الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يومًا يسير ومن لو لم يكن أفطر فليتم صومه" وفي البخاري (1) عن هشام عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر: أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم، ثم طلعت الشمس قيل لهشام: فأمروا بالقضاء قال: لا بد من قضاء، وقال معمر: سمعت هشام يقول: لا أدري أقضوا أم لا: انتهى. والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على القضاء. كذا قاله الزرقاني (2).
قال محمد: مَنْ أفطر وهو يَرى أي: يظن أن الشمس قد غابت، ثم عَلِمَ أنها لم تَغِبْ، لم يأكل بَقيّةَ يومِهِ، ولم يشرب، أي: قصاء لحق الوقت وعليه قَضَاؤُه، أي: قضاء صومه ذلك اليوم؛ لأنه مضمون بالمثل، ولا كفارة فيه لقصور الجناية وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ومعه سائر الأئمة، وكذا من تسحر علي ظن الفجر لم يطلع ثم ظهر أنه قد طلع يلزمه القضاء فقط. كذا في (التاتارحانية)، ويلزم عليه إمساك بقية يومه قضاء لحق ذلك اليوم، وإن أكل بقية يومه أثم لهتكه حرمة ذلك اليوم، فلا يلزم عليه شيء من غير قضاء ذلك اليوم؛ لأن أكل بقية يومه كان بعد فساد صومه بغلبة الظن لغروب الشمس فغالب الظن كاليقين.
لما فرغ من بيان حكم الإِفطار بصوم رمضان قبل غروب الشمس عن ظن أنها قد غربت ثم ظهر أنها لم تغرب، شرع في بيان حكم الوصال في الصيام، فقال: هذا
* * *
باب الوصال في الصيام
في بيان النهي عن الوصال في الصيام، وهو إمساك الليل مع النهار.
367 -
أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله
(1) أخرجه: البخاري (1858)، وأبو داود (2359)، وابن ماجه (1674)، وأحمد (26387)، والدارقطني (2/ 204)، والطبراني في الكبير (24/ 127)، حديث (345)، والبيهقي في الكبرى (8103) من حديث أسماء.
(2)
انظر: شرح الزرقاني (2/ 249).
(367)
أخرجه: البخاري (1861)، ومسلم (1102)، وأبو داود (2360)، وأحمد (5761)، ومالك (656)، وابن أبي شيبة (2/ 495)، والنسائي في الكبرى (3263)، وابن الجارود في المنتقى (394)، والبيهقي في الكبرى (8456).
- صلى الله عليه وسلم نهى عن الوِصَالِ، فقيل له: إنَّكَ تُوَاصِلُ، قال:"إني لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقَى".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أي: نهي تنزيه، وقيل: تحريم، وهو الأصح عند الشافعية عن الوِصَالِ، أي: في الصيام بأن لا يفطر إن غربت الشمس وصبر جائعًا وصام غدًا، وكذا روى جويرية عن نافع عن البخاري وعبيد الله بن عمر عن نافع عن مسلم عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم واصل فواصل الناس فشقى عليهم فنهاهم عن الوصال فقيل له: أي: صلى الله عليه وسلم إنَّكَ تُوَاصِلُ، أي: ما الحكمة في نهيك لنا عنه قال: "إني لستُ كهيئتكم، أي: مشابهًا لكم في صفاتكم وحالتكم يعني ليس حالي كحالكم، ولمسلم (1) عن أبي هريرة لستم في ذلك على صفتي ومنزلتي من ربي إني أُطْعَمُ وأُسْقَى" بصيغة المفعول (ق 392) فبها قيل هو على حقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب كرامة له في ليالي صيامه، وطعام الجنة وشرابها لا يقطع وصاله، ولا ينقص أجره ولا يفطر صيامه، ولا تجرى عليه أحكام التكليف.
قال ابن عبد البر: الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل الجنة فيه الكرامة لا تبطل العبادة فلا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره والجمهور علي أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة فكأنه قال: يعطني قوة الأكل والشرب ويقبض على ما يسد مسدهما ويقوى على أنواع الطاعات من غير ضعف في القوة ولا كلال في الأجساد، أو المعنى أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين ما قبله أنه عليه يُعطى القوة بلا شبع ولا ري بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يعطى القوة معهما ورجح ما قبله أن الثاني ينافي حال الصائم.
ويفوت المقصود من الصوم والوصال؛ لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها كذا قال الزرقاني (2). وجنح ابن قيم الجوزية إلى أن المراد أنه يشغله بالتفكير في عظمته
(1) أخرجه: مسلم (1103).
