المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ويقرر ذلك في موضع آخر في شرحه للأبيات التالية: أربٌّ، وعبدٌ، - آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

[عبد الهادي العمري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أهدف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌خطة البحث:

- ‌الصعوبات التي واجهت الباحث:

- ‌منهج البحث:

- ‌الشكر والتقدير

- ‌التمهيد

- ‌ترجمة ابن عجيبة ترجمة موجزة

- ‌أولًا: اسمه ونسبه وكنيته

- ‌ثانيًا: ولادته

- ‌ثالثًا: نشأته

- ‌رابعًا: طلبه للعلم

- ‌خامسًا: شيوخه

- ‌سادسًا: تلاميذه

- ‌سابعًا: مؤلفاته

- ‌ثامنًا: وفاته

- ‌التعريف بالطرق الصوفية إجمالًا

- ‌1 - الطريقة القادرية

- ‌2 - الطريقة الشاذلية

- ‌3 - الطريقة النقشبندية

- ‌4).4 -الطريقة الرفاعية

- ‌5 - الطريقة البكتاشية

- ‌6 - الطريقة التجانية

- ‌7 - الطريقة الجزولية

- ‌8 - الطريقة العيساوية

- ‌9 - الطريقة التباغية

- ‌10 - الطريقة الغزوانية

- ‌1).11 -الطائفة الناصرية

- ‌الباب الأول: مصادر التلقي عند ابن عجيبة

- ‌الفصل الأول: الكتاب والسنة

- ‌المبحث الأول: الكتاب

- ‌أولًا: مسألة: تقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة وأدلته عليها

- ‌ثانيًا: زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو واضع علم الحقيقة والشريعة

- ‌ثالثًا: استدلاله بالقول المنسوب إلى عمر رضي الله عنه

- ‌رابعًا: استدلاله بالآيات على مسألة التفسير الحرفي الإشاري لدى الصوفية، والتفسير الباطني

- ‌خامسًا: استدلاله بالكتاب، وذلك عندما فسَّر الرواسي بالأبدال في قوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}

- ‌المبحث الثاني: السُّنَّة

- ‌الجهة الأولى: أدلة الكتاب والسُّنَّة ليست يقينيَّة، بل ظنيَّة

- ‌الجهة الثانية: أخبار الآحاد تُقبل في أبواب الأعمال دون الاعتقاد

- ‌الجهة الثالثة: استدلاله بصحيح السُّنَّة على وحدة الوجود

- ‌الجهة الرابعة: الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة

- ‌الفصل الثاني: المصادر الصوفية في التلقي

- ‌المبحث الأول: الكشف

- ‌أولًا: معنى الكشف في اللغة

- ‌ثانيًا: معناه في الاصطلاح

- ‌ثالثًا: تعريفه عند ابن عجيبة

- ‌رابعًا: ذكره للعلوم الغيبية التي تحصل عن طريق الكشف

- ‌خامسًا: طريق حصول الكشف عند ابن عجيبة

- ‌المبحث الثاني: الذوق

- ‌أولًا: معنى الذوق في اللغة

- ‌ثانيًا: في اصطلاح الصوفية

- ‌ثالثًا: الذوق والوجدان أساسٌ لمعرفة التوحيد عند ابن عجيبة

- ‌المبحث الثالث: الوجد

- ‌أولًا: معنى الوجد في اللغة

- ‌ثانيًا: معنى الوجد عند الصوفية

- ‌ثالثًا: أدلة ابن عجيبة على الوجد

- ‌المبحث الرابع: الرؤى والحكايات

- ‌أولًا: الرؤى

- ‌ثانيًا: الحكايات

- ‌المبحث الخامس:دعوى التلقي عن الخضر عليه السلام

- ‌أولًا: رأي ابن عجيبة في الخضر عليه السلام أنبيٌّ هو أم ولي

- ‌ثانيًا: زعم ابن عجيبة أنَّ الخضر عليه السلام حيٌّ وأنه خاطبه

- ‌الأدلة النقلية والعقلية كافية برد شبهات القائلين بحياة الخضر عليه السلام

- ‌أولًا: الأدلة النقلية

- ‌ثانيًا: الأدلة العقلية على موت الخضر عليه السلام

- ‌الباب الثاني: آراء ابن عجيبة في أصول الإيمان ومسائله

- ‌الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله

- ‌المبحث الأول: مسائل الربوبية

- ‌أولًا: تعريف التوحيد في اللغة

- ‌ثانيًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا

- ‌ثالثًا: تعريف توحيد الربوبية في اللغة والاصطلاح

- ‌رابعًا: تعريف ابن عجيبة لتوحيد الربوبية لغة

- ‌خامسًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا

- ‌سادسًا: تقسيم التوحيد عند ابن عجيبة

- ‌سابعًا: الشرك في الربوبية

- ‌ثامنًا: طريقة ابن عجيبة في إثبات دلائل توحيد الربوبية

- ‌تاسعًا: زعم ابن عجيبة أن التوحيد الخاص سرٌّ لا يمكن لأحدٍ معرفته ولو ظهر لأبيح دم من أظهره

- ‌المبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات

- ‌أولًا: تعريف الاسم والصفة لغةً

- ‌ثانيًا: تعريف توحيد الأسماء والصفات اصطلاحًا

- ‌ثالثًا: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله وصفاته

- ‌رابعًا: الأسس الثلاثة التي يرتكز عليها معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته

- ‌خامسًا: موقفه من أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى

- ‌أولًا: آراؤه في أسماء الله عز وجل الحُسنى

- ‌أ طريقته في إثبات الأسماء الحسنى

- ‌ب: شرح ابن عجيبة أسماء الله الحسنى بما يوافق معتقده الأشعري

- ‌ج: تسميته لله عز وجل بما لم يرد في الكتاب والسُّنَّة

- ‌مسألة: الاسم والمسمَّى وموقف ابن عجيبة منها

- ‌ثانيا: آراؤه في صفات الله تعالى

- ‌أ- تقسيم الصفات وطريقته في إثباتها

- ‌ب- تأويلاته في باب الصفات

- ‌ج - التفصيل في النفي مع ذكر الألفاظ المجملة

- ‌د- قوله بالمجاز في الأسماء والصفات

- ‌المبحث الثالث: مسائل الألوهية

- ‌أولًا: تعريف الألوهية لغةً واصطلاحًا

- ‌ثانيًا: معنى الإله عند ابن عجيبة

- ‌ثالثًا: معنى توحيد الألوهية

- ‌ثالثًا: معنى لا إله إلا الله

- ‌رابعًا: أعلى درجات التوحيد عند ابن عجيبة

- ‌خامسًا: العبادة

- ‌سادسًا: موقف ابن عجيبة من بدع الصوفية في توحيد العبادة

- ‌عاشرًا: الشرك في الألوهية

- ‌الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة

- ‌المبحث الأول:معنى الإيمان بالملائكة

- ‌أولًا: تعريف الملائكة لغةً

- ‌ثانيًا: تعريف الملائكة شرعًا

- ‌ثالثًا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة

- ‌رابعًا: قدرتهم على التشكُّل، أو التمثُّل

- ‌خامسًا: عددهم

- ‌سادسًا: أعمالهم

- ‌المبحث الثاني: خلق الملائكة

- ‌المبحث الثالث:المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر

- ‌الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب

- ‌المبحث الأول: تعريف الكتب

- ‌أولًا: الكتب لغةً

- ‌ثانيًا: الكتب شرعًا

- ‌المبحث الثاني:منزلة الإيمان بالكتب من الإيمان

- ‌أولًا: رأي ابن عجيبة في الكتب المتقدِّمة

- ‌ثانيًا: استدلال ابن عجيبة على الإيمان بالكتب

- ‌ثالثًا: الإيمان بالقرآن الكريم ومنزلته

- ‌رابعًا: وجوه إعجاز القرآن

- ‌خامسًا: القرآن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

- ‌سادسًا: تفاضل آيات القرآن

- ‌سابعًا: تحريف الكتب السَّابقة

- ‌الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء

- ‌المبحث الأول:الإيمان بالرسل والأنبياء عمومًا

- ‌أولًا: تعريف النَّبي والرَّسول في اللغة

- ‌ثانيًا: تعريف النَّبي والرَّسول في الشَّرع والفرق بينهما

- ‌ثالثًا: رأيه فيما يجب ويستحيل في حَقِّ الرُّسل والأنبياء عليهم السلام وبِمَ تحصل النُّبُوَّة

- ‌رابعًا: الإيمان بالنَّبيِّ محمَّد صلى الله عليه وسلم وذكر ما جاء في خصائصه

- ‌المبحث الثاني:الفرق بين النبي والولي

- ‌أولًا: تعريف الولي في اللُّغة والاصطلاح

- ‌ثانيًا: رأي ابن عجيبة في الوليِّ والنَّبي

- ‌المبحث الثالث:عقيدته في الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌أولًا: رأيه فيما يسمَّى بالحقيقة المحمَّدية

- ‌ثانيًا: رأْيُ ابن عجيبة أنَّ الكون خُلِقَ من أجل محمَّد صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثًا: تقسيم ابن عجيبة للنَّاس في طريقة صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر

