الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
41 - بَابٌ: أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ
53 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ،
ــ
المرء تركه ما لا يعنيه". وقيل: أربعة. هذه، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ونُقل عن الشَّافعي حديث: "ازهَدْ في الدُّنيا يُحبَّك اللهُ، وازهَدْ عما في يد النَّاس يُحبّك النَّاس". وقد نظمت على هذا الوجه:
عمدة الخير عندنا كلمات
…
أربع قالهنّ خير البرية
اتركْ المشبهات وازهَدْ ودع
…
ما ليس يعنيك، واعملن بنيه
ولولا خوفُ الإطالة لأرخينا عنان القلم في مضمار التدقيق. والله الموفق، ولشدة الاهتمام بالمقام كرّر: أَلَا، التي هي للتنبيه في أربعة مواضع.
باب: أداءُ الخمُس مِن الإيمان
53 -
(علي بن الجَعْد) بفتح الجيم وسكون العين (عن أبي جمرة) -بفتح الجيم- هو نصر بن عمران الضُبعي -بضم المعجمة- نسبةَ إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة حيٌّ من بني بكر بن وائل. قال شيخ الإسلام: كذا قالوه والصَّواب أنَّه من بني ضبعة؛ بطن من عبد القيس (قال: كنتُ أقعدُ مع ابن عباس) وإنَّما قال: أقعُدُ مع أن كان ماضٍ حكاية لتلك الحالة (فيجلسني) تفسير لذلك القعود (قال: أقِمْ عندي حتَّى أجعَلَ لك سَهْمًا من مالي) ولهذا الكلام سببٌ سيذكره البُخاريّ وهو أن ابن عباس كان يفتي بالتمتع في الحج، وبعض النَّاس يخالفونه منهم
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ،
ــ
عمر بن الخطاب. فرأى أبو جمرة في المنام أن رجلًا أو ملكًا يقول له: حجٌ مبرور وعُمرة مُتَقَبَّلَةٌ. فقال لابن عباس، فقال: اللهُ أكبر! سنةُ أبي القاسم. وكان يكرمه لذلك.
(قال: إن وفد عبد القيس) الوافد من يرد على الملوك والعظماء لأمرٍ مهم في الدُّنيا أو الدين. والوفد اسم جمع له، كصحب في صاحب. وعبد القيس أبو قبيلة من أسد وهو عبد القيس بن أفصى -بالفاء والصاد المهملة- ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. قال الجوهري: والنسبة إلى عبد قيس: عَبْقَسي، وإن شئت: عَبْدي. وكان وفودُهم سنةَ تسعٍ بعد حجَّ أبي بكر، وكانوا يسكنون بأرض هجر، فقدم منهم منقذ بن حَيَّان إلى المدينة في تجارةٍ له، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمَنَ به. فكتب معه كتابًا إلى قومه يدعوهم إلى الله، فآمنوا به وأرسلوا إليه أربعة عَشَر رجلًا، مقدمهم الأشج العصري وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فيك خصلتان يحبهما الله: الحِلْم والأناة" وقيل: كانوا ثلاثة عشر. وقيل: أربعين. ووجهُ الجمع أن أربعة عشر كانوا الرؤساء والباقي تَبَعٌ. والأَنَاةُ على وزن القناة، اسمٌ من التأني وهو الرفق (مرحبًا بالقوم أو بالوفد) الشَّك من ابن عباس، وانتصاب مرحبًا على المفعولية؛ أي: أتيتُمْ مكانًا ذا سَعَةٍ كناية عن حُسن الحال وطِيب البال (عْيرَ خَزَايا ولا نَدَامى) جمع خِزْيان ونادم من الخِزْي وهو الذل والفضيحة، فإنهم جاؤوا من غير قتالٍ وسبي. ويجوزُ أن يكون دعاء لهم، وكان القياس: نادمين، إلَّا أنَّه جاء كذا على الإتباع، كما في العشايا والغدايا. وفى رواية مسلم:"غير خزايا ولا الندامى" ويروى: بتعريف الاسمين. ولا إشكالَ في انتصاب (غيرَ) على الحال، لأنها لا تتعرف بالإضافة إلَّا إذا كان الضدّ متعينًا نحو عليك بالحركة غير السكون (إنا لا نستطيع أن نأتيك إلَّا في الشهر الحرام) المراد به الجنس ليتناول الأربعة الحُرُم. وروي شهرُ الحُرُم، بإضافة الأول. وشهرٌ حرامٌ بتنوين الأول على أن الثَّاني وصفٌ له، وإنَّما سُمِّي ما بين الهلالين شهرًا لشهرته (وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر)
فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ:«أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:«شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ»
ــ
قال الجوهري: الحيّ أحدُ أحياء العرب. وقال صاحب "المطالع": هو مَنْزِلُ القبيلة. وسُميت به لأنَّ بعضَهم يحيا ببعض. ومُضَر: -بضم الميم والضاد المعجمة- ابن نزار بن معدّ بن عدنان. ويقال له: مضر بن الحمراء؛ لأنَّ نزارًا كان صاحب الذَّهب والخيل وكان له ابنان: ربيعة ومضر، فاختار ربيعة الخيل ومضر الذَّهب. فقيل لربيعة: ربيعة الفرس، ولمضر: مضر الحمراء.
