الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ميتًا وصلى لم تجز صلاته، ولو حمل محدثًا وصلى جازت، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).
لما فرغ من بيان حكم غسل الميت، شرع في بيان ما يُكفن الميت به من الثياب، فقال: هذا
* * *
باب ما يكفن به الميت
في بيان حكم ما أي: الثوب الذي يُكفَّن به الميت بصيغة المجهول، أي: كفن الميت بالثوب الثالث إن كان ذكرًا على الوجه السنة، وإن كان أنثى فخمسة.
305 -
أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهريّ؛ عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: الميت يقمَّص ويُؤزَّر ويُلفُّ بالثوب الثالث، فإن لم يكن إلا ثوب واحد كُفِّنَ فيه.
قال محمد: وبهذا نأْخذ، الإزار يجعل لفافة مثل الثَّوْب الآخر؛ أحَبّ إلينا من أن يُؤزَّر ولا يعجبنا أن يُنْقَص الميت في كفنه من ثوبين؛ إلا من ضرورة. وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، أي: ينسب إلى ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، ومن أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من طبقات أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن الزُّهريّ بن كلاب، تابعي مدني، في الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، عن حُمَيْد
(305) صحيح، أخرجه: مالك (512)، وعبد الرزاق في مصنفه (6191)، والبيهقي في الكبرى (6791).
بالتصغير ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري المدني، ثقة، وكان من كبار التابعين، ومن الطبقة الثانية، مات سنة خمس ومائة، كذا قاله المؤرخون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بكسر المهملة بغير ياء، هو الصواب، وليحيى عن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص بالياء، وهو وهم، كذا قاله علي القاري، وهو الصحابي ابن الصحابي، كذا قاله الزرقاني، أنه قال: الميت يقمَّص ويُؤزَّر بصيغة المجهول من باب التفعيل فيهما، أي: يلبس القميص والإِزار، وهو: أي: القميص ثوب يحمل من أصل عنق الميت إلى قدمه بلا دِخْرِيص (1) ولا جيب ولا كمين، والإِزار هو من القرن إلى القدم، ويُلفُّ بصيغة المفعول من اللف بالثوب الثالث، وهو: أي: الثالث للميت، يقال له: لفافة، وهي أيضًا من القرن إلى القدم، هذه الثلاثة من الثوب سنة الكفن للرجل إذا وجدت، لما روى أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كُفِّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب نجرانية، الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه (2)، وحلة نجرانية، قال أبو عبيد: الحلة إزار ورداء، ولا يكون الحلة إلا من ثوبين، وروى محمد عن أبي حنيفة عن حماد (ق 318) عن إبراهيم النخعي مرسلًا أنه صلى الله عليه وسلم كفن في حلة يمانية وقميص، يعني: إن كان المال المتروك كثيرًا والورثة قليلًا فالكفن للرجال على السنة ثلاثة أثواب، كما مر آنفًا، وللنساء على السنة، خمسة أثواب قميص وإزار ولفافة وخمار لوجهها ورأسها، وخرقة لربط ثديها وعرض الخرقة لما بين الثدي إلى السرة، وقيل: إن الركبة كيلا ينشر الكفن، فإن لم يكن وفي نسخة بالواو، ولكن الفاء أولى كما في (الموطأ)، ولمالك؛ لأن المقام يقتضي بالفاء التعقيبية، ويجوز أن تكون عاطفة بمقدر قدرناه بقولنا، يعني: إن كان المال المتروك كثيرًا يعني: إن لم يوجد إلا ثوب واحد كُفِّنَ أي: الرجل فيه، أي: في ثوب واحد، وتُكفن المرأة على الكفاية في ثلاثة أثواب: خمار وخرقة ولفافة للضرورة إن كان المال المتروك قليلًا والورثة كثيرة، وهنا الحديث موقوف حقيقة مرفوع حكمًا.
قال محمد الغزالي في (درة الفاخرة): إذا قيض الملك نفسًا سعيدة تناولها ملكان حسنان الوجوه عليهما أثواب حسنة، ولها رائحة طيبة، فيلقيانها في حريرة من حرير الجنة، ويعرجان بها في الهواء، فلا تزال تمر بالأمم السالفة القرون الخالية أي: الماضية،
(1) هو ما يوصل به البدن لوسعه.
(2)
أخرجه: أبو داود (3153).
كأمثال الجراد المنتشرة، حتى تنتهي إلى السماء الدنيا، ثم من السماء إلى السماء السابعة، ثم يصعدانها إلى سدرة المنتهى، ثم يمرانها في بحر من نور، ثم في بحر من ظلمة، ثم بحر من ماء، ثم من بحر من ثلج، ثم من بحر من برد، وهو بفتح الموحدة والراء المهملة المفتوحة والدال حب الغمام، كل بحر طوله ألف عام، حتى ينتهيان بها إلى الحُجُب المضروبة على عرش الرحمن، وهو ثمانية آلاف سرادق، بضم السين المهملة والراء والألف وكسر الدال المهملة والقاف حجب، ويقال له بالتركي: بردة، فحينئذ ينادي منادٍ من وراء الحُجُب من الحضرة القدسية: من هذه النفس التي جئنا بها فيقال: فلان بن فلان، فيقول الجليل جل جلاله: قربا بها فنعم العبد هو، فإذا وقف العبد بين يديه خجل ببعض اللوم والمعاتبة حتى تظن أنها هالكة ثم يعف عنها سبحانه وتعالى، ثم قال لها: سيرا بها وتزيا بها (1) مقعده من الجنة، فيسيران بها في الجنة على قدر ما يغسل الميت، فإذا غسل وكفن ردت وأدرجت بين كفنه وجسده - على قول - فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام من تكلم بخير، ومن تكلم بشر، فإذا وصل إلى قبره رد فيه الروح، ودخل عليه الملكان - أي المنكران - والنكيران فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.
قال محمد: وبهذا أي: بقول عبد الله بن عمرو بن العاص، نأْخذ، أي: نعمل ونفتي، الإِزار مبتدأ وخبره جملة، أن يجعل بصيغة المجهول، لفافة منصوب بنزع الخافض أي: كلفافة مثل الثَّوْب الآخر؛ وهو لدفع التوهم تولد من قوله: لفافة كأنه توهم، (ق 319) أن الإِزار يقوم مقام اللفافة، فيكون الكفن على السنة للرجال ثوبين: قميص وإزار في الطول، أحَبّ إلينا من أن يُؤزَّر أي: من أن يشد وسط الميت كالإِزار، وهو أي: الإِزار في اللغة ثوب يشد بالنصف الأسفل من الإِنسان، ولا يعجبنا من الإِعجاب، أي: ما حسن لنا، أن يُنْقَص بصيغة المجهول الميت مرفوع على أنه نائب الفاعل لينقص، يعني: لا ينبغي لنا أن ننقص في كفنه من ثوبين؛ إلا من ضرورة، أي: لأجل الضرورة، وهو أي: نقص كفن الميت من الثوبين لأجل الضرورة، وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله.
وذكر في (فتاوى البزازية) عن الإِمام الصفار: لو كتب على جبهة الميت أو كفنه الذي على صدره عهدنا من يرجى أن يغفر الله للميت، وهو أن يكتب: "اللهم فاطر
(1) كذا في المتن، وهي غير واضحة، ولعل المذكور هو الأنسب.