- ‌المبحث الأول: أشراط الساعة

- ‌أولًا: تعريف الأشراط في اللغة

- ‌ثانيًا: تعريفها في الشَّرع

- ‌ثالثًا: تقسيم العلماء لأشراط السَّاعة

- ‌رابعًا: وقت قيام الساعة

- ‌رابعًا [*]: رأيه فيما قيل في تحديد عمر الدنيا

- ‌خامسًا: أشراط الساعة الصغرى

- ‌سادسًا: أشراط الساعة الكبرى

- ‌المبحث الثاني:أحوال اليوم الآخِر

- ‌أولًا: تعريف اليوم الآخر

- ‌ثانيًا: معنى الإيمان باليوم الآخر

- ‌ثالثًا: فتنة القبر

- ‌رابعًا: النَّفخ في الصور والصعق

- ‌خامسًا: الحشر وأهل الموقف

- ‌سادسًا: الميزان والحساب

- ‌سابعًا: الصراط

- ‌ثامنًا: حقيقة الروح وعلاقتها بوحدة الوجود عند ابن عجيبة:

- ‌تاسعًا: علاقتها بوحدة الوجود

- ‌المبحث الثالث: الجَنَّة والنَّار

- ‌أولًا: الجَنَّة والنار مخلوقتان موجودتان

- ‌ثانيًا: الجنة والنار لا تفنيان

- ‌ثالثًا: مكان الجنَّة

- ‌الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر

- ‌المبحث الأول:معنى القدر ومراتبه

- ‌أولًا: تعريف القدر

- ‌ثانيًا: تعريف القضاء

- ‌ثالثًا: تعريف ابن عجيبة

- ‌رابعًا: مراتب القدر

- ‌خامسًا: المخالفات العقدية التي قرَّرها ابن عجيبة في مسائل القدر

- ‌المبحث الثاني: أفعال العباد

- ‌أولًا: مفهوم الكسب عند الأشاعرة، ومقصود ابن عجيبة من قوله: (لا فاعل إلا الله)

- ‌ثانيًا: دلالة الكتاب والسُّنَّة وإجماع السلف على أنَّ العباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم

- ‌ثالثًا: موقف أهل السُّنَّة والجماعة من أفعال العباد

- ‌المبحث الثالث: المشيئة والإرادة

- ‌أولاً: الإرادة الكونيَّة القدريَّة:

- ‌ثانيًا: الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة:

- ‌الفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان

- ‌المبحث الأول:مفهوم الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام

- ‌أولًا: تعريف الإيمان في اللغة

- ‌ثانيًا: تعريف الإيمان في الشرع

- ‌ثالثًا: تعريف ابن عجيبة للإيمان، وحقيقة العمل فيه

- ‌رابعًا: الفرق بين الإيمان والإسلام

- ‌المبحث الثاني:زيادة الإيمان ونقصانه

- ‌أولًا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن

- ‌ثانيًا: أدلَّة زيادة الإيمان ونقصانه من السُّنَّة

- ‌ثالثًا: رأي ابن عجيبة في زيادة الإيمان ونقصانه

- ‌المبحث الثالث:حكم مرتكب الكبيرة

- ‌أولًا: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر

- ‌ثانيًا: أدلة الكتاب والسُّنَّة على ذلك

- ‌ثالثًا: حد الكبيرة وحصرها

- ‌رابعًا: حكم مرتكب الكبيرة

- ‌الباب الثالث: آراء ابن عجيبة الصوفية

- ‌الفصل الأول: المريد والشيخ

- ‌المبحث الأول:مفهوم المريد والشيخ

- ‌أولًا: مفهوم المريد والشيخ

- ‌ثانيًا: أمور يجب على المريد أن يسلكها

- ‌ثالثًا: تجرُّد المريد عن المال

- ‌المبحث الثاني:الصلة بين المريد والشيخ

- ‌أولًا: الطاعة التامَّة والتعظيم المفرط

- ‌ثانيًا: طريقة تأسيس العلاقة بين المريد والشيخ

- ‌ثالثًا: آداب المريد مع شيخه

- ‌الفصل الثاني: الولاية والكرامة

- ‌المبحث الأول:الولاية ومراتب الأولياء

- ‌أولًا: تعريف الولاية

- ‌ثانيًا: تعريف الولي

- ‌ثالثًا: أسباب حصول الولاية

- ‌رابعًا: زَعَم أنَّ الولي يرث النَّبي

- ‌خامسًا: أقسام الولاية

- ‌سادسًا: إخفاء الولاية وأن تكون سرًّا من الأسرار

- ‌سابعًا: مراتب الأولياء

- ‌المبحث الثاني: الكرامة وأقسامها

- ‌أولًا: تعريف الكرامة في اللغة

- ‌ثانيًا: تعريف الكرامة في الاصطلاح

- ‌ثالثًا: تعريف الكرامة عند الصوفية

- ‌رابعًا: أقسام الكرامات

- ‌الفصل الثالث: الحلول والاتحاد ووحدة الوجود

- ‌المبحث الأول: الحلول والاتحاد

- ‌أولًا: تعريف الحلول والاتحاد

- ‌ثانيًا: موقفه من الحلول والاتحاد

- ‌المبحث الثاني: وحدة الوجود

- ‌أولًا: معنى وحدة الوجود في اللغة

- ‌ثانيًا: معنى وحدة الوجود اصطلاحًا

- ‌الأُولى: القائلون: بثبوت الذوات كلها في العدم

- ‌الثانية: القائلون بأنَّ وجود الله عز وجل هو الوجود المطلق والمعيَّن

- ‌الثالثة: القائلون ما ثَمَّ غير الله، ولا سوى بأيِّ وجه

- ‌ثالثًا: أسماء وحدة الوجود كما بيَّنها ابن عجيبة

- ‌رابعًا: شبهات ابن عجيبة للدلالة على وحدة الوجود

- ‌خامسًا: حكم من اعتقد وحدة الوجود

- ‌الفصل الرابع: الأحوال والمقامات

- ‌المبحث الأول: الأحوال

- ‌أولًا: تعريف الحال في اللغة والاصطلاح

- ‌ثانيًا: أمثلة على الأحوال

- ‌المبحث الثاني: المقامات

- ‌أولًا: تعريف المقام

- ‌ثانيًا: تعيين المقامات والأحوال

- ‌ثالثًا: أمثلة على المقامات

- ‌المبحث الثالث:الصلة بين الأحوال والمقامات

- ‌الفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده

- ‌المبحث الأول:موقفه من أعلام الصوفية

- ‌المبحث الثاني: موقفه من طرقها

- ‌المبحث الثالث:أثره على من بعده

- ‌أ أثره على من خلفه في الطريقة

- ‌ب أثره على أسرته

- ‌ج- أثره على من بعده في العصر الحاضر

- ‌د- امتداد الطريقة الدرقاوية

- ‌الفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية، ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السنة منها

- ‌المبحث الأول:التعريف بالطريقة الدرقاوية

- ‌أ- التعريف بالطريقة الدرقاوية وسبب تسميتها

- ‌ب- الطريقة الدرقاوية وانتشارها

- ‌المبحث الثاني: دوره في تأسيسها

- ‌المبحث الثالث:موقف أعلام السُّنَّة من الطريقة الدرقاوية

- ‌موقف أعلام السُّنَّة من قول ابن عجيبة (إنَّ أهل السُّنَّة هم الأشاعرة):

- ‌الخاتمة

- ‌التوصيات

- ‌الملاحق

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ويقرر ذلك في موضع آخر في شرحه للأبيات التالية: أربٌّ، وعبدٌ،

ويقرر ذلك في موضع آخر في شرحه للأبيات التالية:

أربٌّ، وعبدٌ، ونفي ضدِّ؟

قلتُ له: ليس ذاك عندي

فقال: ما عندكم؟ فقلنا:

وجودُ فقْدٍ، وفَقْدُ وَجْد

توحيدُ حقٍّ بتركِ حقٍّ

وليس حقٌّ سواىَ وَحْدِي

ويشرح ابن عجيبة الأبيات بقوله: "ومعناها الإنكار على من أثبت الفرق، بأن جعل للعبودية محلًّا مستقلًّا منفصلًا عن أسرار معاني الربوبية قائمًا بنفسه، ولا شكَّ أنَّ العبودية تضاد أوصاف الربوبية على هذا الفرق، وأنت تقول في توحيد الحق: لا ضدَّ له، فقد نقضت كلامك، ولذلك قال: ونفي ضدِّ؟ فالواو بمعنى مع، وهو داخل في الإنكار، أي أيوجد ربٌّ وعبدٌ مستقلٌّ مع نفي الضدِّ للربوبية، والعبودية تضاد أوصاف الربوبية، والحقُّ أنَّ الحق تعالى تجلَّى بمظاهر الجمع في قوالب الفرق، ظهر بعظمة الرُّبوبيَّة في إظهار قوالب العبودية، فلا شيءَ معه"

(1)

.

وابن عجيبة يغفل توحيد الألوهية، ويظهر ذلك من تقسيماته للتوحيد كما تقدم في مبحث سابق، فتوحيد الأفعال عند المتكلِّمين يقابله توحيد الرُّبوبيَّة عند أهل السُّنَّة والجماعة، وتوحيد الذات والصفات عند المتكلِّمين يقابل توحيد الأسماء والصفات عند أهل السُّنَّة والجماعة

(2)

.

‌خامسًا: العبادة

العبادة: مصدر عَبَد يعبُدُ عبادةً أي: أطاع، وهذا المصدر مأخوذٌ من مادة (ع ب د) التي تدلُّ على معنيين: الأولُ لينٌ وذلٌّ، والآخر شدَّةٌ وغِلَظٌ، ولا يُقال عَبَدَ

(1)

إيقاظ الهمم، ص 209.

(2)

ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 386.

