الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
-
في بيان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من السنن المؤكدة في آخر الصلاة بعد التشهد قبل الدعاء عند الجمهور، وقال الشافعي بوجوبها، وقد انفرد بها، كذا قاله علي القاري.
الصلاة لغة: الدعاء، يقال: صل عليهم، أي ادع لهم، والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، والعابد داع كالسائل، وبهما علم قوله تعالى في سورة غافر:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، أي: أطيعوني آتاكم وسلوني أعطكم، وتجيء بمعنى الاستغفار كقوله صلى الله عليه وسلم:"إني بعثت إلى أهل البقيع؛ لأصلي عليهم"، فسر في رواية:"أُمِرتَ أن أستغفر لهم"، وبمعنى القراءة كما قال تعالى في سورة الإِسراء:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} [الإسراء: 110]، ونقل البخاري، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العالية أحد كبار التابعين: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، ورجح الشهاب أنها من الله المغفرة، وقال الرازي: الرحمة، وقال ابن الأعرابي: الصلاة من الله الرحمة، ومن الآدميين وغيرهم من الملائكة والجن: الركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطيور والهمام: التسبيح، قال تعالى في سورة النور:{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41].
292 -
أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرو بن سُلَيْم الزُّرَقِيّ، قال: أخبرني أبو حُمَيْدِ السَّاعدِيّ، قال: قالوا: يا رسول الله كيف نُصَلِّي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى أزواجه، وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ".
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة:
(292) صحيح، أخرجه: البخاري (3369)، ومسلم (407)، وأبو داود (979)، والنسائي (1294) وابن ماجه (905)، وأحمد (23089)، ومالك (397).
محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة، في الطبقة الخامسة، مات سنة خمسة وثلاثين بعد المائة، وهو ابن سبعين، كذا قاله ابن حجر (1) عن بعض المؤرخين، عن أبيه، أي ابن أبي بكر، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، عن عَمْرُو بفتح العين ابن سُلَيْم (ق 294) بالتصغير الزُّرَقِيّ، بضم الزاي، وفتح الراء، وكسر القاف، الأنصاري، ثقة من كبار التابعين، قال بعض المؤرخين: إنه مات سنة أربع ومائة من الهجرة، كذا في (التقريب) لابن حجر. أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: أخبرني أبو حُمَيْدِ بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء التحتية والدال بعدها، السَّاعِدِيّ، صحابي مشهور اسمه: المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقال بعض المؤرخين: اسمه: عبد الرحمن، شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى أول خلافة يزيد سنة ستين، كذا في (التقريب).
قال: أي: أبو حميد الساعدي: قالوا: أي: سأل جماعة من الصحابة ككعب بن عجرة وغيره، حين نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، يا رسول الله، كيف نُصَلِّي عليك؟ أي: كيف اللفظ الذي يليق أن نصلي به عليك، كما علمتنا السلام؛ لأنا لا نعلم اللفظ، ولذا عبر بكيف التي يُسأل بها عن الصفة، قال: سعد بن زيد الباجي المالكي: إنما يسألوه صفة الصلاة عليه، ولم يسألوه عن جنسها؛ لأنهم لم يأمروا بالرحمة، وإنما أمر بالدعاء، قال ابن عبد البر: فيه أن من ورد عليه خبر محتمل لا يقطع فيه شيء حتى يقف على المراد إن وجد إليه سبيلًا؛ فسألوه لما احتمل اللفظ الصلاة والمعاني، قال: أي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم السائلين عن كيفية الصلاة، بقوله:"قولوا: اللهم أصله: يا الله، حُذف منها النداء، وعوض عنها الميم المتضمنة لوجود البينونة النفسانية، وتقدير مقدمة الدعاء بالنداء؛ لإظهار كمال الضراعة، والابتهال، وللمبالغة في التضرع، أو للإِيذان بصدور المقال عنه بوفور الرغبة، وكمال النشاط، وإنما جعل هذا الاسم الأعظم عند أكثر المفسرين في أوائل الأدعية غالبًا؛ لأنه جامع معاني الأسماء الكريمة، فإن لفظ "الله" الاسم الأعظم عند أكثر
(1) انظر: التقريب (1/ 281).
