الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
4 -
كِتابُ الوُضُوءِ
(كتاب الوضوء)، في بعض النُّسَخ:(الطَّهارة)، وسبقت الإشارةُ أولَ الكتاب إلى المناسبة بأنَّ المصالِحَ دينيةٌ، وهي العبادة؛ لأنَّها سببُ خَلقِ العِباد {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وإنَّ أهمَّ العباداتِ الصلاةُ، فبدأ بِها؛ لأنهَّا أفضلُ، وتتكرر كلَّ يوم خمسَ مرات، وهي مُتوقِّفةٌ على الوُضوء.
وهو بضمِّ الواو: الفعلُ الذي هو المصدر، وبفتحها: الماءُ الذي يُتَوضأُ به، وقال الخليل بالفتح فيهما، وحكى في (المَطالع) الضمَّ فيهما.
واشتقاقُه من (الوَضَاءَة) وهي: الحُسنُ والنَّظافة؛ لما فيه من تنظيفِ المُتَوضِّئ وتحسينِه، وأوردَ فيه البخاريُّ أبوابًا.
1 - بابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْم الإسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
(باب ما جاء في الوضوء)، وربَّما لا توجد هذه التَّرجمةُ في بعض النُّسخ؛ للاستغناء عنه بالسَّابق.
(قال أبو عبد الله) إلى آخرِه، أي: البخاريُّ ذَكرَ ذلك بلا سندٍ.
فأمَّا قوله: (مرَّة مرَّةً)؛ فوصلَه بعدَ ذلك من حديث ابنِ عبَّاس.
(مرَّتين مرَّتين) وصلَه من حديث عبد اللهُ بنِ زيد.
(وثلاثًا ثلاثًا) وصلَه من حديث عثمانَ، وإنَّما أوردَ البخاريُّ ذلك هنا؛ لتقريرِ أنَّ الأمرَ في الآية بالوُضوء لإيجادِ حقيقته، من غيرِ أن يقتَضِيَ مرَّةً أو أكثرَ، وإنَّما أوردَ البخاري ذلك هنا لاقتِصاره صلى الله عليه وسلم في بعضِ أحيانه عليه، وأنَّ الزِّيادةَ على الثَّلاث فعلَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فتكونُ مستحبَّةً، ثم بيَّنَ حكمَ الزَّائد بعد ذلك.
قلتُ: على أنَّ بعضَهم شذَّ فأوجبَ الثَّلاث، حكاه الشَّيخ أبو حامدٍ وغيرُه، وحكاه في "الإِبانة" عن ابنِ أبي ليلى وغيرِه، ويردُّه الإجماعُ والنُّصوصُ.
واعلم أن قولَه: (مرَّة مرَّة) مرفوعٌ خبرُ (أنَّ)، ويقعُ في بعض الأحوالِ بالنَّصبِ على نصب (أنَّ) الخبَرَين، أو على الحالِ السَّادَةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعلُ مرَّةً، كقراءة {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 8] بالنَّصب،
وقال (ك): مفعولٌ مطلقٌ، أي: فرضُ الوُضوءِ غَسلُ الأعضاء واحدةً، أو ظَرفٌ، أي: فرضُ الوُضوء ثابتٌ في الزَّمان المُسمَّى بالمرَّة.
قلت: ولا يخفَى ما فيه من نَظَر. قال: وتكريرُ (مرَّة) إمَّا للتأكيد، أو بحسَب الأعضَاء، فهو تفصيلٌ لأجزاء الوُضوء بحسَب تعدُّد الوُضوء، أو هو تفصيلٌ لجزئياتِ الوُضوء.
قلت: الأوَّل من التفصيلين هو الأرجَحُ، والثَّاني وجهٌ ضعيفٌ.
(ولم يزد على ثلاث) أي: ثلاث مرَّات.
قال (ش): إن الثَّابتَ (ثلاثة) بالهاء، وكان الأصلُ (ثلاث) لو ذُكِّر المعدود، كما يقالُ: عندي ثلاثُ نِسوةٍ.
(وكره أهل العلم)؛ أي: كراهةَ تنزيهٍ، وهي اقتضاءُ التَّركِ مع عدمِ المَنع من الفعلِ، إذ المكروهُ: ما يُمدح تاركُه، ولا يُذمُّ فاعلُه.
والمرادُ بأهل العلم: المُجتهدون، وفيه إشارةٌ للإجماع.
قلتُ: وسنَدُه ما روى ابنُ خزيمةَ في "صحيحه"، وأبو داودَ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه في جوابِ سؤالِ الأعرابي عن الوُضوء، فأَراهُ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:"فمَن زادَ فقد أساءَ، أو تعدَّى وظَلَم"، ورواه أحمدُ، والنَّسائيُّ، بلفظِ:"أو نَقَصَ، فقد أساءَ وظَلَم".
(الإسراف) هو: الصَّرف فيما لا ينبغي.
(وأن يجاوزوا): هو من عطفِ التَّفسير، إذ الإسرافُ: المُجاوَزةُ عن فعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو الثَّلاث.