ص: 340

يَعْبُدُ عِبَادَةً إلَّا لِمَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، ومنه: تَعَبَّدَ يَتَعَبَّدُ تَعَبُّدًا، فالمُتَعَبِّدُ: المُتَفَرِّدُ بالعِبَادَة، ومنه أيضًا: الطريقُ المُعبَّد وهو المسلوك المذلَّل، وأصلُ العبودية الخضوعُ والذُّل

(1)

.

وهذا التعريف اللُّغوي يوافق التعريف الشرعي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "العبادة هي غاية الذُّلِّ مع غاية الحب"

(2)

.

"وهي اسمٌ يجمع كمال الحُبِّ لله عز وجل ونهايته وكمال الذُّلِّ لله ونهايته، فالحُبُّ الخليُّ عن ذلٍّ والذلُّ الخليُّ عن حُبٍّ لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين"

(3)

.

وأخذ ذلك تلميذه ابن القيم وعرَّفها في منظومته النونية بقوله:

وعبادةُ الرحمنِ غايةُ حُبِّهِ

مع ذُلِّ عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائرٌ

ما دار حتى قامت القطبان

ومدارُه بالأمرِ أمر رسولِهِ

لا بالهوى والنَّفسِ والشيطانِ

(4)

وعرَّفها ابن عجيبة بقوله: "هي غايةُ الخضوع والتذلُّل، ومنه طريقٌ مُعَبَّد أي: مُذلَّل"

(5)

.

وقد وافق ابنُ عجيبة أهلَ السُّنَّة والجماعة في التعريف ظاهرًا، أمَّا في التطبيق فخالف الصواب ولم يعتنِ بشروطها من الإخلاص والمتابعة، وأورد تقسيمات مبتدعة لا أصل لها في الشرع كما يظهر في النماذج التي ذكرها وهي:

(1)

ينظر: مقاييس اللغة، 4/ 205 - 206، والصحاح 2/ 502.

(2)

شرح الرسالة التدمرية، ص 416.

(3)

مجموع الفتاوى 10/ 149.

(4)

الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية 1/ 179، رقم 514.

(5)

البحر المديد 1/ 34.

ص: 341

نماذج من العبادات عند ابن عجيبة:

1 -

(الإخلاص)

تعريف الإخلاص لغةً وشرعًا:

تعريف الإخلاص لغة: قال ابن فارس: "الخاء واللام والصاد أصلٌ واحدٌ مطرد، وهو تنقيةُ الشَّيءِ وتهذيبه، يقولون: خلَّصه من كذا وخلص هو، وخلاصة السَّمن: ما ألقي فيه من تمرٍ أو سويقٍ ليخلص به"

(1)

.

وقال ابن منظور

(2)

: "

وأخلصه وخلَّصه، وأخلص لله دينه: أمحضه، وأخلص الشيء: اختاره، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء

"

(3)

.

تعريف الإخلاص في الشرع:

قال ابن أبي العز: "والإخلاص: خلوُّ القلبِ من تألُّه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته فخلص لله فلم يتمكَّن منه الشيطان"

(4)

.

وقال الشوكاني: "الإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه"

(5)

.

الإخلاص وأنواعه عند ابن عجيبة.

عرَّفه ابن عجيبة بقوله: "هو إخراج الخلق من معاملة الحق ومن جملة النَّفس، فلا يُطلب لها عوضًا ولا جزاء"

(6)

.

(1)

مقاييس اللغة، ص 327.

(2)

أبو الفضل، محمد بن مكرم بن علي، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي، من نسل رويفع بن ثابت الأنصاري، ولد بمصر عام 630 هـ، له مصنفات عديدة: منها لسان العرب، سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس، كانت وفاته عام 711 هـ. ينظر: الأعلام 7/ 108.

(3)

لسان العرب 1/ 877 - 878.

(4)

شرح العقيدة الطحاوية 2/ 646.

(5)

فتح القدير 4/ 448.

(6)

مخطوط حاشية ابن عجيبة على الجامع الصغير ل/12.

ص: 342

ويقول شارحًا لتعريفه: "كيف تطلب العوض عن عمل لست له فاعلًا"

(1)

.

وكيفية تحقيق الإخلاص يكون بتخريب الظاهر، وهو بذلك يدعو لطريقة الملامتية

(2)

.

قال: "الإخلاص لا يتحقَّق ذوقًا إلا بإظهار ما ينافيه من الأغاليط، ومرجعها إلى تخريب الظاهر، إذ بقدر ما يخرب الظاهر يعمر الباطن، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن"

(3)

.

وقال في تفسيره لقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}

(4)

: والعمل الصالح هو الذي يصحبه الإخلاص في أوله، والإتقان في وسطه، والغيبة عنه في آخرة"

(5)

.

وذكر حكاية على ذلك:

فقال: "حُكي عن بعض الفضلاء أنه كان في بعض الأيام قاعدًا على الدرس، وإذا به قد أراد أن يُحوِّل ثوبه، وأومأ إليه وتحرَّك، ثم رجع عنه وجعل يستغفر الله

(1)

مخطوط حاشية ابن عجيبة على الجامع الصغير ل/12.

وهذا القول مبنيٌّ على أنَّ الإنسان لا يُعدَّ فاعلًا بناءً على كسب الأشاعرة، وسيأتي الحديث عنها في القضاء والقدر.

(2)

الملامتية: قومٌ من الصوفية سموا أنفسهم الملامتية، من الملامة؛ لأنهم يشتغلون بملامة أنفسهم ويهملون الشريعة والأخلاق، وقد اضمحلَّت كطريقة مستقلة، لكنها استمرت تظهر في سلوك كثيرٍ من الأولياء في كلِّ الطرق، اقتحموا الذنوب وقالوا: مقصودنا أن نسقط عن أعين الناس فنسلم من الجاه"، قال ابن الجوزي معلِّقًا على هذا الزعم الباطل: "وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع". ينظر: الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة، ص 336، تلبيس إبليس، ص 33.

(3)

شرح قصيدة يا من تعاظم، ضمن سلسلات نورانية فريدة، ص 26.

(4)

سورة الكهف: 110

(5)

شرح الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص 229.

ص: 343

تعالى، فسئُل عن ذلك فقال: قد كانت مني التفاته إلى ثوبي فوجدتني قد لبسته مقلوبًا فعزمت على تعديله ثم فكَّرت أنِّي قد لبسته حين قمت من الفراش بنيَّة ستر العورة، فاستغفرت الله تعالى مما أردت فعله، وعلَّق ابن عجيبة على هذه الحكاية بقوله: إنما استغفر لأنَّه قد تكون لم تحصل له النية بحضرة من كان معه في الوقت

(1)

، أو خاف أن يشوبه بشيءٍ ما لأجل حضورهم، وهذه الطائفة تأخذ بالحزم ومهما وقع لهم بشيءٍ مما يكدر نيتهم تركوا ذلك البتَّه"

(2)

.

وهذا نقل عن مجهول فكيف يقبل هذا؟ ولكنَّه سمةٌ من سمات منهجة في جعل الحكايات من مصادره كما مرَّ معنا أثناء الحديث عن مصادر التلقِّي.

أنواع الإخلاص:

الإخلاص على ثلاث درجات: درجة العوام، والخواص، وخواص الخواص، فإخلاص العوام هو: إخراج الخلق من معاملة الحق، مع طلب الحظوظ الدنيوية والأخروية، كحفظ البدن والمال وسعة الرزق والقصور والحور، وإخلاص الخواص: طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية، وإخلاص خواص الخواص، إخراج الحظوظ بالكليَّة فعبادتهم تحقيق العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، أو محبة وشوقًا إلى رؤيته"

(3)

.

(1)

قال القشيري: يريدون بالوقت ما يصادفهم من تصريف الحق لهم، دون ما يختارونه لأنفسهم، ويقولون فلان بحكم الوقت، أي: أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار له، وقال ابن عجيبة: الوقت: قد يطلقونه على ما يكون العبد عليه في الحال من قبض وبسط، أو حزن أو سرور. (وهم يقصدون بذلك الجبر)، ينظر: الرسالة القشيرية ص 131، ومعراج التشوف ص 43، وسيأتي بحثها، في مسألة القدر إن شاء الله.

(2)

تسهيل المدخل لتنمية الأعمال بالنية الصالحة عند الإقبال، د عبد المجيد المرزوقي، ص 39.

(3)

إيقاظ الهمم، ص 50.

ص: 344

بل لا يتحقق الإخلاص حتى تسقط المنزلة عند الناس كما زعم بقوله: "وقال بعض العارفين: لا يتحقق الإخلاص حتى يسقط من عين الناس، ويسقط الناس من عينه، ولذلك قال آخر: كُلَّما سقطت من عين الخلق عظمت في عين الحق، وكُلَّما عظمت في عين الخلق سقطت من عين الحق، يعني ملاحظتهم ومراقبتهم، وسمعت شيخنا يقول: ما دام العبدُ يراقب الناس ويهابهم لا يتحقق إخلاصه أبدًا"

(1)

.

وتعليق ابن عجيبة على أنه لا ينتقل من عمل هو فيه إلى عمل آخر بحجة الوقت، هو تجريد الإنسان من الإرادة الموافقة للشرع، وهذا من الباطل الذي لا يقره من معه مسكة عقل.

