الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، اللهم إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقل من ذلك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي ذلك عهدًا عندك تؤديه إليَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد".
ورُوي عن بعض المتقدمين أنه أوصى أن يكتب في جبهته أو صدره: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَفُعِل، ثم رُؤي في المنام، وسُئل عن حاله، فقال: لما وُضِعتُ في القبر جاءني ملائكة العذاب، فلما رأوا مكتوبًا في جبهتي أو صدري "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" قالوا: أمنت من العذاب، كذا في (التانارخانية).
لما فرغ من بيان حكم كفن الميت، شرع في بيان حكم الإِسراع بالمشي بحمل الجنازة على أعناق الرجال، فقال: هذا
* * *
باب المشي بالجنائز والمشي معها
في بيان حكم المشي بالجنائز والمشي معها، وهو: أي: المشي بفتح الميم وسكون الشين المعجمة والتحتية، مصدر بمعنى الإِسراع بالعدو بلا خبب إذا حملوا الجنازة في أعناقهم، وهو لازم ومتعد يقال: مشيتها تمشية، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، والباء في الجنازة إما للتعدية على الوجه الأول، وإما زائدة على الوجه الثاني، قوله: والمشي معها، عطف على المشي بالجنازة، وإشعار بجواز المشي خلف الجنازة وأمامها، لكن المشي خلفها لينظرها ويعتبر من حالها أفضل كفضل صلاة مع الجماعة على التطوع، إسناد المشي إلى الجنازة مجاز، وهو من قبيل تسبب المركب بالمركب، وهو تشبيه الهيئة الحاصلة في المشبه إلى الهيئة الحاصلة في المشبه به.
اعلم أن المصنف شبه الأمور المنتزعة عن الجنازة إلى الأمور المنتزعة في أمير من أمراء الملك، والمهيب، فإنه إذا دعاه عجالة ألقى ما شغله من يده ويخرج من داره يسعى ويركب فرسه وخدمائه يمشون في ركابه يمينًا وشمالًا، فلما وصل إلى باب دار الملك المهيب نزل عنده ويدخل فيها، ويمشي خاشعًا ويتذلل بأنواع التذلل، وإذا قرب إليه سلم عليه ويدعو
له ولو رضى الملك عنه لألبس ظهره (ق 320) خلعة فاخرة، واستقره في أمره وألا يعزله عن أمره ويعاتبه ويأخذ عنه ما أعطاه، فيقتله إن استحق القتل أو يجليه إلى جزيرة بعيدة، وكذلك حال الميت؛ فإنه إذا قبض جرد عن ثيابه وألقي على لوح، وغسل فيحمل الرجال على أعناقهم، ويسعون به في مشيهم، وإذا أوصلوه إلى شفير قبره ينزلونه فيه، فيترك ما ملكه وقومه وأهله في الدنيا، وينفرد في قبره فإن رضي عنه ربه، جعل قبره روضة من رياض الجنات، وإلا جعله حفرة من حفر النيران، اللهم أجرنا من النار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
306 -
أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن أبا هريرة قال: أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خَيْرٌ تُقَدِّمُونه إليه، أو شر تُلقونه عن رقابكم.
قال محمد: وبهذا نأْخذ، السرعة بها أَحَبّ إلينا من الإِبطاءِ، وهو قول أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: ملك ذي الأصبح، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وله تسعون سنة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا، وفي نسخة: بنا، أو أنا رمزًا إلى: أخبرنا نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: أي: موقوفًا، ورُوي عنه أيضًا مرفوعًا: أسرعوا بجنائزكم أي: بتجهيز ميتكم ودفنه، أو بالتعجيل في المشي، فإنما هو أي: الميت المدلول عليه بالجنائز، خَيْرٌ أي: صاحب خير أريد به المبالغة، تُقَدِّمُونه أي: الميت إليه، أي: إلى خيره، فهو خير له، أو شر تُلقونه أي: إلى شره في قبره، وليحيى: يضعونه، عن رقابكم أي: فتستريحون، فهو خير لكم.
روى البخاري بالواسطة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت:
(306) صحيح، أخرجه: أحمد (7714)، (9959)، ومالك (561)، وابن حبان (3042)، وعبد الرزاق في مصنفه (6250).
قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق".
قال محمد رحمه الله: وبهذا أي: بأثر أبي هريرة رضي الله عنه نأْخذ، أي: نعمل، السرعة المتوسطة بها أي: الجنازة أَحَبّ إلينا من الإِبطاء، بكسر الهمزة وسكون الموحدة، وفتح الطاء وقصر الألف والهمزة، وهو الثاني ضد السرعة والعجلة، وهو أي: السرعة بالجنازة في المشي، قول أبي حنيفة، نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، وهو في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.
