الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صيام عاشوراء تطوع، أي: مستحب فمن شاءَ صامه، ومن شاءَ لم يصمه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة قبلنا وذلك لما في (الصحيحين) (1) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فرض رمضان قال:"من شاء صامه ومن شاء تركه" كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان فضيلة يوم عاشوراء، شرع في بيان إحياء ليلة القدر، فقال: هذا
* * *
باب ليلة القدر
في بيان فضيلة إحياء ليلة القدر، وهي ليلة خصها الله تعالى بهذه الأمة، تدور في كل سنة إلى يوم القيامة عند أهل السنة والجماعة، وفي تسميتها ثلاثة أقوال، وبها سميت به، لكونها ذا قدر وشرف عند الله تعالى، لقوله:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] لنزول القرآن فيها كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ولحصول الشرف والقدر والمرتبة عند الله لمن أحياها كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي لله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنب"(2).
وثانيها: سميت به؛ لأن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التقدير والقضاء لتقدير أحكام السنة في تلك الليلة. قال تعالى في سورة الدخان: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ
(1) أخرجه: البخاري (3619)، ومسلم (1125)، وأبو داود (2442)، والترمذي (753)، وأحمد (23710)، والدارمي (1712)، ومالك (851)، وابن حبان (3621)، وابن أبي شيبة (2/ 471)، وعبد الرزاق في مصنفه (7844)، وابن خزيمة (2080)، والشافعي في المسند (782)، وأبو يعلى (14638)، والبيهقي في الكبرى (8494)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 76) والربيع في مسنده (309).
(2)
أخرجه: البخاري (1802)، ومسلم (760)، وأبو داود (1372)، والترمذي (683)، والنسائي في المجتبى (2201)، وأحمد (9034)، والدارمي (1725)، والنسائي في الكبرى (2516)، (2517)، وابن خزيمة (1894)، والطبراني في الأوسط (8821)، وابن الجارود في المنتقى (404)، وأبو يعلى (632)، والبيهقي في الكبرى (4703)، (8608)، والشعب (3612).
حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا} [الدخان: 4، 5]. أي: يفصل كل أمر عندنا، فإن قلت: التقدير والقضاء والقدر صفة أزلية لله تعالى قدر وقضا ما كان، وما يكون قبل أن يخلق السموات والأرض، كيف يكون التقدير والقدر في تلك الليلة وهي محدثة؟ أجيبُ عنه بأن المراد (ق 402) بالتقدير إظهار أثر تعلق القدرة، وهو المقدور إلي الملائكة في تلك الليلة، وهذا القول اختيار عامة أهل السنة والجماعة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال، حتى الحاج بحج فلان ثم يسلم إلى خازنه قال تعالى في سورة الحجر:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} [الحجر: 21].
وثالثها: سميت به لخفائها عن الناس؛ فإن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التضييق، ومعنى التضييق إخفاؤها، وسبب إخفاء ليلة القدر أن يحيي من أرادها ليالي كثيرة كما أخفى رضائه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليتحروا من الكل، وأخفى وليه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، وأخفى المستجاب من الدعوات ليدعوها بكلها، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على كل الصلوات، وأخفى وقت الموت؛ ليكون المكلف على الاحتياط في جميع الأوقات. كما ذكرنا في نور الأفئدة في تفسير:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1).
375 -
أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تحرّوا ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخري: أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: أنا، عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة تابعي، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين،
(1) انظر: التقريب (1/ 286).
(375)
أخرجه: مسلم (1165)، وأبو داود (1385)، وأحمد (4919)، (2896)، ومالك (690)، والنسائي في الكبرى (3400)، (11686)، وابن حبان (3681)، وابن أبي شيبة (2/ 394)، والبيهقي في الكبرى (8632)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 347) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
من أهل المدينة، كانت في الأقاليم السبعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كما قاله ابن حجر عن مولاه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تحرّوا بفتح الفوقية والحاء المهملة، وبضم الراء المهملة المشددة وإسكان الواو تحرى أي: اطلبوا بالجد والاجتهاد. ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان" أي: في أوتارها.
قال ابن عبد البر: هكذا رواه محمد بن الحسن عن مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه شعبة عن عبد الله بن دينار بلفظ:"تحروها ليلة سبع وعشرين" قال: المراد في ذلك العام فلا يخالف قوله فيما قبله في العشر الأواخر، أو يكون قاله، وقد مضى من الشهر ما يوجب ذلك أو أعلم، أو لأنها في العشر ثم أعلم أنها في السبع، أو خص على العشر من به بعض من القوة وعلى السبع من لا يقدر على العشر. انتهى. وهذا رواه مسلم عن يحيى النيسابوري عن مالك.
* * *
376 -
أخبرنا مالك، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: بنا، حدثنا وفي نسخة: أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، تابعي ثقة فقيه ربما دلس من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين، وله سبع وثمانون عن أبيه، مقطوعًا (1) وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا قاله ابن حجر (2) وصله البخاري من طريق يحيى القطان وعبدة بن سليمان ومسلم من طريق ابن نمير ووكيع الأربعة عن هشام عن أبيه عن عائشة موصولًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحرّوا أي: اطلبوا وفي
(376) أخرجه: البخاري (1916)، ومسلم (1169)، والترمذي (792)، وأحمد (23771)، وابن أبي شيبة (2/ 394)، والبيهقي في الكبرى (8612)، من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موصولًا.
(1)
انظر: التقريب (2/ 636).
(2)
انظر: التقريب (1/ 399).