قال ابن تيمية: "وأمَّا خلو الإنسان عن الإرادة مطلقًا فممتنع؛ فإنه مفطورٌ على إرادة ما لا بدَّ له منه، وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه، والزاهد الناسك إذا كان مسلمًا فلا بدَّ أن يريد أشياء يحبها الله عز وجل مثل أداء الفرائض وترك المحارم، بل وكذلك عموم المؤمنين لا بدَّ أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله، وإلا فمن لم يحب الله ولا أحب شيئًا لله، فلم يحبّ شيئًا من الطاعات، لا الشهادتين ولا غيرهما، ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنًا، فلا بدَّ لكلِّ مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله

وأمَّا الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين:

(أحدهما) مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد يعلم كثيرًا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها وإذا اقتتل المسلمون والكفَّار لم يكن مريدًا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله.

(1)

إيقاظ الهمم، ص 50.

ص: 345

و (الوجه الثاني) يقع من كثير من الزُّهَّاد العُبَّاد الممتثلين لما يعلمون أنَّ الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أنَّ الله نهى عنه، وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهي عنها، فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم العلم، وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدَّرة، وقد يعاونون عليها، ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرِّضا بكلِّ حادث، بل والمعاونة عليه. وهذا موضعٌ يقع فيه الغلط فإنَّ ما أحبه الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبه الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله.

وأمَّا ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال التي لا تكليف فيها مثل أفعال النائم والمجنون، فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضًا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها.

وأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها بل هو شامل لجميع المخلوقات، والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته

وقول من قال: إنَّ العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل لا يصح ولا يسوغ على الإطلاق عن أحد من المسلمين، وإنما يقال ذلك في بعض المواضع، ومع هذا فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه، وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبَّه، فلا بدَّ أن يحب ما أحبَّه الله، ويبغض ما أبغضه الله"

(1)

.

وتجريد الإنسان من الإرادة وقع فيه الكثير من الصوفية، قال ابن تيمية: "وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أنَّ الطريقة الكاملة ألا يكون للعبد إرادة أصلًا، وأن قول أبي يزيد

(2)

: "أريد ألا أريد" -لمَّا قيل له: ماذا تريد؟ - نقصٌ

(1)

مجموع الفتاوى 10/ 481 - 485.

(2)

أبو يزيد، طيفور بن عيسى البسطامي، نسبة إلى بسطام، بلدة بين خراسان والعراق، يقول بوحدة الوجود، والفناء الصوفي، ويعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية، مات سنة 261 هـ. ينظر: ميزان الاعتدال 2/ 346 - 347.

ص: 346

وتناقض؛ لأنَّه قد أراد، ويحملون كلام المشايخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقًا، وهذا غلطٌ منهم على الشيوخ المستقيمين، وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقًا فإنَّ هذا غلطٌ ممن قاله فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور.

فإنَّ الحيَّ لا بدَّ له من إرادة، فلا يمكن حيًّا ألا تكون له إرادة، فإنَّ الإرادة التي يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة، وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركًا لما هو خير له"

(1)

.

ومما لا شكَّ فيه أنَّ مبنى الأعمال على الإخلاص

(2)

هو أصلٌ لكلِّ خير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنَّ الشيطان جعل لكلِّ شيءٍ من الخلق نظيرًا في الباطل، فإنَّ أصل الشرِّ هو الإشراك بالله كما أنَّ أصل الخير هو الإخلاص لله؛ فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا يشركوا به شيئًا وبذلك أرسل الرُّسُل، وبه أنزل الكتب كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}

(3)

، وقال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}

(4)

.

(1)

مجموع الفتاوى 10/ 494 - 495، وهذه المسألة تدخل في مسائل القدر، وأوردتها هنا لبيان ما عناه ابن عجيبة من كلمته الموهمة (الوقت)، وإلا سيتم تضمينها مع مسائل أخرى في مبحث القدر.

(2)

ينظر، تحفة الأحوذي 5/ 226.

(3)

سورة الأنبياء: 25.

(4)

سورة النحل: 36.

ص: 347

أمَّا إسقاط المنزلة بين الناس لأجل التواضع والإخلاص فمقلوبة على ابن عجيبة بكلام أهل التحقيق من العلماء.

يقول ابن رجب رحمه الله: "والإنسان قد يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يُرى أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء

قال مطرّف بن عبد الله الشخِّير

(1)

: كفى بالنَّفس إطراءً أن تذمَّها على الملأ، كأنَّك تريد بذمِّها زينتها، وذلك عند الله سفه"

(2)

.

وما سلكه ابن عجيبة من تخريب الظاهر ليحقق الإخلاص لا يوجد له أصلٌ في الكتاب والسُّنَّة ولا من أقوال سلف الأُمَّة، بل ناشئٌ من الجهل بأمرين: جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس وكمالها، وبه زينتها وجمالها.

وتخريب الظاهر منهيٌّ عنه في الكتاب والسُّنَّة، قال تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}

(3)

،

(4)

.

قال المناوي

(5)

: "

وقد أمر الشارع بالتوسُّط بين التفريط والإفراط حتى في

(1)

هو أبو عبد الله، مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، العامري الحرشي، البصرى، ثقة، عابد، فاضل، نجا من فتنة ابن الأشعث، مات سنة 95 هـ. ينظر: الجرح والتعديل 8/ 1441، تهذيب الكمال 28، 67، معاني الأخيار ممن شرح أسماء رجال معاني الآثار 3/ 48، المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير 2/ 560.

(2)

مجموع رسائل ابن رجب 1/ 88، وينظر لهذا الأثر: تاريخ دمشق 58/ 301.

(3)

سورة الأعراف: 32.

(4)

ينظر: الروح، ص 514.

(5)

هو محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي، ثم المناوي، ولد سنة 952 هـ، وتوفي سنة 1031 هـ، من مصنفاته، فيض القدير، شرح المسائل للترمذي، ينظر: الأعلام 6/ 204، معجم المؤلفين 5/ 220.

ص: 348

العبادة، وفيه ردٌّ على من تحرَّى من الصوفية لبس الصوف دائمًا ومنع نفسه من غيره وألزمها زيًّا واحدًا وعمد إلى رسوم وأوضاع وهيئات، ويرى الخروج عنها منكرًا، وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يلبس ما وجد، فلبس الكِتَّان والصوف والقطن، وما الهدي إلا هديه، وما الأفضل إلا ما سنَّه، وهو لبس ما تيسَّر من الوسط المعتدل صوفًا تارةً وقطنًا طورًا وكتانًا أخرى

"

(1)

.

ولقد سمّى ابن تيمية هؤلاء بالملامية "الذين كانوا يخفون حسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ولبس العمامة فهذا قريب، وصاحبه مأجور على نيته؛ ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة، ثم زاد الأمر ففعل قومٌ المحرمات من الفواحش والمنكرات وترك الفرائض والواجبات، وزعموا أنَّ ذلك دخول منهم في (الملاميات)، ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة، وتجب عقوبتهم جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة أو فجور"

(2)

.

بل نجد ابن تيمية مع رده للمعنى الباطل للملامية يردهم للمعنى الصحيح الوارد في الشرع، وبهذا يحصل الفرق بين (الملامية) الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك وبين (الملامية) الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك"

(3)

.

وأمَّا تقسيم الإخلاص إلى درجات فلم يرد لا في كتاب الله عز وجل ولا في سُنَّته، ولم يقل به أحدٌ من العلماء المشهود لهم باستنادهم على الكتاب والسُّنَّة وفق

(1)

فيض القدير 1/ 189.

(2)

مجموع الفتاوى 35/ 164.

(3)

المرجع نفسه 10/ 61.

ص: 349

فهم سلف الأُمَّة، ورحم الله القرافي

(1)

إذ قال: "وأصل كلِّ فسادٍ في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أنَّ أصل كلِّ خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت، والله تعالى هو المعين على الخير كله"

(2)

، والعلم الصحيح هو المستند على الكتاب والسُّنَّة وفق فهم الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ولو اتبع ابن عجيبة هديهم لما آل به هذا الحال، وقوله في موضع آخر يبيِّن أنَّ الأعمال والطاعات ليست من إرادة العبد، بل يقرر عقيدة الجبر، وليس للعبد أي تدبير، قال:"أن لا يرى لنفسه حولًا ولا قوةً لا في عمل ولا في حال ولا في مجاهدة ولا مكابدة بل ما يبرز منها الأعمال أو من الأحوال رآه منَّة من الله وهدية إليه"

(3)

.

وهذا من مغالطات المتصوفة الذين ردَّ عليهم ابن تيمية بقوله: "وقد يغلطون أيضًا في ظنِّهم أنهم يعبدون الله بلا حظٍّ ولا إرادة، وأنَّ كلَّ ما يطلب منه فهو حظُّ النفس، وتوهموا أنَّ البشر يعمل بلا إرادة ولا مطلوب ولا محبوب، وهو سوء معرفة بحقيقة الإيمان والدين والآخرة"

(4)

.

(1)

هو: شهاب الدين أحمد بن إدريس المشهور بالقرافي شهاب الدين الصنهاجي، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك رحمه الله ولد سنة 626 هـ، ومن شيوخه: عز الدين عبد السلام الشافعي، محمد بن إبراهيم بن عبد الواح المقدسي، محمد بن عمران الشهير بالشريف الكوكي، وله عدة مصنفات منها: الفروق، الذخيرة، الاستبصار فيما يدرك بالأبصار، توفي سنة 682 هـ. ينظر: الوافي بالوفيات 6/ 233 - 234.

(2)

الفروق 4/ 265.

(3)

إيقاظ الهمم، ص 434.

(4)

مجموع الفتاوى 10/ 699.

