الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال المُهلَّبُ: يُقدَّم ذو السِّنِّ في كلِّ شيءٍ ما لم يتَرتَّبوا في الجلوسِ، فيُقدَّمُ الأيمنُ.
قال التَّيمِيُّ: وفيه أنَّه لا يكرَه استِعمالُ سِواكِ الغَير، إلا أنَّ المستحَبَّ تقدُّمُ غَسلِه.
ورواية نُعَيم وَصَلها الطَّبَرانيُّ في "الأوسط"، ووقَعت في "الغَيلانيات" مُختَصَرةً، وروى الحديثَ جَماعةٌ عن ابنِ المُبارَكِ بغير اختصارٍ، أخرَجهُ أحمدُ، والإسماعيليُّ، والبيهقيُّ عنهم.
* * *
78 - بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضوءِ
(باب فضل من بات على الوضوء)
247 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ، وَألجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغبةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تتكَلَّمُ بِهِ)، قَالَ: فَرَدَّدتها عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا
بَلَغْتُ: (اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ)، قُلْتُ: وَرَسُولكَ، قَالَ:(لَا، وَنبَيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ).
(ق م ت س).
(سفيان) يحتملُ ابنَ عُيَينَةَ، والثَّورِيَّ، لأنَّ عبدَ الله يروِي عنهُما، وهُما عن مَنصورٍ، ولكنَّ الثَّورِيَّ أثبتُ النَّاسِ في مَنصورٍ، فتُرجَّحُ إرادَتُه.
(عبيدة) بضَمّ العين.
(أتيت)؛ أي: أردتَ أن تأتيَ، مثل:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل: 98].
(مضجعك) بفتح الجيم، وفي بعضها:(مُضطَّجَعَك).
(أسلَمت)؛ أي: جَعلتُ نَفسي مُنقادةً لك طائعةً لحُكمِك، والإسلامُ: الاستسلامُ بمعنًى.
(وجهي)؛ أي: ذاتِي.
(وألجأت ظهري)؛ أي: أسندتُه، والمُرادُ: توكَّلتُ علَيك واعتَمَدتُ كمَا يعتَمِدُ الإنسانُ بظَهرِه إلى ما يُسنِدُه إليه.
(رغبة)؛ أي: طَمَعًا في ثَوابِك.
(ورهبة)؛ أي: خوفًا من عِقابِك.
(إليك) متعلِّقٌ بـ (رَغبَةً)، وإن تعدَّى بِـ (من)، لكنْ أُجرِيَ هنا مُجرى (رَغِبَ) تغليبًا، كما في قوله:
ورَأَيتُ بَعلَكَ في الوَرى
…
مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحًا
والرُّمح لا يُتقَلَّد، ونحو:
علفتُها تبنًا وماءً باردًا
(ملجأ) بالهمز، وربَّما خُفِّفَ".
(منجى) مقصورٌ، كعَمَى، ويجوزُ هنا تنوينُه إن قُدِّر مَنصوبًا؛
لأنَّ هذا التَّركيبَ مثلُ (لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله)، حتى يجري فيه خَمسةُ أوجهٍ.
(منك) إن قُدِّر (ملجأ) و (مَنجى) مَصدَرين فيتنازعان فيه، وإن كانا مَكانيَن فلا.
(إلا إليك)؛ أي: لا مَلجأَ إلى أحدٍ إلا إليك، ولا مَنجَى إلا إليك.
(بكتابك)؛ أي: القرآن، فالمَقام يقتَضيه، وأيضًا فالإيمانُ به يتَضمَّنُ الإيمانَ بجميعِ كتب الله تعالى المُنزلة، ويحتملُ أن يعمَّ الكُلَّ، لإضافته إلى الضَّمير إن قلنا عام، فإنَّ فيه خلافًا على أنَّ المضافَ كالمُحلَّى بأل في احتماله الاستغراقَ والجنسَ والعَهدَ، بل يَجري ذلك في سائرِ المَعارف، كما يُعرَف ذلك من "الكشَّاف" في قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} [طه: 56]، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 6] في أول البقرة.
(على الفطرة)؛ أي: دينِ الإسلام، ورُبَّما أُطلِقَت على الخِلقَةِ نحو:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، وعلى السُّنَّة نحو:"خَمسٌ مِنَ الفِطرَةِ".
(تتكلَّم بِها)، وفي بعضِها:(تكلَّم) بحذفِ إحدى التَّاءَين، وذلك كلامٌ باعتِبار اللُّغة، وإن كانَ الفُقهاءُ لا يعدُّون نحوَ الذِّكر كلامًا كما في باب الأَيمانِ؛ لأنَّها مبنيَّةٌ على العُرفِ.
