الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العجماء جرحها جبار، والبئر والمعدن جبار"، والحال أن في الركاز الخمس والمراد بالعجماء البهيمة، وبالجبار الهَدَر، وأجاب عنه علماؤنا بأن معنى الحديث عندنا أن من استأجر رجلًا لحفر معدن فانهار عليه، فهو هدر؛ لأن من استخرج معدنًا فهو له، كما سبق أن في الركاز الخمس، وهو يشمل المعدن والكنوز، حيث كل منهما يطلق عليه أنه مركوز.
هذا وقال السيوطي: وقع في زمن شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السلام أن رجلًا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقاك له: اذهب إلى موضع كذا فاحفره، فإن فيه ركازًا فخذه ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع فحفره فوجد الركاز فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنه لا خمس عليه، لصحة رؤياه، وأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن عليه الخمس، قال: وأكثر ما ينزل منامه منزله حديث روي بإسناد صحيح وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو الحديث المخرج في الصحيحين:"في الركاز الخمس"(1) انتهى.
قال علي القاري: قلت: وأيضًا حديث المنام لا يعارض حديث اليقظة؛ فإن حال فإن حالها أقوى كما لا يخفى، ولهذا لا يخفى، ولهذا لا يجوز العمل بما يُرى في المنام إذا كان مخالفًا لشرعه صلى الله عليه وسلم. انتهى.
لما فرغ من بيان أحكام الركاز، شرع في بيان أحكام صدقة البقر، فقال: هذا
* * *
باب صدقة البقر
في بيان أحكام صدقة، أي: زكاة البقرة: وهو اسم جنس يقع على الذكر والأنثى؛ فالتاء في البقرة للإِفراد لا للتأنيث، والبقر جماعة البقر مع (ق 357) رعاتها، وفي معناه الجاموس، يعني: نصاب البقر والجاموس سواء، هو ثلاثون سائمة وحولية، ففيها تبيع وهو ولد البقر الذي تم له سنة، ودخل السنة الثانية.
(1) أخرجه: البخاري (1499)، ومسلم (1710).
340 -
أخبرنا مالك، أخبرنا حُمَيْدُ بن قَيْس عن طَاوْس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذ بن جَبَل إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن كل أربعين مُسِنَّة، فَأُتِي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا، وقال: لم أسمع فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا حتى أرجع إليه، فَتُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم مُعاذ.
قال محمد: وبهذا نأخذ، ليس في أقل من ثلاثين من البقر زكاة، فإذا كانت ثلاثين ففيها تبيعٌ أو تَبيعَةٌ، والتَّبيع: الجَذَع الحَوْلِي، إلى أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مُسِنَّة، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا حُمَيْدُ بالتصغير ابن قَيْس، أي: المكي الأعرج أبي صفوان القارئ ليس به بأس، كان من الطبقة السادسة من أهل مكة المكرمة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقال بعض المؤرخين: مات بعد المائة والثلاثين، عن طَاوْس، أي: ابن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الحميري، مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان وطاوس لقب له، تابعي ثقة، فاضل، كان في الطبقة الثالثة من أهل اليمن وهو كان في الإِقليم الأول، مات سنة ست ومائة، وقيل: بعدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أي: أرسل معاذ بن جَبَل بضم الميم، أنصاري شهد بدرًا وما بعدها إلى اليمن، أي: قاضيًا أو معلمًا بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في خروجه وهو راكب، وطاوس لم يدرك معاذًا، ذكره ابن الهمام، فالحديث منقطع لكنه حجة عندنا، لا سيما وهو معتضد بأحاديث صحيحة في الوصل، صريحة، كما سنذكرها، فأمره أي: النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، وهو ولد البقرة تم سنة وطعن في السنة الثانية، سُمي به؛ لأنه يتبع أمه بعد تمام سنة، وهذا حكم التبعية، ومن كل أربعين أي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم
(340) إسناده حسن، أخرجه: مالك (598).