ص: 350

2 -

الدعاء

تعريف الدعاء لغةً:

الدعاء مصدر الفعل دعا، قال ابن منظور:"دعا الرَّجُلُ دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم الدعوة، ودعوت فلانًا: أصحْتُ به واستدعيته"

(1)

، و"دَعاهُ دُعاءً ودعوى، حكاه سيبويه

(2)

في المصادر التي آخرها ألف التأنيث"

(3)

، "والدعاء واحدُ الأدعية، وأصله دعاو؛ لأنه من دعوت، إلا أنَّ الواو لمَّا جاءت بعد الألف هُمِزَت"

(4)

.

تعريف الدعاء في الشرع:

قال ابن القيم: "هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضرُّه أو دفعه"

(5)

.

وقال الخطابي

(6)

: "ومعنى الدُّعاء: استدعاء العبد ربَّه عز وجل العناية، واستمداده إيَّاه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوَّة، وهو

(1)

لسان العرب 14/ 258.

(2)

هو أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر، الفارسي المعروف بسيبويه، إمام أهل النحو وحجة العربية، طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل العصر، وسُمِّي سيبويه؛ لأنَّ وجنتيه كانتا كالتفاحة كما قال إبراهيم الحربي، توفي سنة 180 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 8/ 311 - 312، تاريخ بغداد 12/ 195، وفيات الأعيان 1/ 487 - 488.

(3)

لسان العرب 14/ 257.

(4)

المرجع نفسه 14/ 257.

(5)

بدائع الفوائد 3/ 2.

(6)

هو أبو سليمان، حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، ولد سنة بضع عشرة وثلاث مئة، سمع من أبي علي الصفَّار، وأبي جعفر الرزاز، وغيرهما، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله ابن الربيع النيسابوري، وعبد الغفار بن محمد الفارسي، له تصانيف عدة منها: غريب الحديث، معالم السنن في شرح سنن أبي داود، أعلام السنن في شرح البخاري، شأن الدعاء، كانت وفاته ببست في شهر ربيع الآخر سنة 388 هـ. ينظر: وفيات الأعيان 2/ 214.

ص: 351

سمة العبودية، واستشعار الذلَّة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل وإضافة الجود والكرم إليه"

(1)

.

ولأهمية الدعاء اهتمَّ العلماء المحققون ببيانه، خوفًا من أن يقع العبد في الشرك، قال ابن تيمية: "وجماع الأمر: أنَّ الشرك نوعان: شرك في ربوبيته

وشرك في الألوهية: بأن يدعو غيره دعاء عباده، أو دعاء مسألة"

(2)

.

وقال الصنعاني: "فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلَاّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرَّخاء لا يكون إلَاّ لله وحده

"

(3)

.

وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: "وأعظم نهي نهى الله عنه الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصد بغير ذلك من أنواع العبادة"

(4)

.

مسألة وجوب ترك الدعاء:

يرى ابن عجيبة أنَّ ترك الدعاء سعادة عظمى وولاية كبرى.

قال: "العبد إذا تعمَّر قلبه بالله استغنى به حتى عن طلبه، وربما دلهم الأدب على ترك الطلب، وهذه هي السَّعادة العظمى والولاية الكبرى"

(5)

.

وقال أيضًا: "وقال بعضهم: ما سألت الله تعالى بلساني شيئًا منذ خمسين سنة، ولا أريد أن أدعو، ولا أن يُدعى لي، ويذكر ابن عجيبة سبب هذا القول مؤيدًا له فيقول: "وذلك لأن الله عز وجل ليس بغافل حتى يذكر، بل هو عليمٌ بخفيَّات

(1)

شأن الدعاء، ص 4.

(2)

اقتضاء الصراط المستقيم، ص 357.

(3)

تطهير الاعتقاد، ص 16.

(4)

مؤلفات الشيخ، القسم المختص بالعقيدة، ص 381.

(5)

إيقاظ الهمم، ص 506.

ص: 352

أمورك، فيأتيك ما قسم لك

ولا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنه لا يهملك فيما هو من قسمتك"

(1)

.

وقال في موضع آخر: "

أمَّا طلبك منه فلوجود تهمتك له؛ لأنك إنما طلبته مخافة أن يهملك أو يغفل عنك، فإنما ينبه من يجوز عنه الإغفاء، وإنما يذكر من يمكن منه الإهمال

فالسكوت تحت مجاري الأقدار أفضل عند العارفين من التضرع والابتهال"

(2)

.

ثم يذكر خلاف الصوفية في هذه المسألة ويرجِّح ترك الدعاء قال: "اختلف الصوفية أيُّ الحالين أفضل؟ هل الدعاء والابتهال، أو السكوت والرضاء؟ والمختار: أن ينظر العبد ما يتجلَّى فيه قلبه، فإن انشرح للدعاء فهو في حقِّه أفضل، وإن انقبض عنه فالسُّكوت أولى، والغالب على أهل التحقيق من العارفين الغنى بالله، والاكتفاء بعلمه، كحال الخليل عليه السلام، فإنهم إبراهيميون"

(3)

.

وابن عجيبة يذكر بأنَّ طلب الدعاء يكون لأهل البدايات واجب، قال: "إنَّ الطلب كله معلول عند ذوي الألباب

وهذا مقام أهل النهايات، وأمَّا أهل البدايات فيرخَّص لهم في طلب الحاجات، وفي كثرة الدعاء والتضرُّعات، فالدعاء في حقِّهم واجبٌ أو مندوب، وفيهم ورد الترغيب في الدعاء، والإلحاح فيه"

(4)

.

وبالنَّظر فيما ذكر في تلك المسائل التي يرى فيها أنَّ الدعاء لا يجلب به منفعة، ولا يدفع به مضرَّة، وإنما هو عبادة محضة تعبديَّة غير معقولة المعنى كبعض

(1)

إيقاظ الهمم، ص 311.

(2)

المرجع نفسه، ص 84.

(3)

البحر المديد 5/ 146، 1/ 181.

(4)

إيقاظ الهمم، ص 302.

ص: 353

أعمال العبادات الأخرى، مثل رمي الجمار وغيره

(1)

، وهؤلاء يرون أنه لا أثر للدعاء في حصول المطلوب، وعندما يدعون الله عز وجل فهم يريدون تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء؛ لأنَّ الدعاء ضربٌ من الخدمة، يريد أن يزين جوارحه بالخدمة، ومنهم يدعوا ائتمارًا بالدعاء لما أمره الله تعالى، وهؤلاء على ضربين:

منهم من يجعل الدعاء من حظ العامة

(2)

، ومنهم من يجعله للمبتدئين في الطريق، وأمَّا مقامات الخواص ترك الدعاء نظرًا للقدر

(3)

.

وطائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة الذين تركوا الدعاء بزعمهم أنَّه لا فائدة فيه؛ لأنَّ المسؤول إن كان قد قدَّر ناله ولا بدَّ وإن لم يقدر لم ينله فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء

(4)

، يعني أنَّ المشيئة الإلهية إذا اقتضت وجود ذلك المطلوب فسوف يحصل لا محالة سواءً دعا الله أم لم يدع، وإن لم تقتضيه فلا يمكن أن يحصل سواء دعا أم لا، وهذه من أفسد الأقوال شرعًا وعقلًا

(5)

.

قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}

(6)

، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}

(7)

.

(1)

ينظر: جامع المسائل 1/ 87.

(2)

قال القشيري في رسالته: "دعاء العامة بالأقوال، ودعاء الزُّهَّاد بالأفعال، ودعاء العارفين بالأحوال

وقيل: ألسِنة المبتدئين منطلقة بالدعاء وألسِنة المتحققين خرصت عن ذلك" 2/ 545.

(3)

ينظر: اللمع، للطوسي، ص 333، ومدارج السالكين 2/ 118، والفتاوى 10/ 35، 8/ 284، وبدائع الفوائد 2/ 240.

(4)

زاد المعاد في هدي خير العباد 3/ 420.

(5)

ينظر: التحفة العراقية في الأعمال القلبية، ص 188، والجواب الكافي 1/ 15.

(6)

سورة غافر: 24.

(7)

سورة فاطر: 15.

ص: 354

قال ابن تيمية: "والعبد هو فقيرٌ دائمًا إلى الله من كلِّ وجه، من جهة أنه معبوده، وأنه مستعانه، فلا يأتي بالنعم إلا هو، ولا يصلح حال العبد إلا بعبادته.

وهو مذنب أيضًا لا بدَّ له من الذنوب فهو دائمًا فقير مذنب، فيحتاج دائمًا إلى الغفور الرحيم، الغفور الذي يغفر ذنوبه، والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه ويحسن إليه، فهو دائمًا بين إنعام الرَّبِّ وذنوب نفسه"

(1)

، ويدلُّ على ذلك المعنى الشرعي للدعاء وهو: الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى.

قال الخطابي: "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه عز وجل العناية، واستمداده إيَّاه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة"

(2)

.

فكيف يترك الدعاء!! وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «قول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه إذا دعاني»

(3)

.

وهذا الحديث صريح الدلالة على صفة المعية لله سبحانه وتعالى، والله عز وجل قريبٌ من عباده إذا دعوه، قال الشوكاني: "أعظم أنواع قرب العبد من الرَّبِّ ما صرَّح به في الكتاب العزيز بقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}

(4)

،

(5)

.

قال ابن كثير: "إنَّ الله لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، وفيه ترغيبٌ في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه"

(6)

.

(1)

جامع الرسائل والمسائل 1/ 116.

(2)

شأن الدعاء، ص 4.

(3)

أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} 4/ 384، رقم 7405.

