الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
27 - بَابٌ: الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ
36 -
حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «انْتَدَبَ
ــ
رمضان، فإنه محقَّقُ الوقوع. يَرُدُّهُ ما قد رواه البخاري ومسلم بلفظ الماضي في كتاب الصوم:"من قام رمضان" وما رواه البخاري هنا في باب من تطوّع قيام رمضان: "من قام"؛ فإن فيامه تطوّع. ليس محقق الوقوع.
فإن فلتَ: ما المراد بالإيمان والاحتساب؟ قلت: الإيمان هو التصديقُ بحقّيتها ووجود الفضيلة المذكورة، والاحتساب: الإخلاص في ذلك من غير شَوْب الرياء. من حسَبه -بفتح السين- يحسُب -بضمها-: إذا عَدّه كأنه يعتدّ به، وسيلة إلى الثواب.
فإن قلتَ: لِمَ لم يدخل الفاء في الخبر كما دَخَل في قوله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]؟ قلتُ: الفاء تشعر بالسببية، فأشار بعدم دخولها إلى أن المغفرة ليست مبنيةً عن القيام؛ لأن العبد لا يستحق على مولاه أجرًا، بل محض فضل من الله تعالى، فلا يكون القائم معجبًا بعمله.
فإن قلتَ: ما الحق في ليلة القدر؟ قلتُ: الاختلافُ فيها طويلُ الذيل إلا أن أكثرَ الأحاديث أنها في أوتار العشر الأخير. وميل الشافعي إلى أنها ليلة إحدى وعشرين. والجمهور على أنها ليلةُ سبعٍ وعشرين وستأتي الأحاديث في ذلك.
باب الجهاد من الإيمان
36 -
(حَرمي) -بفتح الحاء، وياء النسبة- هو ابن حفص بن عمر المعتكي البصري. من أفراد البخاري، لم يَرْوِ عنه مسلم (عُمَارة) بضم العين وتخفيف الميم (أبو زُرْعة) -بزاي معجمة بعدها راءٌ مهملة- اسمه: هرم. وقيل: عمرو. وقيل: عبد الله. وقيل: عبد الرحمن هو ابن عَمْرو (ابن جرير) بن عبد الله البجلي الصحابي المعروف.
(انتدَبَ الله) -بدال مهملة- أي: أجاب إلى غفرانه، يقال: ندبته فانتدب أي: دعوته
اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ،
ــ
فأجاب. ومنه: الندب أي: السنة لأنه مدعو إليه. وحكي عن القاضي: ايتدب بالياء المثناة تحت من المأدبة، قلبت الهمزة ياءً كما في نظائره.
(لمن خَرَج في سبيله لا يُخرجه إلا الإيمانُ أو تصديق برسلي). قال ابن مالك في توضيحه: كان الأليقُ إيمان به بالغيبية، وهذا ذهول منه عن نكتة الالتفات، فإن ضمير المتكلم أعرفُ المعارف. وأيضًا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكٍ عن الله، فكيف يتصوَّر أن يقال: الأليق غير ما أتى به و"أو" في قوله: أو تصديق برسلي. بمعنى الواو، ويؤيده ما رُوي بالواو. ويجوزُ إبقاء "أو" على معناه، على أن المعنى لا يخرجه إلا الإيمان بما قلتُ في الكتاب من عِظم أجر المجاهد، أو تصديق بما قاله الرسل من بيان أجره.
قال شيخُ الإسلام: رواية (أو) لم تثبت، فعلى هذا لا إشكال، لكن الذي وَقَعنا عليه من النسخ لفظ (أو)، وفي رواية مسلم:"لا يخرجه إلا الإيمان بكلمته". قال النووي: أراد كلمة الشهادة. قلتُ: ويجوزُ أن يُراد بالكلمة: كلامُه تعالى في أجر المجاهد، أو تصديقٌ بما قاله الرسل من بيان أجره، فيوافق الرواية الأولى. وفي رواية مسلم:"إيمانًا وتصديقًا" بالنصب. قال النووي: مفعول تقديره على الغلبة.