المفسرين، إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى، صَلِّ على محمد، أي: اثن عليه ثناءً يليق به عند ملائكتك، أو شرِّفه تشريفًا يليق به عند أنبيائك، أو عظمه تعظيمًا يليق به عند العالمين، وعلى أزواجه، أي: عظم نسائه صلى الله عليه وسلم وهو جمع زوج، يطلق على الذكر والأنثى، قال الله تعالى في سورة البقرة:{وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} الآية [البقرة: 35]، وقد يلحقه تاء التأنيث، لكن المراد هنا نساؤه صلى الله عليه وسلم اختارهن الله تعالى لنبيه أزواجًا له في الدنيا والآخرة، حتى استحقن أن يصلي عليهن معه صلى الله عليه وسلم وأزواجه صلى الله عليه وسلم اللائي دخل بهن خلاف خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، وهي أولاهن، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ثم سودة بنت زمعة القرشية العامرية، ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التميمية، ولم (ق 295) يتزوج صلى الله عليه وسلم بكرًا غيرها، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، ثم زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية، وماتت في حياته صلى الله عليه وسلم مثل خديجة، ثم أم سلمة بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزومية، ثم زينب بنت جحش الأسدية، من بني خزيمة، ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب القرشية الأموية، ثم صفية بنت حيي بن أخطب الإِسرائيلية النضرية، من سبط هارون بن عمران عليه السلام، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية العطوية، واختلف في ريحانة القرظية، فقيل: زوجته نكحها بعد جويرية، وقيل: أم حبيبة، وقيل: سرية، وقيل: هل ماتت في حياته صلى الله عليه وسلم مرجعه من حجة الوداع أو بقيت بعده، والتسع البواقي كلهن بقين بعده، وما تقدم في ترتيب أزواجه صلى الله عليه وسلم هو الأشهر، وقيل: فيه غير ذلك، وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم على نساء غير هؤلاء لكن لم يبن في المشهور من أقاويل العلماء بواحدة منهن، فاستفتينا لذلك من ذكرهن.
وأما حرائره صلى الله عليه وسلم فقيل: إنهن أربع: مارية بكسر الراء وفتح التحتية المخففة، وهي أم إبراهيم ابنه صلى الله عليه وسلم، وريحانة المتقدمة، وأخرى أصابها في بعض السبي اسمها جميلة، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش رضي الله عنهن أجمعين، كذا قاله الفاسي في شرح (دلائل الخيرات). وذريته، أي: نسله، وهو يقع على الذكور والإِناث، وبني البنين، وبني البنات؛ فهو شامل على جميع أولاده صلى الله عليه وسلم وحفدته إلى غابر الدهر، ولا حفدة له إلا من بضعة فاطمة رضي الله عنها، كما الكاف للتشبيه، وقيل: للتعليل، وما مصدرية، فالمشبه به الصلاة، بمعنى المصدر، أو موصولة، فالمشبه به الصلاة بمعنى المفعول، صليت
جملة هي صلة الموصول فلا محل لها من الإِعراب على إبراهيم، أي: الخليل عليه السلام، فإن قيل: لم خص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر التشبيه في الصلاة بإبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه من بين سائر الأنبياء عليهم السلام؟ أجيب لوجهين: أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم رأى ليلة المعراج جميع أزواج الأنبياء والمرسلين، وسلم عليه كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي عليه في آخر الصلاة إلى يوم القيامة؛ مجازاة على إحسانه، وثانيهما: أن إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة حبس مع أهله فبكى ودعا، وقال: اللهم من حج هذا البيت من أمة محمد فهبه مني السلام، فقال أهل بيته: آمين، كذا في (خواتم الحكم)، وبارك أي: واقض بركات الدين والدنيا، أو داوم ما أعطيت من التشريف والكرامة والبركة كثرة الخير، كذا قاله الفاسي، قال العلماء: البركة هنا الزيادة في الخير والكرامة، وقيل: هي بمعنى التطهير والتزكية، أي: طهره عن كدورة أمته بالعفو والمغفرة، (ق 296) قال تعالى في سورة الأحزاب:{لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وقيل: لكثير الثواب، على محمد، وعلى أزواجه أي: نسائه أمهات المؤمنين، وذريته أي: أولاده ذكورًا وإناثًا، يعني أثبت لهم ما أعطيتهم، وأدم له الشرف والكرامة، كما باركت على إبراهيم، أي: مثل ما زدت عليه من الثواب والكرامة، إنك حميدٌ، فعيل من الحمد بمعنى مفعول، وهو من تحمد ذاته وصفاته أو المستحق لذلك، أو بمعنى حامد أي يحمد أفعال عباده حُوِّلَ للمبالغة، وذلك مناسب لزيادة الإِفضال وإعطاء المراد من الأمور الكثير، مجيد بمعنى ماجد من المجد، وهو الشرف والرفعة، وكرم الذات والفعال التي منها كثرة الإِفضال، والمعنى: إنك أهل الحمد والفعل المجيد والكرم والأفضال فاعطنا، ولا تخب رجانا، كذا قاله الفاسي.