(4)

سورة البقرة: 186.

(5)

قطر الولي، ص 399.

(6)

تفسير القرآن العظيم 1/ 506

ص: 355

وقال ابن تيمية: "وهذا القرب من الداعي هو قربٌ خاصٌّ ليس قربًا عامًّا من كلِّ أحد، فهو قريبٌ من داعيه، وقريبٌ من عابديه، وأقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد"

(1)

.

والقول بأنَّ الدعاء يخضع لحالة الفرد وما تنشرح له النَّفس بعيدٌ جدًّا؛ لأنَّ حكمه باعتبار ذاته.

قال القرافي: "اعلم أنَّ الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث هو طلب من الله تعالى، وهو الندب؛ لاشتمال ذاته على خضوع العبد لرَبِّه، وإظهار ذلَّته وافتقاره إلى مولاه، فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له من متعلَّقاته ما يوجبه، أو يحرمه، والتحريم قد ينتهي إلى الكفر، وقد لا ينتهي"

(2)

.

وقال ابن القيم: "وحصول الإجابة عقيب السؤال على الوجه المطلوب دليلٌ على علم الرَّبِّ تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته بهم"

(3)

.

وقال ابن تيمية: "والقاعدة الكلية في شرعنا: أنَّ الدعاء إن كان واجبًا أو مستحبًّا فهو حسنٌ يُثاب عليه الداعي، وإن كان محرَّمًا كالعدوان في الدعاء فهو ذنبٌ ومعصية، وإن كان مكروهًا فهو ينتقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحًا مستوي الطرفين فلا له ولا عليه"

(4)

.

(1)

مجموع الفتاوى 15/ 17.

(2)

الفروق 4/ 259 - 260.

(3)

جلاء الأفهام، ص 270.

(4)

مجموع الفتاوى 8/ 336.

ص: 356

ما اعتمد عليه ابن عجيبة في قوله بوجوب ترك الدعاء:

اعتمد فيما ذهب إليه على شبهات واهية ومنها:

الشبهة الأولى: احتجاجه بالمشيئة الإلهية

قال ابن عجيبة: "قد قضى الحقُّ جل جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نَفَسٍ تُبديه إلَاّ وله قَدَرٌ فيك يُمضيه، فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها"

(1)

.

وليس فيما يقوله ابن عجيبة من تعلُّقه بأنَّ القدر سرٌّ قد استأثر الله بعلمه ما يقوِّي كون العبد لا يدع الله عز وجل ويكون ابن وقته، بل هو ردٌّ للشرائع.

قال ابن الجوزي عن هذه الشبهة: "ردٌّ لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاءوا به؛ لأنه إذا قال في القرآن: {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}

(2)

قال القائل: لماذا إن كنتُ سعيدًا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيًّا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة؟ .... وما يفضي إلى ردِّ الكتب وتجهيل الرُّسُل محالٌ باطل"

(3)

.

والدعاء من الأسباب التي أُمرنا بها لكشف الضرِّ وغيره، قال تعالى:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}

(4)

.

قال ابن القيم: "ولو تتبَّعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسُّنَّة لزاد

(1)

البحر المديد 3/ 184.

(2)

سورة الأنعام: 72.

(3)

تلبيس إبليس، 365.

(4)

سورة النمل: 62.

ص: 357

على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغةً بل حقيقة، ويكفي شهادة الحسِّ والعقلِ والفطر"

(1)

.

وإلغاء الأسباب بالكليَّة قدحٌ في الشرع، قال ابن القيم:"الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكليَّة قدحٌ في الشرع، وإنما التوكل والرَّجاء معنى يتألَّف من موجب التوحيد والعقل والشرع"

(2)

.

والله عز وجل ربط الأسباب بمسبباتها "وأنَّ العبد فاعلٌ لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار، وقدرته مؤثِّرة في مقدورها كما تؤثِّر القوى والطبائع، وغير ذلك من الشروط والأسباب"

(3)

.

الشبهة الثانية: قوله بأنَّ علم الله عز وجل بحال العبد يترتَّب عليه عدم الدعاء

ويظهر هذا جليًّا في قوله: "وذلك لأنَّ الله عز وجل ليس بغافل حتى يُذَكَّر، بل هو عليمٌ بخفيَّات أمورك، فيأتيك ما قسم لك

ولا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنَّه لا يهملك فيما هو من قسمتك"

(4)

.

وابن عجيبة حين يذكر ذلك فهو متَّبعٌ لأسلافه الصوفية في هذه المسألة إذ هذا هو ديدنهم، ويحتجون بما روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام:«حسبي من سؤالي علمه بحالي»

(5)

.

(1)

شفاء العليل 1/ 189.

(2)

مجموع الفتاوى 8/ 169، 170، منهاج السُّنَّة 5/ 366، والآداب الشرعية 2/ 286.

(3)

منهاج السُّنَّة النبوية 3/ 109.

(4)

إيقاظ الهمم، ص 311.

(5)

ذكره البغوي في التفسير، حكاية عن كعب الأحبار 3/ 350، وينظر: روح المعاني 2/ 82، والرسالة القشيرية 1/ 420.

ص: 358

وهذه ضلالة كبرى، وهي كما قال ابن الجوزي:"سدٌّ لباب السؤال والدعاء، وهو جهلٌ بالعلم"

(1)

.

وأصل شبهتهم: أنَّ الشَّيء إذا عُلم وكُتب أنه يكفي ذلك في وجوده ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله، وسائر الأسباب

(2)

.

وقد ردَّ ابن تيمية على أصل شبهتهم "من وجهين:

الوجه الأول: من جهة كونه جعل العلم جهلًا، فإنَّ العلم يطابق المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أنَّ المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب؛ لأنَّ ذلك هو الواقع، فمن قال: إنَّه يعلم شيئًا بدون الأسباب فقد قال على الله الباطل، وهو بمنزلة من قال: إنَّ الله يعلم أنَّ هذا الولد وُلِد بلا أبوين وأنَّ هذا النبات نبت بلا ماء.

الوجه الثاني: أنَّ العلم بأنَّ الشَّيء سيكون والخبر عنه بذلك وكتابة ذلك لا يوجب استغناء ذلك عمَّا به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها كالفاعل وقدرته ومشيئته؛ فإنَّ اعتقاد هذا غايةٌ في الجهل، إذ هذا العلم ليس موجبًا بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء، بل هو مطابقٌ له على ما هو عليه لا يكسبه صفةً ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا كالموجودات التي كانت قبل وجودنا مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته فإنَّ هذا العلم ليس مؤثِّرًا في وجود المعلوم باتفاق العلماء، وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرِّفنا صفته وقدره، فإنَّ الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممَّن له

(1)

تلبيس إبليس، ص 337.

(2)

ينظر: مجموع الفتاوى 8/ 277.

ص: 359

شعور وعلم إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم"

(1)

.

الشبهة الثالثة: استدلاله بحديث «حسبي من سؤالي علمه بحالي»

فقد قال معلِّقًا: "ولا شكَّ أنَّ من كان على ملة إبراهيم عليه السلام اقتدى به، وقد كان بين السَّماء والأرض حين رُمي به، فاستغنى بعلم الله عن سؤاله، فكانت حالة إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت الاستغراق في الحقيقة"

(2)

.

وهذا الحديث ردَّه علماء الإسلام السابقون واللاحقون، قال عنه ابن تيمية:"ليس له إسنادٌ معروفٌ وهو باطل"

(3)

، وقال عنه الألباني:"لا أصلَ له"

(4)

.

وهذا من ناحية الإسناد، أمَّا من ناحية المعنى فالذي ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «(حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النَّار، وقالها: محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}

(5)

»

(6)

.

وفي هذا أنَّ إبراهيم عليه السلام لم يسأل الله عز وجل بل دعا الله عز وجل أثناء قيامهما برفع قواعد البيت الحرام، قال تعالى:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}

(7)

، ودعا ربَّه عندما ترك زوجه وابنه في وادٍ غير

(1)

مجموع الفتاوى 8/ 280، وينظر: جامع الرسائل 1/ 172.

(2)

إيقاظ الهمم، ص 311.

(3)

قاعدة في التوسل، ص 35.

(4)

السلسلة الضعيفة 1/ 28، رقم 21.

(5)

سورة آل عمران: 173.

(6)

أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} 3/ 211، رقم 4563.

(7)

سورة البقرة: 127.

ص: 360

ذي زرع، قال الله تعالى:{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}

(1)

.

وبهذا يتضح أنَّ هذا الحديث الذين جعلوه عمدةً لهم خالف الأدلة القطعية من الكتاب والسُّنَّة، قال ابن الجوزي:"ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنَّه موضوع"

(2)

.

وهذه فريةٌ على إبراهيم عليه السلام دحضها ابن تيمية بقوله: "فكيف يقول إبراهيم عليه السلام: حسبي من سؤالي علمه بحالي، والله بكلِّ شيءٍ عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكَّلوا عليه ويسألوه؛ لأنَّه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين، وإجابة السائلين، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بأنَّ هذا محتاجٌ أو هذا مذنبٌ لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تُقضى بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته"

(3)

.

فيجب على كلِّ من نصح نفسه وأحبَّ نجاتها أن يتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، إذ سعادة العبد في الدارين معلَّقة بهدية صلى الله عليه وسلم، وهو القائل:«الدعاء هو العبادة»

(4)

.

(1)

سورة إبراهيم: 37.

(2)

ينظر: تدريب الراوي 1/ 277، وفتح المغيث 1/ 269.

