الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال (ن): نَصَّ أصحابُنا على كراهة النَّوم قبل الوُضوء، فإنه لا يجبُ قَطعًا، وإن أوجَبَه بعضُ المالكيَّة، وداود، ومما يُروى: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان ينامُ وهو جنُبٌ ولا يَمَسُّ ماءً، فقيل: وهمٌ من بعضِ الرُّواة، وإن صحَّ فالمُراد: لا يَمسُّ ماءً للغُسل أو فعلَ ذلك في وقتٍ لبيانِ الجواز.
ثم اختُلف في حِكْمَةِ هذا الوُضوء، فقيلَ: يُخَفِّفُ الحَدَثَ؛ لأنَّه يرفَعُ الحَدَثَ عن أعضاءِ الوضوء، أو ليبيتَ على إحدى الطَّهارتَين خَشية أن يَموتَ في منامه، أو أنَّ الماء إذا نال أعضاءه يُنشِّطُه للغُسل.
وفي الحديث: أنَّ غُسلَ الجنابة ليسَ على الفَور؛ بل إنَّما يتَضَيَّقُ عند القيام للصَّلاة، ولهذا اختُلِف في المُوجب لغُسل الجنابة، هل هو للجنابة؟ أو للقيامِ للصَّلاة؟ أو المَجموع؟
* * *
28 - بابٌ إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ
(باب إذا التقى الختانان): من الخَتْنِ، وهو القَطعُ؛ فالخِتانُ: بالكسر اسمُ المصدر من (خَتَنَ)، والمُرادُ هنا موضعُ القَطع من الذَّكَر يلتقي مع موضِعه من الأُنثَى.
291 -
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ (خ) وَحَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ قتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أبِي رَافعٍ، عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأربَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقد وَجَبَ الغَسْل).
تَابَعَهُ عَمرُو بْنُ مَرزُوقٍ، عَنْ شُعبةَ، مِثْلَهُ، وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ: أَخْبَرَناَ الْحَسَنُ، مِثْلَهُ.
الحديث (م د س ق):
(وحدثنا أبو نعيم) هو تحويلٌ الإسناد، وربَّما كُتِبَ قبلَه (ح) لذلك.
(جلس)؛ أي: الرَّجل.
(شعبها) -بضَمِّ المُعجمة وفتح المهملة- جَمعُ شُعبَة، والمُرادُ بالأربع: اليدان والرّجلان، وقيلَ: الرِّجلان والفَخِذان، وقيل: الرِّجلان والشفران.
وقال (ع): شُعَبُ الفَرج؛ أي: نواحيه الأربع.
(جهدها) -بفتح الهَاء-؛ أي: بَلَغ مشَقَتَها، وجَهدتُه وأجْهَدتُه: حَمَلتُ عليه في السَّير فوقَ طاقَتِه، والإشارةُ به إلى الحركة، وتَمكّنِ صورةِ العمل، وإلا فأيُّ مشقَّة بَلَغ بِها؟ وقيل: الجَهْدُ: الجِماعُ، فجَهَدها؛ أي: جامَعَها، وإنَّما كنَّى بذلك للتَّنزه عمَّا يفحُشُ ذِكرُه مُصرَّحًا.
ووجهُ دخولِ الحديث في التَّرجمة: أنَّ بلوغَ الجَهد المُشار إليه هو التقاءُ الختانيَن، ولهذا في رواية عائشة: (إذا جَلس بين شُعَبِها
الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان).
قال (ن): والمعنى في الحديث أنَّ الغُسل لا يتوقَّف على نزولِ منِيٍّ، بل متى غابت الحَشَفَةُ وجَبَ الغُسل، وقد كان فيه خلافٌ، ولكنْ انعَقَد الإجماعُ عليه، وحديث:"إنَّما الماءُ من الماءِ" منسوخٌ، أي: كان لا يجبُ الغُسل إلا بالإنزال، ثمَّ صار الغُسل بدونه، نعم، قال ابنُ عبَّاس: ليس بمنسوخٍ؛ بل المراد به نفيُ وجوبِ الغُسل بالرُّؤية في النَّوم إذا لم ينزِلْ، وهذا الحكم باقٍ.