* * *
293 -
أخبرنا مالك، أخبرنا نُعَيْم بن عبد الله الْمُجْمِر، مولى عمر بن الخطاب أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره - وهو عبد الله بن زيد الذي أُرِيَ النِّدَاءَ في النَّوْم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا مسعود أخبره - قالَ:
(293) صحيح، أخرجه: مسلم (405)، والترمذي (3220)، والنسائي (1285)، وأحمد (21847)، والدارمي (1343).
أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس معنا في مجلس سعد بن عُبَادَة، فقال له بَشِير بن سعد بن النُّعمان: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ فَصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنَّيْنَا أنَّه لم يسأله، ثم قال:"قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ؛ والسلام كما قد عَلِمْتُم".
قال محمد: كل هذا حَسَن.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة: أخبرني أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، فيِ الطبقة السابعة، من أهل المدينة، وهو في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا نُعَيْم بضم النون وفتح العين المهملة وسكونها التحتية، والميم بعدها، بن عبد الله الْمُجْمِر، بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة، على صيغة اسم الفاعل من الإِجمار من التجمير، وقد مر لقبه به في باب الغسل من بول الصبي، ثقة، في الطبقة الثالثة من أوسط التابعين، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)(1)، مولى عمر بن الخطاب أن محمد بن عبد الله بن زيد أي: ابن عبد ربه الأنصاري أي: الخزرجي في التابعين، وأبوه صحابي في رواية لمسلم، أخبره وهو أي: عبد الله بن محمد هنا عبد الله بن زيد الذي أُرِيَ بصيغة المجهول من الأراة النِّدَاءَ أي: ألفاظ الأذان في النَّوْم أي: في نومه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: سنة إحدى من الهجرة، والحاصل أن محمدًا أخبر نعيمًا أن أبا مسعود أي: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، شهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا عند جمهور أهل السير، وإنما نسب إلى ماء بدر؛ لأنه نزله وسكن الكوفة، ومات في خلافة عليّ كرم الله وجهه، أخبره أي: عبد الله بن زيد، فقالَ: أي: أبا مسعود: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس معنا في مجلس سعد بن عُبَادَة، وهو ابن ثابت الأنصاري الساعدي، سيد الخزرج، كان أحد النقباء الاثني عشر، وكان سيد الأنصار،
(1) انظر: التقريب (2/ 626).
مقدمًا فيهم وجيهًا، له رياسته تصرف قومه بها، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: فيه أن الإِمام يخصّ رؤساء الناس بزيارتهم في مجالسهم تأنيسًا لهم، فقال له أي: الرسول صلى الله عليه وسلم: بَشِير بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة، وسكون التحتية، وبعدها راء نقيض النذير، ابن سعد بن النُّعمان، وفي نسخة: ابن بشير أنصاري خزرجي شهد بدرًا وأحدًا والمشهور بعدها، ويقال له: أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار، أمرنا الله تعالى في سورة الأحزاب بقوله:(ق 297){يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ أي: فكيف باللفظ اللائق عليك بالصلاة، زاد الدارقطني: ونحن إذا صلينا عليك في صلاتنا، قال: أي: أبو مسعود: فَصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: فسكت زمانًا طويلًا، قال الزرقاني: يحتمل أن يكون سكوته حياءً أو تواضعًا إذ في ذلك رفعة له، فأحب أن لو قالوا أهم من ذلك. انتهى.
ويحتمل أن يكون سكوته انتظارًا إلى الوحي، وفيه أن من سئل عن أمر مشروع ينبغي له أن يجيب له بعد التأمل، وإن علمه؛ لئلا يقع في الخطأ وفي العجب، حتى تمنَّيْنَا أي: وددنا أنَّه لم يسأله، وليحيى: أنه لم يسأله، أي: كرهنا سؤاله مخافة أن يكون كرهه وشق عليه، ثم قال: وفي نسخة: فقال: "قولوا: للأمر للوجوب في العمر مرة واحدة اتفاقًا، وقيل: في تشهد تعقبه سلام، وقيل: كلما ذكر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف رجل ذُكِرْتُ عنده فلم يصل عليَّ"، وعندنا يكفي أن يصلي مرة واحدة في أول سمعه، وإن صلى كلما سمعه فهي أفضل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاءني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، ومن صلت عليه الملائكة كان من أهل الجنة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "أكثركم عليَّ صلاة، أكثركم أزواجًا في الجنة"، رواه عبد الرحمن بن عوف، كذا أورده أبو عبد الله محمد بن سليمان الجزول في (دلائل الخيرات)، وقال صلى الله عليه وسلم: "من كتب بيده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معي في الجنة"، كذا قاله البخاري في شرح (ألفية العراقي) في كتابه (الحديث)، وضبطه، وقال صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب"، كما قاله الإِمام الجزولي في (دلائل الخيرات). اللهم أي: الله صلِّ على محمد أي: اثني عليه ثناءً يليق به عند من مكرم عندك، وعلى آل محمد أي: أتباعه، كما صليت على إبراهيم أي: الخليل صلوات الله على نبينا وعليه.
