفة لعمر بن الخطاب، ثم مات في إمارة معاوية، من دُهَاة العرب وهو من ثقيفٍ، وكان أعورَ (عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقارِ والسَّكينة، حتَّى يأتيَكم أميرٌ) ليس لقوله: "حتَّى" مفهوم، بل خاف أن يقع شرّ قبل وصول الأمير.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.
ــ
والوقار: الثبات في الأمور. وأصله الوِقْر وهو الثقل. والسكينة: التأني من السكون. (استَعْفوا لأميركم) أي: اطلبوا له العفوَ من الله، فإنَّه كان يحب العفو عن المجرم، عسى الله أن يعامله بما كان يعامل به النَّاس (ورَبِّ هذا المسجد إنِّي لناصحٌ لكم) وكأنه بدا لَهُ من بعض الحاضرين نوعُ إنكارِ، ولهذا بالَغَ في التأكيد، أو أراد ترويج كلامه. قال الذهبي: جرير بن عبد الله كان سيدًا مطاعًا في قومه، وكان بديعَ الجمال، أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبَسَطَ له رداءه. أسلَمَ قبل انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار البقاء بأربعين يومًا، وقيل: ستة أشهر. هذا آخر كتاب الإيمان ونسأل الله تعالى أن يجعل آخر أيامنا به إنه على ذلك قدير.