وأما حديثُ: "إذا مسَّ الختانُ الختانَ"، فمعناه: غيَّبَ ذَكَرَه، لا حقيقةُ المسِّ؛ لأنَّ ختانَها في أعلى الفَرجِ ولا يمسُّه الذَّكَر في الجِماع، وقد أجمَعوا على أنّه لو وضَع ذَكَره على خِتانِها ولم يولِج؛ لا يجبُ عليه الغُسل، فالمرادُ المُحاذاةُ، وهو المراد أيضًا في التِقاءِ الخِتانيَن.
قال (ط): في "المُوطَّأ" عن عائشة: إذا جاوَزَ الخِتانُ الخِتانَ، فقد وجب الغُسل، وهي أعلمُ بذلك؛ لأنَّها مشاهِدَةٌ لمثلِه، وقد كان عليٌّ يقول بخلافِ ذلك، ثم أجمَعوا على وجوبِ الغُسل، والإجماعُ في عصرٍ بعد انقِراضِ المختَلفين يرفَعُ الخلافَ.
قال (ك): إنه لا يقالُ: إن نفيَ الغُسل كانَ بالأصل، والنَّسخُ إنَّما يكونُ بحكمٍ شَرعيٍّ، لأنَّا نقولُ: عدمُه إنَّما كان بالشَّرع، والحصرُ في (إنَّما الماءُ من الماءِ) يدلُّ عليه، إذ معناه: لا ماءَ من غير الماء؛ أي: لا غُسل بماءٍ من غيرِ إنزالِ منِيٍّ، على أنَّه لا يُحتاجُ لادِّعاء نسَخٍ، بل
تقديمٌ لحديث: (إذا التَقَى الخِتانان) -لأنَّه بالمنطوقِ- على (إنَّما الماءُ من الماءِ) -لأنَّه بالمَفهومِ-.
وفي حجِّيته خلافٌ، وعلى تسليمِه؛ فالمَنطوق مُقدَّمٌ على المفهومِ، ولا يقالُ: حديثُ الالتقاءِ مُطلَق، وحديثُ الماء مُقيَّد، فيُحمَل المُطلق على المقيَّد؛ لأنَّا لا نُسلِّم أنه مُطلَق؛ بل عامٌّ، لأنَّ الالتقاءَ وَصفٌ ترتَّب الحكمُ عليه، كما وُجِدَ وُجِدَ الحُكمُ، وكلَّما انتَفى انتفى، والآخَر خاصٌّ لا مُقيَّد، وكأنَّه قال: بالالتقاء يجبُ الغُسل، ثمَّ قال: بالالتقاءِ مع الإنزال، فيكونُ من ذِكر بعضِ أفرادِ العُموم مثل:(أيُّما إهابٍ دُبغَ)، مع قوله:(دِباغُها طُهورُها).
ولا يقالُ أيضًا: الجَهْدُ يُحمَلُ على الإنزال، لأنَّه غايةُ الأمر، لأنَّ الرِّواياتِ الأُخرى مبيِّنةٌ له، ولأنَّ لفظَ (الجَهدِ) مُشعِرٌ بالاختيار، والإنزالُ لا اختيارَ فيه انتهى ملخصًا بمعناه.
(تابعه عمرو)؛ أي: ابنُ مَرزوقٍ، والضَّمير يُحتملُ عَوده إلى (هشامٍ) وإلى (الحَسَن)، لأنَّ شُعبةَ قد سمع من قتادةَ، ومن الحَسَن.
(وقال موسى)؛ أي: التَّبُوذَكِيُّ.
(أبان) بفتح الهمزة، مَصروفٌ ومَمنوعٌ، ولَمَّا رَوى قتادةُ أوَّلًا بِـ (عن) وهو مُدَلسٌ؛ ذَكَر هنا أنَّه صَرَّح بالسَّماع؛ إذ قال:(أخبَرَنا الحَسَنُ)، وإنَّما قال هنا:(قال)، وهناك (تابَعَه)؛ لأنَّ المُتابعة أقوى؛ لأنَّ القَول أعمُّ من نَقلِه روايةً، أو على سبيلِ المُذاكَرة.