قال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73]، وقد علم من هذا أن محمد وآل محمد من أهل بيت إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فكأنه صلى الله عليه وسلم قال: أجيبوا دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتم عندما قالوا في آل إبراهيم. انتهى. واستشكل بأن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه؛ لأن محمدًا وحده أفضل من إبراهيم وآله، وقضية ذلك أن الصلاة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصلت لغيره، وأجيب بأنه قال ذلك قبل علمه أنه أفضل من إبراهيم، وقال ذلك تواضعًا وشرعًا لأمته ليكتسبوا به الفضيلة، إنما هو صلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر كقوله تعالى في سورة النساء:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء: 163]، وكقوله في سورة القصص:{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، ورجَّح ما في (المفهم) من أن قوله: اللهم صل على محمد مقطوعًا عن التشبيه، فهو متعلق بقوله: وعلى آل محمد، وتعقب بأنه مخالف لقاعدة الأصول في رجوع المتعلقات إلى جميل الجمل، وبأن التشبيه قد جاء في بعض الروايات من غير (ق 298) ذكر الآن، وبأن غير الأنبياء لم يكن أن يساووا الأنبياء، فكيف نطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإِبراهيم، والأنبياء من آله؟ ورد هذا بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع الصفات التي كانت سببًا للثواب، كذا قاله الزرقاني (1).
وعلى آل إبراهيم، قيل: معناه اجعل لمحمد وآله الصلاة منك، كما جعلتها لإِبراهيم وآله، وبارك على محمد وعلى آل محمد، أي: اثبت لهم وأدم لهم ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في حيز النصب على أنه نصب للمصدر المؤكد، أي: بارك ما أعطيتهم مباركة طيبة، كما باركت على إبراهيم وآله، أو على أنه حال من المصدر العرف، أي: بارك عليهم البركة مشابهًا بما باركت على إبراهيم وآله، فما على الوجهين مصدرية، أو على أنه نعت لمصدر من لفظ المباركة، أي: بارك ما أعطيتهم مباركًا مماثلًا للبروك المثبت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فما موصولة أو على أنه حال من البروك، أي: بارك ما أعطيت على محمد وآله حال كونه مماثلًا لما برك على
(1) انظر: شرح الزرقاني (1/ 474).
إبراهيم وعلى آل إبراهيم، هذا خلاصة ما قاله أبو السعود في قوله تعالى في سورة البقرة:{كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183].
قال الزرقاني: فالبركة لغة التكثير، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي، وقيل: المراد بالبركة ثبات ذلك ودوامه، من قولهم: بركت الإِبل، إذا ثبتت على الأرض، انتهى، أي: المعنى لثبته ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما أثبته على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين والظرف فيه متعلق بقوله:"كما باركت"، يعني زد شرف محمد وآل محمد بين العالمين، كما زدت شرف إبراهيم وآل إبراهيم فيما بينهم، و"العالم" بفتح اللام اسم ما سوى الله تعالى من الجوهر والأعراض، وإنما سمي به؛ لأنه يعلم به الخالق القديم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع بجمع العقلاء تغليبًا لهم على غير العقلاء؛ لأن كل شيء دال على وحدانية الله تعالى، فكأنه عالم يتعالم منه ذلك، ويستدل كذا قاله أبو السعود. إنك حميدٌ فعيل، بمعنى مفعول، أي: اللهم إن ذاتك وصفاتك محمود بما يليق بهما في جميع الألسنة، أو بمعنى فاعل أي: حامد يحمد أفعال عباده، مجيدٌ بمعنى ماجد المجيد، وهو الشرف، عدل عن الإِنشاء إلى الإِخبار، وعن الغفلة إلى الإِسمية، للدوام والمبالغة، وذلك مناسب الإِفضال وإعطاء المراد من الأمور العظام.
والسلام عطف على قوله: اللهم، أي: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويؤيده قوله: كما قد عَلِمْتُم"، أي: في التشهد بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه بضم العين وكسر اللام المشددة، كذا نقله علي القاري عن النووي.
قال محمد: أي: ابن حسن بن فرقد الشيباني: كل هذا حَسَن، أي: جميع ما ورد من ألفاظ الصلاة مستحسن، إلا أن الواردين المذكورين أصحها وأشهرها، وقد روى الحديث الأول (ق 299) الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن أبي حميد الساعدي، والحديث الثاني رواه أصحاب الكتب الستة عن كعب بن عجرة، إلا أنه لم يذكر في العالمين، ولفظه: اللهم. . إلخ، واللهم بارك. . . إلخ، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، شرع في بيان حكم الاستسقاء، فقال: هذا
* * *