(أن أرجعه) -بفتح الهمزة- هي اللغة الفصحى من الرَّجع، وحكى ثعلب ضَمَّ الهمزة. قال الجوهري: هي لغة هُذَيل (أجر أو غنيمة) على سبيل مع الخلو أي: لا تخلو حاله عن الأمرين. ويجوزُ الجمع. وفي رواية يحيى بن يحيى في مسلم، وفي رواية أبي داود بالواو. فيحمل على أن الواو الواصلة بمعنى "أو" الفاصلة، لأن الجمع قد لا يقع فالوجهُ منع الخلو كما ذكرنا؛ لأنّ الإبقاء على ظاهرها يفسد المعنى (أو أدخله الجنة) أي: إذا قتل شهيدًا فهو قسيم الأولين، وما يقال: إن في الشهادة أيضًا أجرًا، كيف يكون قسيمًا ليس له وجهٌ، لأن ذلك الأجر مقيّد بالرجوع حيًّا؟ قال البيضاوي: المراد بإدخاله حين موته، لأن الشهداء
وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ» [الحديث 36 - أطرافه في: 2787، 2797، 2972، 3123، 7226، 7227، 7457، 7463].
ــ
أحياء عند ربهم يُرْزَقون. أو الدخول مع السابقين وذلك لأن دخول الجنة حاصلٌ لكل مؤمن. وهذا الذي قاله لا ضرورة إليه، لأن دخول الجنة مطلقًا كافٍ في الترغيب. ألا ترى إلى قوله تعالى في حق الشهداء:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]؟ وإلى ما رواه البخاري عن جابرٍ أن رجلًا يوم أُحُد، قال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتِلْتُ فأين أنا؟ قال:"في الجنة". ولم يَزِدْ على ذلك. وأما أن للمجاهدين درجاتٍ فقد نطق به الكتاب والسنة.
(ولولا أن أشُقَّ على أمتي ما قعدتُ خلف سريةٍ) لولا: إذا دخلت على الاسم تدل على امتناع الثاني لوجود الأول. كقول عمر: "لولا علي لهَلَكَ عمر" أي: امتناعُ هلاكه لوجود علي. وهنا معناه: أنه لم يَشُق على أمته، ولذلك قَعَد، فإن لولا تدل على انتفاء الجواب، وانتفاء المنفي يلزمه الوجود.
والسرية: قطعةٌ من الجيش أقصاها أربعُمئةٍ. وجمعُها: سَرَايا. يقال: رجلٌ سريّ. أي: جيد مختار من سَرُوَ الرجلُ. وقيل: من السرّ لأنهم يذهبون نحو العدوّ سرًّا، وليس بوجهٍ؛ إذ لو كان كذلك لقيل: سرّية بتشديد الراء.
فإن قلتَ: ما معنى الخلف؟ قلتُ: الخلف مرادف الوراء أي: لم يقم بعد أي سرية كانت. ويجوزُ أن يكون معناه: لم أزل خلف سرية، فإن الرجل الشجاع يكون في ساقة الجيش. وهذا من كمال رأفته بأمته؛ لأن أكثر ما يطرق العدو ساقة القوم (ولوددت) اللام جواب قسم مقدر، والودادة معناها التمني، فلا يجوز أن يكون داخلًا في حَيّز (لولا) عطفًا على جوابه؛ لأنه يلزم خلاف ما ساق له الكلام، وهو تمني الشهادة والقتل في سبيل الله مرارًا. قال النووي: دلّ الحديث على فضيلة تمني الشهادة، وأن التمني يكون في الشيء الذي لا يحصل. ومن الشارحين مَنْ جَوَّز العطف على جواب (لولا)، فأشكل عليه أن لا مشقة في الودادة فقال: لا تم ذلك ولئن سلم فربما ينجر إلى تسريع مودوده فيصير سببًا للمشقة.