(3)

مجموع الفتاوى 14/ 51.

(4)

أخرجه أحمد في مسنده 4/ 271، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الدعاء 2/ 161، رقم 1479، والترمذي في جامعه في تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة 5/ 194، رقم 2969، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء 4/ 262، رقم 3828، والحاكم في المستدرك 1/ 490، من حديث النعمان بن بشير، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 3407.

ص: 361

الشبهة الرابعة: زعمه أنَّ الدعاء فيه سوء أدبٍ مع الله عز وجل، واتهام لله بعدم إعطاء العبد ما يستحق

حيث قال: "طلبك منه فلوجود تهمتك له، وربما دلَّهم الأدب على ترك الطلب"

(1)

.

والصحيح أنَّ ترك الدعاء هو من سوء الأدب مع الله عز وجل، ولقد كان أفضل البشر وأكملهم هو نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم يدعو الله عز وجل ولم يُغفل الدعاء، والأحاديث مستفيضةٌ بذلك، منها:

1 -

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند الكرب يقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم»

(2)

.

2 -

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة ذي النُّون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنَّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له»

(3)

.

قال ابن القيم: "فإنَّ فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرَّبِّ تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه، ما هو من أبلغ أدوية الكربِ والهمِّ والغمِّ، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج؛ فإنَّ التوحيد والتنزيه يتضمَّنان إثبات كلِّ كمالٍ لله، وسلب كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه، والاعتراف بالظلم يتضمَّن إيمان العبد بالشَّرع

(1)

إيقاظ الهمم، ص 84، 310.

(2)

أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب الدعاء عند الكرب 8/ 93، رقم 6345.

(3)

أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم 5/ 484، رقم 3505، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع، رقم 3383.

ص: 362

والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة أمور قد وقع التوسُّل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف"

(1)

.

3 -

وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار»

(2)

.

4 -

وكان يأمر الرَّجُلَ الذي أسلم بعد أن يعلِّمه الصلاة أن يدعو بهذه الكلمات «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني»

(3)

.

وسؤال الله عز وجل هو حقيقة العبادة، قال ابن رجب:"اعلم أنَّ سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين؛ لأنَّ السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا إلى الله وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة"

(4)

.

الشبهة الخامسة: زعمه أنَّ ترك الدعاء من مقام الخواص

حيث قال: "وترك الدعاء مقام أهل النهايات أي الخواص، وأمَّا أهل البدايات فيُرخَّص لهم في طلب الحاجات، وفي كثرة الدعاء والتضرُّعات، فالدُّعاء في حقِّهم واجب"

(5)

.

(1)

زاد المعاد في هدي خير العباد 4/ 190.

(2)

أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} 6/ 28، رقم 4522.

(3)

أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، 4/ 2073، رقم 2697.

(4)

جامع العلوم والحكم، ص 481.

(5)

إيقاظ الهمم، ص 302.

ص: 363

أمَّا التفريق بين الخاص والعام وأهل البداية والنهاية، فلم يرد فيه نصٌّ من الكتاب والسُّنَّة بل هو من عند ابن عجيبة وقومه، وتمييز بين الخاصَّة والعامَّة دعوى معلولة، فهذه الأعمال يستوي فيها الصدِّيقون والشهداء والصالحون، ومن أراد خروج الخاصَّة عنها فقد غلط، فإنَّه لا يخرج عنها مؤمن قط، وإنما يخرج عنها كافر أو منافق

(1)

.

وأفضل الخلق بعد الأنبياء أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلِّمه دعاء يدعو به في صلاته، ففي الصحيحين أنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال:«قل اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنَّك أنت الغفور الرحيم»

(2)

.

ولقد أبان ابن تيمية أهمية الدعاء بتفسيره لسورتي الإخلاص والمعوذتين، فقال: "وأمَّا سورة الإخلاص والمعوذتان، ففي الإخلاص الثناء على اللَّه، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه، والثناء مقرون بالدعاء، كما قرن بينهما في أمِّ القرآن المقسومة بين الرَّبِّ والعبد نصفها ثناءٌ للرَّب، ونصفها دعاءٌ للعبد، والمناسبة في ذلك ظاهرة؛ فإنَّ أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به من الرسالة وهو القرآن، ثم الإيمان بمقصود ذلك وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه من النعيم والعذاب، وهو الجزاء، ثم معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال، خيرها ليفعل، وشرها ليترك ثم ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر اللَّه ودعاؤه، كما بنيت عليه أمُّ القرآن، فإنَّ حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق،

(1)

ينظر مجموع الفتاوى 10/ 16 - 17.

(2)

أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام 1/ 166، رقم 834.

ص: 364

والمنطق قسمان: خبرٌ وإنشاء، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن اللَّه كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وأنفعه وأوجبه ما كان طلبًا من اللَّه، كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين"

(1)

.

فكيف حال من لم يلتزم الكتاب والسُّنَّة في دعائه، لا شكَّ أنه سيتخبَّط في أودية الباطل؛ لأنَّ لزوم السُّنَّة هو الذي يحفظ من شر النفس والشيطان بدون اختلاق طرق مبتدعة.

الأوراد والأحزاب التي ذكرها ابن عجيبة:

تعريف الأوراد:

قال ابن عجيبة هي: "ما يرتبه العبد على نفسه، أو الشيخ على تلميذه من الأذكار"

(2)

.

وقسَّم ابن عجيبة الورد إلى ثلاثة أقسام، وهي:

1 -

ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين.

2 -

ورد أهل السُّلوك من السَّائرين.

3 -

ورد أهل الوصول من العارفين.

إذ قال: "الورد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين، وورد أهل السُّلوك من السَّائرين، وورد أهل الوصول من العارفين، فأمَّا ورد المجتهدين فهو استغراق الأوقات في أنواع العبادات، وعباداتهم بين ذكر ودعاء وصلاة وصيام، وقد ذكر في كتاب الإحياء والقوت أوراد النهار وأوراد الليل، وعيَّن لكلِّ وقتٍ وردًا

(1)

مجموع الفتاوى 16/ 478 - 479.

(2)

إيقاظ الهمم، ص 218.

ص: 365

معلومًا، أمَّا ورد السائرين فهو: الخروج من الشواغل والشواغب، وترك العلائق والعوائق، وتطهير القلوب من المساوي والعيوب، وتحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل، وعبادتهم ذكر واحد، وهو ما يعيِّنه له الشيخ، لا يزيد عليه مع جمع القلب وحضوره مع الرَّبِّ، وأمَّا ورد الواصلين فهو إسقاط الهوى، ومحبَّة المولى، وعبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة فكلُّ من أقامه موالاه في ورد فليلتزمه ولا يتعدَّى طوره"

(1)

.

أمثلة للأوراد التي ذكرها ابن عجيبة:

*حزب الحفظ والتحصُّن

قال: "اللهم احفظنا من القواطع والعلائق ومكِّن أسرارنا من أنوار الحقائق حتى ننخرط في سلك المقرَّبين السوابق".

"اللهم احفظ أرواحنا من خوض الأغيار وصن أسرارنا من لوث الآثار ومن الوقوف مع الأنوار حتى لا نشهد إلا إيَّاك في السِّرِّ والإجهار".

إلهنا قد علمنا أنَّ قضاءك النافذ في العبيد لا ترده همة عارف ولا مريد، لكن لطفك الخفي وتأييدك الوفي يجريان مع كلِّ قضاء عند كل عارف وولي، فأشهدنا ذلك اللُّطف الخفي في جميع الأقدار، وارزقنا ذلك التأييد الوفي عند هجوم الأكدار يا كريم يا حليم يا غفَّار".

اللهم اكفنا شر العدا

اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، ألف بسم الله الرحمن الرحيم عن يميني، وألف بسم الله الرحمن الرحيم عن شمالي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من أمامي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من

(1)

إيقاظ الهمم، ص 218.

ص: 366

خلفي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من تحتي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من فوقي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم محيطة بي

(1)

.

*حزب العز والنصر

"اللهم افتح أبصارنا لشهود عظمتك، حتى نراك بك لا بغيرك، وافتح أسماعنا لسماع كلامك، حتى نسمع بك منك، وافتح قلوبنا لورود مواهب غيبك، حتى تمتلئ بأنوار محبتك إنك ذو الفضل العظيم.

اللهم افتح لنا من فيض أسرار العلوم، ومكنَّا من خزائن الفهوم، واكشف عن قلوبنا أكنَّة الحجب يا حيُّ يا قيوم.

اللهم يا فتاح يا رزاق ارزقنا من قوت أشباحنا ما تسد به عنَّا باب الفقر إلى خلقك، ومن قوت أرواحنا ما تغنينا به عن شهود غيرك، ومن قوت أسرارنا ما تجمعنا به دائمًا في حضرة قدسك، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير"

(2)

.

هذه الأوراد التي ذكرها ابن عجيبة مع ما تضمَّنته من عقائد الصوفية الباطلة كبدعة وحدة الوجود، والكشف، جميعها تكشف حقيقة الصوفية وأنهم قد وقعوا في كيد الشيطان وحبائله، فابتدعوا في دين الله مالم يشرعه الله ولم يسنّه رسوله صلى الله عليه وسلم، لذا فإنَّ كل من اتخذ شيئًا من الأذكار غير المشروعة وداوم عليها وجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله، وعمله مردودٌ عليه، قال صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(3)

.

(1)

الفهرسة، ص 130.

(2)

الفهرسة، ص 132 - 133 - 134.

