الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
20 - باب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ
وَقَالَ بَهْزٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» .
ــ
الدلالة على الترجمة، وتقديم الأيمن في الغسل كما في الوضوء لشرفه. والعموم في لفظ إحدانا: يدل على آية واحدةٍ كانت.
فإن قلتَ: ليس في الحديث ما يدل على تقديم الأيمن؟ قلتُ: قيل: يُستفاد تقديم الأيمن من لفظٍ أخرى. وليس كذلك، لأن: أخرى صفة اليد، فهي في المقابلة الأولى، ولا تدل على تأخرها في الغسل، بل إنما علم التقديم من السياق وهذا كما إذا قلت: أخذت بإحدى يدي القلم وبالأخرى الورق، فلا يدل على تأخر أخذ الورق، وإنما دل على التقديم بعد غسل الرأس لفظ ثم.
فإن قلت: إنما ترجم على البداءة بشق رأسه الأيمن وليس في الحديث؟ قلتُ: الشق يتناول الفرق إلى القدم.
فإن قلت: مثل هذا هل يسمى مرفوعًا؟ قلتُ: الجمهور من أهل الحديث والأصول على أن الصحابي إذا قال: كنا نؤمر، أو ننهى، محمول على الرفع؛ لظهور أن الناهي والآمر والمقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا غير.
باب: من اغتسَلَ عُرْيانًا وحده في الخلْوة
العريان: مصدر كالغفران. وقوله: وحده مصدر في موقع الحال، وقوله: في الخلوة: حالٌ أخرى مقيدة للأولى؛ لأن الاغتسال وحده يجوزُ أن يكون بين الناس، فلا تلازم بينهما، كما ظُنَّ، ألا ترى أن الفقهاء قالوا: الخلوة توجب كمال المهر ويقال: خلا زيدٌ بعمرو. وقال الله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14].
(وقال بَهْز عن أبيه عن جده) بهز -بفتح الباء وسكون الهاء آخره زاي معجمة- وأبوه حكيم بن معاوية القشيري البصري. وليس بهز وأبوه حكيم على شرط البخاري، ولذلك لم يرو عنهما إلا تعليقًا (عن النبي صلى الله عليه وسلم: الله أحقُّ أن يُسْتَحيا منه من الناس) من في منه تتعلق بـ يُستحيا وهو على بناء المجهول. ومن الناس: يتعلق بأحقّ. وفي بعضها: الناس، بدون من مرفوعًا. ويَسْتحيا على بناء الفاعل، فيُقدر أحق مِنْ أي: من كل أحدٍ. وفي بعضها: أحقّ أن يُستتر منه.
278 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَاّ أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِى يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا» . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ. طرفاه 3404، 4799
ــ
278 -
(إسحاق بن نَصر) بفتح النون وصاد مهملة (مَعْمَر) بفتح الميمين وعين ساكنة (همَّام) بفتح الهاء وتشديد الميم (مُنَبّه) بضم الميم وكسر الباء المشددة (كانت بنو إسرائيل) أنَّث الفعل باعتبار القبيلة (يغتسلون عُرَاةً ينظر بعضُهم الى بعض) قيده بذلك لأن الغسل عريانًا لا يستلزم النظر. والظاهر أن هذا كان مباحًا، وإلا لم يكن لإنكارهم على موسى وجه (ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر) -بالدال المهملة- من الأدرة وهو: انتفاخ الخصية، وتسمى: قيلة أيضًا (ففر الحجر بثوبه، فَجَمَحَ موسى في إثره) ويروى: فخرج، والجموح: الإسراع في الذهاب (يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر) إنما ناداه لأنه صَدَرَ منه فعل من يعقل، ولذلك ضربه بالعصا (وطفق بالحجر ضربًا) أي: شرع بضرب الحجر. الباء للإلصاق، كأنه ضمَّن يضرب المقدر معنى الإلصاق. وانتصاب ضربًا على المصدر.
(والله إن بالحجر ندبًا ستة أو سبعة) نصب على البدل من ندبًا، والندب: الأثر الحاصل من الجرح إذا لم يرتفع عنه الجلد شبه به ضرب الحجر لأنه لعدم سقوط شيء منه بالضرب. وفي بعضها: "إنه ليندب بالحجر ستة أو سبعة" بالرفع على البدلية أيضًا ضربًا بالحجر تمييز العدد المذكور في كلام أبي هريرة.
قال ابن بطال: في الحديث دليل على جواز التعري في الخلوة، لأنا مأمورون بالاقتداء بالأنبياء.
قلت: الاقتداء بالأنبياء إنما هو في العقائد دون الفروع، والتعري في الخلوة إنما يجوزُ بقدر الضرورة لا مطلقًا.
279 -
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِى فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِى عَنْ بَرَكَتِكَ» . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ
ــ
وروي عن أنس مرفوعًا أن موسى إنما كان يلقي عنه الثوب إذا توارى في الماء قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: إذا دخل الحمام من غير مئزرٍ تسقط شهادته. واختلفوا فيما إذا نزع مئزره ودخل الحوض وبَدَتْ عورتُه عند دخول الحوض. ففال مالك والشافعي: تسقط شهادته، وقال أبو حنيفة: لا تسقط.
279 -
(وعن أبي هريرة: بينا أيوب يغتسل عريانًا) يجوزُ أن يكون تعليقًا من البخاري، وأن يكون عطفًا على ما قبله، داخلًا تحت السند من مقول همام، وهذا هو الظاهر فإنه روى الحديث في كتاب الأنبياء عن همام عن أبي هريرة مسندًا. وقال شيخ الإسلام: القول بالتعليق خطأ. وقد ذكرنا أن بين ظرف زمان، والألف فيه للإشباع والعامل فيه قوله:(فخر عليه جراد فجعل أيوب يحثي في ثوبه) أي: شرع يجمعه في ثوبه، يقال: حثا يحثي، وحثا يحثو إذا جمعه بيديه (فناداه ربه يا أيوب: ألم أكن أغنيتُك عن هذا؟ قال: بلى وعزتك) أي: بَلَى كنتَ أغنيتني.
والفرقُ بين بلى ونعم أن: بَلَى إيجابٌ بعد النفي، ونعم تقرير لما سَبَقَ. هذا وضعُهُ لغة، والفقهاء لا يفرقون بينه وبين بلى، وإنما أكد الكلام لأنه بدا منه مافيه شائبة إنكار وهو الإسراع في الجمع.
وفقه الحديث: جواز السعي في تحصيل المال الحلال، وأنه لا ينافي التوكل، وأن ما جاء من المال من غير إشراف لا يرد ويتوسل به إلى تحصيل ثواب الآخرة.
وأيوب هذا من الأنبياء بلا خلاف، وابتلاؤه معروف بين الناس، وقد أثنى الله عليه بقوله:{نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص: 30] وسيأتي حديثه بأطول من هذا.
(ورواه إبراهيم) هو ابن طَهْمَان. هذا تعليقٌ؛ لأن البخاري لم يدركه، مات سنة مئة وستين، أيد الطريق الأول بهذا التعليق.