لمعاذ بن جبل أن يأخذ من كل أربعين بقرة لأهل اليمن مُسِنَّة، بضم الميم وكسر السين المهملة وفتح النون المشددة بنت البقرة التي تمت السنتين لها، وطعنت في السنة الثالثة، وحكمها واحد، فَأُتِي على بناء المفعول للماضي، أي: جيء معاذ بما دون ذلك أي: جاء أهل اليمن إلى معاذ بأقل من الثلاثين بقرة فقط أو أقل من الأربعين، فأبى أي: امتنع معاذ أن يأخذ منه أي: من أقل الثلاثين شيئًا، أي: زكاة، وقال: لم أسمع فيه أي: في حق الأخذ من أقل من الثلاثين من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا أي: أمرًا أو نهيًا، فاستمر على ذلك، حتى أرجع إليه، أي: لا آخذ من الأقل من الثلاثين إلى أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله، قال طاوس: فَتُوفِّي أي: قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم أي: أن جاء مُعاذ، أي: من اليمن.
قال ابن حجر في (الإِصابة): قدم معاذ من اليمن إلى المدينة في زمن خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ثم ذهب إلى الشام، فإن قيل: لم اختار النبي (ق 358) صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بأن يجعله قاضيًا على اليمن؟ أجيب بأنه اختاره بوحي من الله تعالى، لكمال فضله وورعه وحسن خلقه، وشفقته على خلق الله تعالى، قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته): روى عن بحر بن يزيد بن قطيب السلوني قال: دخلتُ مسجد حمص، فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نورٌ ولؤلؤ، فقلتُ: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل.
وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيتُ مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وإذا شاب فيهم أكحل براق الثناء، كلما اختلفوا في شيء ردوه إليه، فقلت لجليسه: من هذا؟ قال: هذا معاذ بن جبل، كان طوالًا أبيض، حسن الثنية، عظيم العينين، مجموع الحاجبين، ومن زهده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث مع غلامه صرة فيها أربعمائة دينار، وقال: اذهب بها إلى أبي عبيد، ثم قف ساعة فانظر ماذا يصنع، فذهب إليه الغلام فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين، اصرف هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ، فقال: اذهب وتله ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فقال الغلام: أعطى لك هذه أمير المؤمنين، اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه:
وصله الله تعالى، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره، فقال: إنهم إخوة بعضٌ من بعض.
ومن مرضه وفاته لما وقع الطاعون بالشام، واستقر فيها قال الناس: ما هذا إلا الطوفان، أي: عذاب، إلا أنه ليس بها، فبلغ ذلك معاذًا فقام خطيبًا، وقال: إنما هو رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، والمراد بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اجعل هلاك أمتي بالطعن والطاعون"، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمن هو أم منافق، وخافوا إمارة الصبيان، وأن معاذًا يسأل الله أن لآل معاذ حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن ثم مات، فدعا ربه لنفسه، فطعن في راحة فجعل ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه، ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئًا من الدنيا، قال أيضًا: إنها شهادة يختص بها الله ما يشاء، أيها الناس: أربع خصال من استطاع أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه، قالوا: وما هو؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح أمر رجل على دين، ويمشي على آخر ويقول الرجل: والله ما أدري على ما أنا لا يعيش على بصيرة، ولا يموت ولا يعطي الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ الأوفر من هذه الرحمة، فطعن ابناه، (ق 359) فقال: كيف تجداكما؟ قالا: يا أبانا، الحق من ربك، فلا تكونن من المميزين، قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، وطعن هو في إبهامه وجعل يمسها بفمه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها، فإنك تبارك في الصغير، واشتد به نزع الموت، فنزع نزعًا لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق فتح طرفه وقال: رب اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك، ولما حضر الموت قال: انظروا، أصبحنا، فأنى نقيل؟ فقيل: لم يصبح حتى أتى، فقيل: أصبحت، فقال: أعوذ بالله ليلة صباحها النار، مرحبًا بالموت مرحبًا زائر جاء على فاقة، اللهم إني كنت أضافك، وأنا اليوم أرجوك، إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ولمكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. انتهى.
وهو مات بالشام سنة ثمان عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ومروياته مائة وخمسون، كذا قاله علي القاري، في أول الشرح للحديث الأربعين.