الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
17 - بابُ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخلَّقَةٍ
(باب مخلقة وغير مخلقة): قَصدُه بهذه التَّرجَمةِ أنَّ الحامِلَ لا تحيضُ على ما قالَه الكوفيُّون.
318 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(إِنَّ الله عز وجل وَكَّلَ بِالرَّحِم مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ! نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ! عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ! مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكرٌ أَم أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَم سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ).
قال علقمة: إذا وقَعت النُّطفَةُ في الرَّحِم، قال المَلَكُ: مُخَلَّقَةٌ، أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، فإن قال: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، مَجَّت الرَّحِمُ دَمًا، وإن قالَ: مُخَلَّقَةٌ، قال: ذَكرٌ أم أُنثى، والمُخَلَّقَةُ تامَّة الخَلقِ، المُسوَّاةُ بلا نَقصٍ ولا عَيبٍ، من خَلقْتُ السِّواكَ: سوَّيتُه وليَّنتُه.
(حماد)؛ أي: ابنُ زَيدٍ، والسَّنَد كلُّه بَصريُّون.
(يا رب)؛ أي: يا رَبِّي، فحَذَفَ ياءَ المُتكلِّم، ويجوزُ في مثلِه أيضًا: يا رَبَّا، ويا رَبَّاه -بالهاءِ وَقفًا-.
قلتُ: (ويا ربِّيَ)، بفتحِ ياءِ المُتكلِّم، ويا ربَّ، بفتحِ الباء، ويا رَبُّ، بالضَّم أيضًا، وقُرِئَ:(قالَ رَبُّ السِّجنُ أحبُّ إليَّ)[يوسف: 33].
(نطفة) بالنَّصبِ، وهي رواية القَابِسِيِّ، أي: جَعَلتُ أنا المَنِيَّ نُطفةً في الرَّحمِ، أو صارَ نُطفة، أو خَلقتَ أنت نُطفةً، وبالرَّفع خبَرُ مبتَدأ مَحذوفٍ، أي: هو نطفَةٌ.
(علقة)؛ أي: قِطعَةُ دَمٍ جامدٍ.
(مضغة)؛ أي لَحمَةٌ صغيرَةٌ بقَدرِ ما يُمضَغُ، وليسَ المُرادُ أنَّ ذلك في وقتٍ واحدٍ بل في أوقاتٍ مرتَّبةٍ، وقولُ المَلَكِ ذلك لا مِن فَائِدَة الخبَر، ولا مِن لازمِ فائدَته؛ لأنَّ الله تعالَى عالِمٌ بالكُلّ، بل هو على خِلافِ مُقتَضَى الظَّاهِرِ، نحو:{إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران: 36]، فالمُرادُ بقَولِ المَلَكِ ذلكَ التِماسُ إتمامِ خِلقَتِه، أو الدُّعاءُ بإفاضةِ الصُّورَةِ الكاملَةِ عليه، أو الاستعلامُ من ذلكَ، أو نحوُه.
(يقضى)؛ أي: يُتِمُّ، فقد جاءَ القضاءُ بمعنَى الفراغِ.
(أذكر)؛ أي: أَهوَ ذَكَرٌ؟ فـ (ذَكَر): خبَرُ مبتدأ مَحذُوفٍ، وجَزَمَ (ك): بأنَّه مبتدأٌ مسوَّغ الابتداءُ به معَ كونه نكرةً تخصيصُه بثبوتِ أحدِ الأَمرين، أي: بالاستِفهامِ، وفي بعضِها بالنَّصب، أي: أتُريدُ، أو أتَخلقُ، أو أَجُعِلَ، وكذا في الباقي.
(شقي)؛ أي: أَشَقِيٌّ، فحُذِفَت همزَةُ الاستفهامِ كما في:
بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بِثَمَانِ
لأنَّ (أم) المُتَّصلةَ لا بدَّ أن تكونَ في استِفهامٍ.
(الرزق): هو ما يُنتفَعُ به على الأصَحِّ في تعريفه.
(الأجل)؛ أي: وقتُ مَوتِه، أو مُدَّةُ حياتِه إلى مَوته، لأنَّه يُطلَق على غايةِ المُدَّة، وعلى المُدَّةِ.
(فيكتب)؛ أي: اللهُ، ويحتملُ وهو الظَّاهرُ: أن يكونَ المَلَكُ، وفي بعضِها:(يُكتَبُ لنا) بالبِناءِ للمَفعولِ، والكتَابَةُ حقيقة؛ لأنَّه مُمكِنٌ، والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، ويُمكِنُ أنَّ المرادَ التقديرُ؛ لأنَّه الحاصِلُ في بَطنِ أُمِّه، أو يكونُ مَجازًا عن اللُّزوم، ولا امتِناعَ في إرادةِ الجَميع.
والبَطنُ: ظَرفٌ، أو أنَّ الشَّخصَ مكتوبٌ عليه في ذلك الظَّرف، وقد رُوِي: أنَّها تُكتَبُ على الجَبهة، فتُكتَبُ الأُمورُ الأَربعةُ، فقد تضَمَّنَ الحديثُ جَميعَ الأحوالِ، المَبدأُ، وهو خَلقُه، والمَعادُ، وهو سعادَتُه وشَقاوتُه، وما بينَهما، وهو الأَجَلُ، وما يُصرَّف فيه، وهو الرِّزقُ، وقد جاء:"فَرَغَ الله من أَربع: مِنَ الخَلقِ -أي: بفتحِ الخاء- والخُلُق -بالضَّم؛ أي: السعادَةُ وضِدُّها- والأجَلُ والرِّزقُ".
قال (ط): اختُلِفَ فيما لم تتِمَّ خَلقُه من مُضغَةٍ أو عَلَقَةٍ، فقالَ: مالكٌ: تصيرُ الأَمَةُ بإلقائِه أمَّ ولدٍ، وقال الشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ: إنْ تبيَّنَ شيءٌ من أُصبع أو عَينٍ أو نحوِهما فأمُّ وَلدٍ.
قالَ: وفيهِ: أنَّ الله تعالى عَلِمَ سعادتَهم وشقاوتَهم، وهو على قولِ أهلِ السُّنة، أي: خِلافًا لمَن قالَ: يتَبَدَّلانِ.
* * *