(3)

أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور 6/ 257، رقم 1718.

ص: 367

ولقد انبرى العلماء للردِّ على كلِّ من ابتدع شيئًا من هذه الأوراد.

فحذَّر القاضي عياض من الأدعية المنسوبة للأنبياء عليهم السلام بقوله: "أذن الله في دعائه، وعلَّم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لأُمَّته، واجتمعت فيه ثلاث أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأُمَّة، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعدل عن دعائه، وقد احتال الشيطان للناس في هذا المقام، فقيَّض لهم قومَ سوءٍ يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح"

(1)

.

وقال الخطابي: "ولقد أولع بعضٌ من المسلمين بأدعية وأذكار منكرة مخترعة، ما أنزل الله بها من سلطان، صنَّفها لهم بعض المتكلِّفين من أهل الجهل والجرأة على الله، وأكثرها زورٌ وافتراءٌ على الله عز وجل "

(2)

.

وحذَّر ابن العربي من هذه الأدعية المختلقة فقال: "فحذار منها، ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة، وهي كتاب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، فهذه الكتب هي بدء الإسلام

ولا يقولنَّ أحدٌ: أختار دعاء كذا; فإنَّ الله قد اختار له، وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله"

(3)

.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد»

(4)

.

(1)

نقل هذا القول ابن علان عن القاضي عياض في الفتوحات الربانية 1/ 17، ولم أجده في كتبه رحمه الله.

(2)

شأن الدعاء، ص 16.

(3)

أحكام القرآن 2/ 816.

(4)

أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود 3/ 184، رقم 2697، ومسلم، كتاب الحدود، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور 3/ 1323، رقم 1718.

ص: 368

وعلَّم نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب رضي الله عنه دعاءً وأمره بالتزام النص بدون زيادة أو نقصان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا أتيت مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» ، قال: فرددتُها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغتُ (اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت) قلتُ (ورسولك)، قال:«لا، ونبيك الذي أرسلت»

(1)

.

وهذا لأنَّ العبادات توقيفية، فلا زيادة ولا نقصان، رغم أنَّ المعنى صحيح، ويستقيم الكلام.

وقال ابن حجر: "وأولى ما قيل في الحكمة في ردِّه صلى الله عليه وسلم على من قال: (الرسول) بدل (النَّبي) أنَّ ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللَّفْظ الذي وردت به

فيقتصر فيه على اللَّفْظ الوارد بحروفه، وقد يتعلَّق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فتعيَّن أداؤها بحروفها"

(2)

.

قال ابن تيمية: "العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع؛ فإنَّ الإسلام مبنيٌّ على أصلين، أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا نعبده بالأهواء والبدع قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء 1/ 97، رقم 244.

(2)

فتح الباري 11/ 112.

(3)

سورة الجاثية: 18، 19.

ص: 369

وقال في موضعٍ آخر: "وليس لأحدٍ أن يَسنَّ للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادةً راتبةً يواظب الناس عليها، كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سُنَّة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمَّن معنى محرَّمًا لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أنَّ الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب، وأما اتخاذ وردٍ غير شرعيٍّ واستنان ذكرٍ غير شرعي فهذا مما يُنهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العليَّة، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهلٌ أو مفرِّط أو متعد"

(1)

.

وممَّا قرَّره أهل العلم أنَّ من ندب إلى شيءٍ يتقرَّب به إلى الله عز وجل أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله عز وجل فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين مالم يأذن به الله

(2)

، ويجدر التنبيه على أمرٍ هامٍّ بأنَّ المؤمن ينبغي له أن ينوِّع في الأذكار المشروعة اتباعًا للسُّنَّة، ولزوال الفرقة والاختلاف.

قال ابن تيمية: "التنوع في ذلك متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ في هذا اتباعًا للسُّنَّة والجماعة، وإحياء لسُنَّته، وجمعًا بين قلوب الأُمَّة، وأخذًا بما في كلِّ واحدٍ من الخاصة، أفضل من المداومة على نوع معيَّنٍ لم يداوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم لوجوه:

أحدها: أنَّ هذا هو اتباع السُّنَّة والشريعة فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قد فعل هذا

(1)

مجموع الفتاوى 22/ 511.

(2)

ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 84.

ص: 370

تارة وهذا تارة ولم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسِّي والاتباع المشروع وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنَّه فعله.

الثاني: أنَّ ذلك يوجب اجتماع قلوب الأُمَّة وائتلافها وزوال كثرة التفرُّق والاختلاف والأهواء بينها، وهذه مصلحة عظيمة ودفع مفسدة عظيمة ندب الكتاب والسُّنَّة إلى جلب هذه ودرء هذه، قال الله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}

(1)

، وقال تعالى:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}

(2)

، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}

(3)

.

الثالث: أنَّ ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبَّه بالواجب، فإنَّ المداومة على المستحب أو الجائز مشبَّهة بالواجب ولهذا أكثر هؤلاء المداومين على بعض الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه وقلب غيره أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات؛ لأجل العادة التي جعلت الجائز كالواجب.

الرابع: أنَّ في ذلك تحصيل مصلحة كلِّ واحد من تلك الأنواع؛ فإنَّ كلَّ نوعٍ لا بدَّ له من خاصة وإن كان مرجوحًا فكيف إذا كان مساويًا، وقد قدَّمنا أنَّ المرجوح يكون راجحًا في مواضع.

الخامس: أنَّ في ذلك وضعًا لكثيرٍ من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأُمَّة بلا كتابٍ من الله ولا أثارةٍ من علم؛ فإنَّ مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحًا له على غيره ترجيحًا يحب من يوافقه عليه ولا يحب من لم يوافقه

(1)

سورة آل عمران: 103.

(2)

سورة آل عمران: 105.

(3)

سورة الأنعام: 159.

ص: 371

عليه، بل ربما أبغضه بحيث ينكر عليه تركه له ويكون ذلك سببًا لترك حقوق له وعليه يوجب أن ذلك يصير إصرًا عليه لا يمكنه تركه، وغلًّا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما أُمر به، وقد يوقعه في بعض ما نهي عنه، وهذا القدر الذي قد ذكرته واقع كثيرًا، فإنَّ مبدأ المداومة على ذلك يورث اعتقادًا ومحبَّةً غير مشروعين، ثم يخرج إلى المدح والذم والأمر والنهي بغير حق، ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين من جنس أخلاق الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج في الجاهلية.

ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع فيبذل ماله على ذلك عطيةً ودفعًا وغير ذلك من غير استحقاقٍ شرعيٍّ، ويمنع من أمر الشارع بإعطائه إيجابًا أو استحبابًا، ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال كما وقع في بعض أرض المشرق، ومبدأ ذلك تفضيل ما لم تفضله الشريعة، والمداومة عليه وإن لم يعتقد فضله سبب لاتخاذه فاضلًا اعتقادًا وإرادة، فتكون المداومة على ذلك إمَّا منهيًّا عنها وإمَّا مفضولة، والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل.

السادس: أنَّ في المداومة على نوعٍ دون غيره هجرانًا لبعض المشروع وذلك سببٌ لنسيانه والإعراض عنه، حتى يعتقد أنَّه ليس من الدين بحيث يصير في نفوس كثيرٍ من العامَّة أنه ليس من الدين وفي نفوس خاصة هذه العامة عملهم مخالف علمهم، فإنَّ علماءهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون بيان ذلك إما خشيةً من الخلق وإمَّا اشتراءً بآيات الله ثمنًا قليلًا من الرئاسة والمال كما كان عليه أهل الكتاب، كما قد رأينا من تعود ألا يسمع إقامة إلا موترة أو مشفوعة فإذا سمع الإقامة الأخرى نفر عنها وأنكرها ويصير كأنه سمع أذانًا ليس أذان المسلمين، وكذلك من اعتاد القنوت قبل الركوع أو بعده، وهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة

ص: 372

والبغضاء بين الأمة، قال الله تعالى:{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}

(1)

فأخبر سبحانه أنَّ نسيانهم حظًّا مما ذُكِّروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، فإذا اتبع الرَّجلُ جميعَ المشروع المسنون واستعمل الأنواع المشروعة هذا تارة وهذا تارة كان قد حفظت السُّنَّة علمًا وعملًا وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك، ونكتة هذا الوجه أنه وإن جاز الاقتصار على فعل نوع لكن حفظ النوع الآخر من الدين ليعلم أنه جائز مشروع وفي العمل به تارة حفظ للشريعة وترك ذلك قد يكون سببًا لإضاعته ونسيانه.

السابع: أنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان والعدل التسوية بين المتماثلين وحرَّم الظلم على نفسه وجعله محرَّمًا بين عباده، ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينيَّة، فإنَّ العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال كالقصاص والمواريث وإن كان واجبًا وتركه ظلم فالعدل في أمر الدين أعظم منه وهو العدل بين شرائع الدين وبين أهله، فإذا كان الشارع قد سوَّى بين عملين أو عاملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك والتفضيل أو التسوية بالظن وهوى النفوس من جنس دين الكفَّار، فإنَّ جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدهم دينه إمَّا ظنًّا وإمَّا هوى إمَّا اعتقادًا وإمَّا اقتصادًا وهو سبب التمسُّك به وذم غيره"

(2)

.

والأفضل والأتم والأكمل هو التمسُّك بالأدعية التي سنَّها لنا النبي صلى الله عليه وسلم "فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض

(1)

سورة المائدة: 14.

(2)

مجموع الفتاوى 24/ 247.

ص: 373