الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبواب الصِّيَام
في بيان أحكام الصيام وهو بكسر الصاد المهملة والياء التحتية بدل من الواو وهما مصدران لصام يقال: صام الرجل يصوم صومًا وصيامًا وهي بمعنى واحد إلا أن أصل الصيام صوام، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها كالقيام، والصوم في اللغة: مطلق الإِمساك، وفي الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص، وهو الإِمساك من الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى الغروب مع النية كذا (ق 366) قاله الجرجاني، عقب الإِمام محمد بن الحسن الشيباني في الزكاة بالصوم عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج".
هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم (1) من رواية سعد بن عبيد الله. وأخذ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] وإنما اختار أبواب الصيام بصيغة الجمع إشارة إلى أن الصوم أنواع فرض وواجب.
باب الصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته
في بيان أحكام رؤية هلال شهر رمضان والشوال الصوم فكان باب مبتدأ وخبره لرؤية الهلال مجازًا، أو التقدير: كون الصوم فرضًا لأجل رؤية هلال شهر رمضان والإِفطار لرؤيته أي: شهر الشوال قال الجوهري: الهلال الثلاث ليالي من أول الشهر ثم قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال وهو الشهر بعينه.
346 -
أخبرنا مالك، حدثنا نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رمضان، فقال:"لا تَصُومُوا حتى تَرَوُا الهلال، ولا تُفْطِروا حتى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له".
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.
(1) أخرجه: البخاري (8)، ومسلم (16).
(346)
صحيح، أخرجه: البخاري (1906)، ومسلم (1080)، وأبو داود (2320)، والنسائي (2121)، وابن ماجه (1654)، وأحمد (5272)، ومالك (633).
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني وعبد الله بن دينار، أي: وحدثنا عبد الله بن دينار هذا تحويل المسند عن مالك تقوية للحديث، وهما مولى عبد الله بن عمر ثقتان تابعيان كان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وكان عبد الله بن دينار في الطبقة الرابعة منها عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رمضان، أي شهره وفيه إيماء إلى جواز ذكره بدون شهر وقال سعيد بن زيد الباجي: وهو الصواب فقد جاء ذلك في أحاديث صحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل رمضان فتح أبواب الجنة. . ." الحديث، وكذا قال عياض أنه الصحيح، ومنعه أصحاب مالك لحديث:"لا تقولوا: رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان" أخرجه ابن عدي وضعفه وفرق ابن باقلاني فقال: إن ذكرت قرينة على صرفه إلى الشهر كصمنا رمضان جاز وإلا امتنع كجاء ودخل. انتهى.
وبالفرق قال أكثر الشافعية، قال النووي: والمذهبان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي صاحب الشرع، لم يثبت فيه نهي ولا يصح قولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى؛ لأنه جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم كراهة والصواب ما ذهب إليه المحققون أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرنية ولا قرنية. كذا قاله الزرقاني. ولفظ رمضان في اللغة مأخوذ من رمض إذا احترق، سمي به؛ لأن الذنوب تحترق فيه، وهو غير منصرف للعلمية والألف والنون قال الفراء: يجمع على رماضين كسلاطين كذا قاله التمرتاشي فقال: أي: النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تَصُومُوا أي: لا تشرعوا في صيام رمضان إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يومًا، كذا في نسخة وكذا في (الموطأ) لمالك برواية محمد عن يحيى عن مالك، وفي نسخة لم يوجد الضمير بعد قوله: لا تصوموا وكذا لم يوجد في صحيح أصبهان عن (ق 367) ابن عمر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المكلفين الموجودين في آخر شعبان عن صوم رمضان قبل رؤية هلاله نهيًا تنزيهيًا، إذ لا يخلو أن الشك في دخول رمضان أو خروجه، وعلى تقدير عدم خروجه يحرم الفطر وعلى تقدير عدم دخوله يكره الصوم على قصد أنه من رمضان، والنهي هو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: لا تفعل وهو أي: النهي يقتضي صفة القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهي وهو أي: المنهي عنه، إما أن يكون قبيحًا لذاته كالكفر وبيع الحر، أو قبيحًا لغير ذاته كصوم يوم النحر وهو أي: صوم يوم النحر قبيح في وصفه؛ لأنه إعراض عن ضيافة الله تعالى كصوم رمضان قبل رؤية هلاله، وهو قبيح في وصفه أن يلزم أن
يؤدى قبل أوانه وهو حرام. هذا خلاصة ما قاله ابن مالك في (شرح المنار) حتى تَرَوُا الهلال، أي: هلال رمضان، والمراد به رؤية بعض المسلمين لا كل الناس، وظاهره إيجاب الصوم متى وجدت الرؤية ليلًا أو نهارًا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وفرق بعض العلماء بين ما قبل الزوال وما بعده، وخالف الشيعة الإِجماع فأوجبوه مطلقًا، وظاهره أيضًا النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها.
وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: مقتضاه منع صوم آخر شعبان يريد علي معنى التلقي لرمضان أو الاحتياط، وأما نقلًا فيجوز.
قال ابن عبد البر: عند مالك والجمهور واستحب ابن عباس وجماعة الفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين أو أيام كما استحبوا الفصل بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان. كذا قاله الزرقاني، وإذا كان في السماء علة من غيم أو غبار أو دخان أو ذباب قبل القاضي بمجلسه خبر واحد عدل أو خبر مستور الحال لم يظهر فسقه في ثبوت رمضان في القول الصحيح، ولا يشترط لفظة الشهادة ولا تقدم الدعوى لإِثبات رمضان كذا قاله الشرنبلالي في (نور الإِيضاح) وغيره من الحنفية ولا تُفْطروا أي: من صومكم لقصد عيد الفطر حتى تَرَوْهُ، أي: هلال الشوال وكلمة "حتى" تدلَ على أن ما بعدها غاية لما قبلها سواء كان جزاءً منه كما في أكلت السمكة حتى رأسها، أو غير جزء كما في قوله تعالى في سورة البقرة:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] وعلامة الغاية بوجود المعنيين أحدهما أن يكون ما قبل حتى قابلًا للامتداد، والآخر أن يكون ما بعد حتى دليلا صالحًا لانتهاء ما قبلها. كذا قاله عبد الرحمن بن مالك في (شرح المنار).
وليس المراد بالرؤية رؤية جميع الناس يحتاج كل فرد إلى رؤيته بل المعتبر رؤية بعضهم وهو العدد الذي يثبت به الحقوق وهو عدلان فلا يثبت رمضان بعدل واحد عند مالك وأحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، فإنه يثبت بعدل واحد لحديث ابن عباس في (السنن) قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم قال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدًا"(1).
(1) أخرجه: أبو داود (2340)، والترمذي (691)، وأحمد (194)، والدارمي (1692).