(2)
انظر: شرح الزرقاني (2/ 241 - 243).
والتجلي بمشاهدته والتعذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته، وهذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم لغذاء القلب والروح عن كثير الغذاء الجسماني. كذا نقله علي القاري عن السيوطي.
* * *
368 -
أخبرنا مالك، أخبرني أبو الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والوِصَال، إيَّاكم والوِصَال"، قالوا: فإنَّك تُواصِلُ يا رسول الله، قال:"إني لستُ كهيئتكم؛ إني أَبِيتُ يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني، فاكلَفُوا من الأعمال ما لكم به طَاقَةٌ".
قال محمد: وبهذا نأخذ، الوِصَال مكروه، وهو أن يواصل الرجل بين يومين في الصوم، لا يأكل في الليل شيئًا، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة.
• أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، نسبة إلى مالك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من أتباع التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رامزًا إلى أخبرنا، أخبرني بالإِفراد أبو الزِّنَادِ، بكسر الزاء المعجمة والنون والدال المهملة بينهما ألف وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة، فقيه، في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقال بعض المؤرخين: بعدها كذا قاله ابن حجر (1) عن الأعرج، كان اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، من التابعين مات سنة سبع عشرة ومائة في الهجرة (2) عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والوِصَال،
(368) أخرجه: البخاري (1856)، ومسلم (1103)، وأحمد (7122)، والدارمي (1655)، ومالك (657)، وابن حبان (3576)، وعبد الرزاق في مصنفه (7754)، وابن أبي شيبة (2/ 496)، وأبو يعلى (6088)، والبيهقي في الكبرى (8458) من حديث أبي هريرة.
(1)
انظر: التقريب (1/ 287).
(2)
انظر: التقريب (1/ 352).
أي: احذروا عن صيام الوصال إياكم والوصَال مرتين للتأكيد أي: بعدوا أنفسكم عن وصال الصيام، وعند ابن أبي شيبة (1) بإسناد صحيح من طريق أبي ذرعة عن أبي هريرة بلفظ:"إياكم والوصال" ثلاث مرات للمبالغة عن نهي الوصال قالوا: أي: بعض الصحابة فإنَّك تُواصِلُ يا رسول الله، قال:"إني لستُ كهيئتكم؛ يعني: ليس حالي كحالكم وإنما لم يقل لستم كهيئتي تواضعًا وبيانًا بالأدب لأصحابه إني أبيتُ أي: أمسي يُطْعِمُني بضم التحتية ربي ويَسْقِيني، بفتح أوله وضمه، وإنما آثر اسم الرب دون اسم الذات فلم يقل: يطعمني الله؛ لأنَ التجلي باسم الربوبية (ق 392) أقرب إلى العباد من الألوهية؛ لأنها تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها وتجلي الربوبية تجلي الرحمة وشفقة، وهي أليق بهذا المقام وللإِسماعيلي من حديث عائشة: "أظل عند الله" وكأنه بالمعنى فرواية الصحيحين منها عند ربي وقول الجمهور أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة قال بعضهم: وهو الصحيح؛ لأنه لو كان علي الحقيقة لم يكن مواصلًا وقيل: كان يوحى بطعام وشراب في النوم فيستيقظه ويجد الري والشبع.
وقال النووي: في (شرح المهذب)(2) معناه محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب البالغ يشغل عنهما كذا قاله الزرقاني (3) فاكلَفُوا بهمزة الوصل وفتح اللام أمر حاضر جمع من الكلف، وهو بفتحتين مصدر من باب الرابع بمعنى الحرص على شيء يقال: كلفت بهذا الأمر إذا ولعت به أي: حرصت، كما قال محمد الواني في (ترجمة الجوهري) والفاء جواب الشرط محذوف تقديره: إن علمتم بأن حالي ليست كحالكم فاعملوا من الأعمال ما أي: يعمل لكم به طَاقَةٌ" أي: قوة وقدرة لا يكون سببًا لضعف نية، وأما الأنبياء عليهم السلام فلهم القوة الإِلهية أو الغذاء اللدنية فلا يقاس الصعلوك بالملوك، وهو بضم الصاد واللام وسكون العين والواو والكاف بمعنى القصير، والحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إياكم والوصال إنكم لستم في ذلك مثلي أنا أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون".
(1) أخرجه: أحمد (7122)، وابن أبي شيبة (2/ 496)، حديث (11)، وابن خزيمة (2071)، وأبو يعلى (6088) بلفظ الثلاث.
(2)
انظر: المجموع (6/ 376).
(3)
انظر: شرح الزرقاني (2/ 243).