* * *
307 -
أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة، والخلفاءُ هَلُمَّ جرَّا؛ وابن عمر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، ثقة، قال: أي: مرسلًا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة، أي: قدامها؛ لأنه يشفع لها، والخلفاءُ أي: يمشون أمامها، فدخل فيهم عليّ رضي الله عنه، وما رُوي أنه يمشي خلف جنازة، والعمر أمامها، فقيل له في ذلك فقال: فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما سهلا على الناس، وإنه قال: إن شهدت جنازة فقدمها بين يديك؛ فإنها موعظة وتذكرة وعبرة، وخبر أبي جحيفة مرفوعًا: الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، وليس تتبعها من تقدمها، فقال ابن عبد البر: هذه أحاديث كوفية لا يقوم بأسانيدها حجة، واختلف الصحابة والتابعون في ذلك، والمشي أمامهم أكثر عنهم، وهو أفضل، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: المشي خلفها أفضل، وقال سفيان الثوري: كل ذلك
(307) صحيح، أخرجه: مالك (513)، والنسائي في الكبرى (2072)، والدارقطني (2/ 70)، والشافعي في المسند (1626)، والطبراني في الكبير (13134).
سواء، ولا أحد أعلم أكره ذلك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم:"من شيَّع جنازة وصلى عليها كان له قيراط من الأجر، ومن قعد حتى تُدفن كان له قيراطان، والقيراط كأُحد"(1)، ولا يقول أحد: إن ذلك على الإِباحة، وإنما الخلاف على المشي أمامها مشروع، وهو قول الأئمة الثلاثة، وعلله بعض المالكية بأن الناس شفعاء والشفيع يمشي بين يدي المشفوع له، أو ممنوع، والسنة المشي خلفها، وبه قال أبو حنيفة، هَلُمَّ جرَّا؛ يعني: أن الخلفاء يمشون أمام الجنازة واحدًا بعد واحد، في حين خلافته، قال ابن الأنباري: معناه ساروا على هنيتهم وثبتوا في سيرهم، لا يجدون أنفسهم في مشيهم معًا، وهو مأخوذ من الجر، وهو أن يترك الإِبل والغنم ترعى في اليسر، وقال في نصب جر: على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير: هلم جارين، أي: مشيشين أو على المصدر؛ لأنه في هلم معنى جر، فكأنه قيل: جروا جرًا، أو على التمييز، وابن عمر، أي: كان ابن عمر رضي الله عنهما يمشي أمام الجنازة، وهذا يدل على أن المشي أمامها مشروع، كما كان في خلفها، كذا قاله الزرقاني (2).
* * *
308 -
أخبرنا مالك، حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، أنه رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ الناس أمام جنازة زينب ابنة جحْش.
قال محمد: المشي أمامها حَسَنٌ، والمشي خلفها أفضل؛ وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، أي: ابن عبد الله بن الهدير، بالتصغير التيمي، يُكنى أبا عبد الله، المدني، تابعي ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، دخل المنكدر على عائشة رضي الله عنها فشكا إليها الحاجة، فقالت: أدنى شيء يأتيني أبعث به إليك، فجاءها عشرة آلاف درهم، فقالت: ما أسرع ما امتحنتِ به يا
(1) أخرجه: البخاري (1325)، ومسلم (945).
(2)
انظر: شرح الزرقاني (2/ 77).
(308)
صحيح، أخرجه: مالك (514)، والشافعي في المسند (1627).
عائشة، وبعثت بها إليه، فاشترى بها جارية، فولدت له بنيه محمدًا وأبا بكر وعمر، وكلهم يذكر بالصلاح والعبادة، ويحمل عنه الحديث، قال محمد: كابدتُ نفسي أربعين سنة، ثم استقامت، وكان ربما قام الليل يصلي ويقول: كم من عين الآن ساهرة في رزقي، وكان له جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته: يا أحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة، وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذا استبكى فكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه: ما الذي أبكاه، فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم، فجاء، فقال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله تعالى، وهي قوله فى سورة الزمر:{وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]، وأولها:{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [الزمر: 47]، فبكى أبو حازم واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله جئنا بك لتفرج عنه (ق 322) فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما، قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن ولده وولد ولده في دويراته ودويرات حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم.
وقال: بات أخي عمر يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب ليلتي بليلة، وصلى على رجل فقيل له: تصلي على فلان؟ فقال: إني أستحي من الله تعالى أن يعلم مني أن رحمته تحجز عن أحد من خلقه، وقال: نعم العون على تقوى الله الغنى، وقيل له: أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي مما تستلز؟ قال: الإِفضال على الإِخوان، وقال: الفقير يدخل بين الله وبين عباده، فلينظر كيف يدخل.
وقال ابن الماجشون: إن رؤية ابن المنكدر تنفعني في ديني، وجزع عند موته، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أخشى آية في كتاب الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]، فإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، وأتاه صفوان وهو في الموت، فقال: كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه الأمر، وتجلى عن محمد حتى كان في وجهه المصابيح، ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عيناك، ثم قضى رحمه الله تعالى، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، (1) بالتصغير، التيمي، روى عن عمر وطلحة
(1) انظر: التقريب (1/ 172).