(فرددتها) بالتَّشديد، أي: ردَّدتُ هذه الكلماتِ لأحفَظَهُنَّ.
(فلما بلغت: آمنت بكتابك الذي أنزلت)، أي: بلغتُ آخرَ هذا حين يعقُبُه: (ونبيِّك)، قلتُ بدَلَها:(ورَسولك)؛ ردَّ عليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقَوله: قُل: (وبنبيِّك) فقد يتعلَّق به مَن مَنَعَ الرِّوايةَ بالمَعنى كابن سيرينَ، وكذا أبو العَبَّاسِ النَّحويُّ، قال: إذ ما من كَلِمتَين متَناظِرَتَين إلا وبينهما فَرقٌ، وإنْ دَقَّ ولَطُفَ، نحو: بَلى ونعَم.
قال (ح): والفَرقُ بين النَّبيِّ والرَّسولِ: أنَّ النبيَّ هو المُنبَّأُ، فعيل بمعنَى مفعول، والرَّسولُ: هو المأمورُ بتبليغِ ما أُنبئ به وأُخبِرَ عنه؛ فكلُّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولًا.
قال (ك): أو (فعيل) بمعنَى (فاعل)، أي: المخبِرُ عن الله تعالى.
ورُدَّ بأنَّ المَعنَى يختلفُ، فإنَّه لا يلزمُ من الرِّسالة النُّبوة، وعكسُه كما قاله (ن)؛ فلا خلافَ في المَنعِ إذا اختَلَفَ المَعنَى، وهنا كذلك.
وأجابَ (ك): بأنَّه إذا قال: (ورسولك) يكونُ تكرارًا مع قوله: (أرسَلتَ)، فلمَّا كانَ نبَيًّا قبلَ أن يُرسَلَ صَرَّح بالنُّبوَّة للجَمعِ له بينها وبينَ الرِّسالة له مع ما فيه من تَعديدِ النِّعَم، وتعظيمِ المِنَّةِ في الحالَين.
وقالَ المُهلَّبُ: إنَّما لم يُبدِّلْ ألفاظَه صلى الله عليه وسلم لأنَها ينابيعُ الحكمَةِ، وجوامعُ الكلم، فلو غُيِّرت سقَطَت فائدةُ النِّهاية في البلاغةِ التي أُعطيَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
وقيلَ في وجهُ الإنكار: إنَّه تخليصٌ من اللَّبسِ؛ إذ الرَّسولُ يدخلُ فيه جبريلُ عليه الصلاة والسلام وغيرُه من الملائكة، لقوله تعالى:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].
والمقصودُ التَّصريحُ برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، كان الإيمان بالكلِّ واجبًا كما في: وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله؛ فهي شهادةُ الإخلاص التي مَنْ مات عليها دخل الجنَّة، واختيارُ المَازَرِي في سبب الإنكار: أنَّه ذِكرٌ ودعاءٌ، فقد يتعلَّق الجزاء بحروفِه بعَينها بوَحيٍ من الله تعالى، فتعيَّنَ أداؤُها بحروفها.
وفي الحديث كما قال (ن): ثلاثُ سُنن:
أحدها: الوُضوء عند النَّوم إذا لم يكن متوضئًا مخافةَ أن يموتَ في ليلتِه، فيكونُ على طهارةٍ، وليكونَ أصدقَ لرؤياهُ، وأبعدَ من تلاعب الشَّيطان به في مَنامه.
ثانيها: النَّوم على الشِّق الأيمن لحُبِّه صلى الله عليه وسلم التَّيامُن، ولأنَّه أسرعُ للانتباه.
قال (ك): وإلى انحدارِ الطَّعام كما في الطب.
ثالثها: خَتمُ عملِه بذكر الله تعالى.
قال (ك): وهذا الذكرُ مشتملٌ على الإيمان بكلِّ ما يجب الإيمانُ
به إجمالًا، من الكتُب والرُّسل، من الإلهيَّات والنُّبوَّات، وعلى إسنادِ الذَّوات إليه، من قوله:(وجَّهت وجهي إليك)، والصِّفات، من قوله:(أمري)، والأفعال، من قوله:(وألجَأتُ ظهري)، مع ما فيه من التَّوكُّل على الله تعالى والرِّضا بقضائه، وهذا بحسَب المَعاش، وعلى الاعترافِ بالثَّواب والعقاب خيرًا وشرًّا، وهذا بحسَب المَعاد.