(فَمُرْنا بأمرٍ فصل نُخبرْ به مَنْ وراءَنا ونَدْخُل به الجنَّة) الفصل مصدر إما بمعنى الفاعل. أي: فاصل بين الحق والباطل، وإما بمعنى المفعول أي: مفصول مبين لا اشتباه فيه، ومن وراءهم قومهم الذين هؤلاء وفدوا لأجلهم. ويروى: من ورائنا، بمن الجارة، والمعنى واحد، قال القرطبي: يروى برفع: نخبرُ وندخلُ، وبالجزم على الجواب، وبالواو في ندخل وحذفها. (أمرهم بأربع ونَهَاهم عن أربعٍ، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن نعطوا من المغنم الخُمس) هذه هي الأمور الأربعة. وما بين الإيمان بالله وحده، وبين هذه من قوله:(أتدرون ما الإيمان) تفسيرٌ له جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، فسقط ما تَوهّم من أن قوله أولًا: أمرهم بأربع. ثم قال ثانيًا: أمرهم بالإيمان [بالله] وحده إنَّما صَحَّ باعتبار اشتمال الإيمان على الأجزاء الأربعة. قال النووي: عدّ لهم الأربعة التي وَعَدهم بها. ثم زاد الخامسة، لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر مجاهدين. ومثله قول ابن الصلاح:(وأن تعطوا) ليس من الأربع بل هو معطوف عليها. قلتُ: يُشْكِلُ هذا بما رواه البُخاريّ في كتاب الأدب: "هكذا أربع أربع، أقيموا الصَّلاة إلى آخره، بطرح كلمة الشهادة.
فإن قلت: فكيف يجمع مع قوله: "أمركم بأربع: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلَّا الله وعقد واحدةً" كذا رواه البُخاريّ في كتاب المغازي؟ قلتُ: وجهُ الجمع أنهم كانوا
وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ "، وَرُبَّمَا قَالَ:«المُقَيَّرِ» وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» . [الحديث 53 - أطرافه في: 87 - 523 - 1398 - 3095 - 3510 - 4368 - 4369 - 6176 - 7266 - 7556]
ــ
مؤمنين مُقِرّين بالتوحيد، فحيثُ عدّ كلمة التوحيد أشار إلى أركان الإسلام، وحيث قال: أربع وأربع: أشار إلى ما وقع به التعليم.
قال بعضُهم معترضًا على النووي: هذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ البُخاريّ عَقَدَ الباب على أن أداء الخمس من الإيمان، فلا بد من كونه داخلًا تحت أجزاء الإيمان. وهذا في غاية السقوط، لأنَّ الإيمان الكاملَ بِضْعٌ وسبعون شعبةً. وكون الخمس غير أحد الأمور الأربعة لا يخرجه عن كونه جزءًا، وكذا ما يقال: إن الخمسة تفسير الإيمان، والثلاثة الباقية متروكة إما نسيانًا أو اختصارًا. وقيل: القومُ كانوا مُقِرّين بالتوحيد وكلمة الشهادة، فالأربعة هي المذكورة بعدها ولم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يكن واجبًا. وقد تقدَّم منّا أن ما ذكره في جواب جبريل سؤاله عن الإسلام جعله جوابًا لوفد عبد القيس في تفسير الإيمان دلالة على أن الإيمانَ والإسلامَ شيء واحد ذاتًا، وإن اختلفا مفهومًا.
فإن قلتَ: روى البُخاريّ في آخر باب الأنبياء: "الإيمان بالله وشهادة" بالواو، فما وجهه؟ قلتُ: هو من عطف المفصل على المجمل باعتبار التغاير اعتبارًا.
(ونهاهم عن أربع، عن الحنتم) -بفتح الحاء وسكون النون- الجرة الخضراء واحدها حنتمة. (والدباء) -بضم الدال والمدّ- القَرْعَةُ (والنقير) المنقور من الخشب (والمزفت) وربما قال: المقيّر أي: المطلي بالزفت والقير قيل: الحكمة في هذا: أنهم كانوا يلقون في الماء التمرات ليجذب ملوحة الماء. وهذه الأواني لا تنفذ فيها الريح. فربما صار خمرًا سريعًا، فكانوا قريبي العهد بالإسلام. فلما أشاع الإسلام ورسخوا فيه أباح الأواني المذكورة. ونسخ ذلك الحكم بقوله:"كنتُ نهيتكم عن الأشربة إلَّا في ظروف الأدم والظرف لا يحل شيئًا ولا يحرم. فاشربُوا في كل إناءٍ غيرَ أن لا تشربوا مسكرًا" ذَهَبَ مالك وأحمد إلى بقاء هذا الحكم، وكأنه لم يبلغهما هذا الحديث الذي رواه مسلم.