الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب المحصر
في بيان ما يتعلق بحكم المحصر، باسم المفعول من أحصره إذا حبسه ومنعه، وفي الشرع: هو المنع عن ركني الحج، وعن طواف العمرة. استنبط المصنف رحمه الله تعالى، هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الآية [البقرة: 196].
508 -
أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه قال: من أُحْصِرَ دون البيت، بمرض فإنه لا يَحِل حتى يطوف بالبيت، وهو يتداوى مما اضْطُر إليه، ويفتدي.
قال محمد: بلغنا عن عبد الله بن مسعود، أنه جعل المحصر بالوجع كالمحصر بالعَدُوّ، فَسُئِلَ عن رجل اعتمر، فنهشته حَيّة، فلم يستطع المضي، فقال عبد الله بن مسعود: ليبعث بهدي ويواعد أصحابه يومَ أمَارٍ، فإذا نحر عنه الهدْيُ حَلَّ، وكانت عليه عمرة مكان عمرته.
وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، يكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات آخر سنة ست بعد المائة قاله ابن حجر (1) عن أبيه أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: من أُحْصرَ على بناء المفعول أي: منع دون البيت، أي: قبل وصوله إليه وحصوله لديه بمرض أي: ونحوه عدو كافر، كما هو مذهب الشافعي فإنه لا يَحِل أي: لا يخرج من إحرامه حتى يطوف
(508) إسناده صحيح.
(1)
في التقريب (1/ 226).
بالبيت، أي: ولو امتد الأيام ولا يخفى ما فيه من الحرج العام وما يترتب من الآثام وهو يتداوى أي: يعالج نفسه من المحظورات مما اضْطُر إليه، بصيغة المجهول أي: بما حصل له من الضرورات، ويفدي أي: بما يجب عليه من أنواع الكفارات، وليحيى: إن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد منها أو الدواء صنع ذلك ويفتدي.
قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: كون المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف إلى آخره مذهب ابن عمر، وإليه ذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: له التحلل حيث أحصر، يعني سواء اشترط ذلك في ابتداء إحرامه، كما قاله الشافعي.
قال محمد: بلغنا عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه أنه جعل المحصر بالوجع بفتح الجيم أي: المرض المؤلم كالحصر بالعَدُوّ، أي: قياسًا عليه ولمساعدة اللغة إليه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فَسُئِلَ أي: ابن مسعود، والفاء تفصيلية عن رجل قيد واقعي لا احترازي اعتمر، أي: أحرم بعمرة فنهشته بالشين المعجمة، وفي لغة بالمهملة أي: لدغة حَيّة، فلم يستطع المضي، أي: إلى الحرم بأفعال العمرة فقال عبد الله بن مسعود: ليبعث بصيغة الأمر الغائب بهدي أي: ليرسل مع بعض أصحابه ويواعد أصحابه يومَ أمَارٍ، بفتح الهمزة بمعنى أمارة أي: مواعد وقتًا معينًا فإذا نحر عنه الهدْيُ بصيغة المجهول حل أي: خرج من إحرامه، ولا صلاة عليه ولا يقصر، وإن يحلق فحسن، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: عليه الحلق، وإن لم يحلق فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أحصروا بالحديبية، فأمرهم بعد بلوغ الهدايا محلها أن يحلق وحلق صلى الله عليه وسلم، ولهما أن الحلق عرف قربه إذا كان مرتبًا على أفعال الحج، ولم توجد أفعاله هنا وأمر صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالحلق ليعرف المشركون قوة عزمهم على الانصراف، فيحصل الأمن من كيد المشركين فلا يشتغلوا بأمر الحرب (ق 549).
أقول: ولا مانع من أن يكون الحلق الواجب متضمنًا لهذه المراتب، وأيضًا فكما أن الحلق عرف قربه إذا كان مرتبًا على أفعال الحج، فكذلك يترتب على أفعال العمرة وإنما سقطت الأعمال للضرورة، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وأيضًا ظاهر الآية مؤيد لقول أبي يوسف حيث قال تعالى بعد قوله:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وهو الحرم ذبحه فيه مجرد وصوله،