الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: تعريف ابن عجيبة
أ- تعريفه للقدر: "القَدَر -بتحريك الدال المهملة وسكونها- مصدر قدَّرتُ الشَّيءَ: إذا أحطت بمقداره، وهو عبارة عن تَعَلُّق عين علم الله بالكائنات قبل وجودها، فلا يظهر في عالم الشَّهادة شيءٌ من الخلائق إلا وقد سبق علمه وقدره السَّابق، ولا يصدر من خلقه قول ولا فعل ولا حركة ولا سكون إلَّا وقد سبق في علمه وقدره كيف يكون"
(1)
.
ب- تعريفه للقضاء: "والرضا بقضائه وقدره هو: الخروج عن تدبيره واختياره إلى حسن تدبير الله عز وجل واختياره"
(2)
.
وقال في موضع آخر: "الرضا: تلقِّي المهالك بوجهٍ ضاحك، أو سرور يجده القلب عند حلول القضاء، أو ترك الاختيار على الله فيما دَبَّر وأمضى، أو شرح الصدر ورفع الإنكار لما يرد من الواحد القهَّار"
(3)
.
رابعًا: مراتب القدر
ذكر ابن عجيبة مراتب القدر، وهي:
1 -
العلم:
قال في تفسيره لقول الله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}
(4)
، "فقد أحاط الله بذلك، علمًا وسمعًا وبصرًا، فالآية مقرِّرة لما قبلها من كمال علمه وشموله"
(5)
.
(1)
سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر، ص 50.
(2)
اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص 85.
(3)
معراج التشوف، ص 23.
(4)
سورة الرعد: 10.
(5)
البحر المديد 3/ 12.
وفي قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}
(1)
: "لأنَّ علمه أحاط بكلِّ معلوم"
(2)
.
وفي قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}
(3)
: "أحاط علمنا بكلِّ شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا"
(4)
.
وفي قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
(5)
: "ومن كان في علم الله أنه يموت على الضلال"
(6)
.
2 -
الكتابة.
قال في تفسيره لقول الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
(7)
: "الاستفهام للتقرير، أي: قد علمت أنَّ الله يعلم كل ما يحدث في السَّماء والأرض، ولا يخفى عليه شيءٌ من الأشياء، ومن جملتها: ما تقوله الكفرة وما يعملونه، إنَّ ذلك في كتابٍ في اللَّوح المحفوظ، إنَّ ذلك على الله يسير أي: علمه بجميع ذلك عليه يسير"
(8)
.
(1)
سورة إبراهيم: 38.
(2)
البحر المديد 3/ 67.
(3)
سورة الأنبياء: 81.
(4)
البحر المديد 3/ 484.
(5)
سورة الزخرف: 40.
(6)
البحر المديد 5/ 250.
(7)
سورة الحج: 70.
(8)
البحر المديد 3/ 551.
3 -
المشيئة.
قال في تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}
(1)
: "ونكتب ما قدَّموا أي: ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها، وآثارهم ما تركوه بعدهم من آثار حسنة
…
وكل شيءٍ أحصيناه: حفظناه أو عددناه وبيَّناه في إمامٍ: كتاب مبينٍ اللوح المحفوظ؛ لأنَّه أصل الكتب وإمامها"
(2)
.
4 -
الخلق والإيجاد.
(3)
: "قُلْ يا محمَّدُ للمشركين: من ربُّ السماوات والأرض أي: خالقهما، ومدبِّر أمرهما، قل لهم: هو الله لا خالق سواه، ولا مدبِّر غيره، أجاب عنهم بذلك، إذ لا جواب لهم سواه؛ لأنهم يقرون به، ولكنَّهم يشركون به"
(4)
.
وقال في موضعٍ آخر: "والله عز وجل خلق الخلق وأعمالهم، وقدَّر أرزاقهم وآجالهم"
(5)
.
وقال أيضًا: "يعلم الخواطر وخفيَّات السرائر بعلمٍ قديمٍ أزليٍّ لم يزل موصوفًا في
(1)
سورة يس: 12.
(2)
البحر المديد 4/ 560.
(3)
سورة الرعد: 5.
(4)
البحر المديد 3/ 16.
(5)
مخطوط رسائل في العقائد ل/5.
أزل الأزل لا بعلمٍ متجدِّد"
(1)
.
وفي الحقيقة أنَّ ابن عجيبة أثبت مراتب القدر إجمالًا، لكنَّه خالف في المسائل التفصيلية في القدر، كما هو الحال في المذهب الأشعري، قال البيجوري:"فالقضاءُ والقدرُ راجعان لما تقدَّم من العلم والإرادة وتعلُّق القدرة"
(2)
، وقال الرازي في تقرير الدلائل الإخبارية على صحة القول بالقضاء والقدر: "الحجة الثلاثون: عن أبي ظبيان
(3)
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة»
(4)
، فأدخل جميع أفعال العباد في هذا المكتوب"
(5)
، ثم يقول إن كتابة المقادير ليست واجبة؛ "لأنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ العلم بوجود اللَّوح المحفوظ، وبأنَّ الله أحدث فيه رقومًا خاصَّةً دالةً على أحوال هذا العالم؛ ليس من شرائط الإيمان ولا من واجباته"
(6)
.
وهذا القول فاسدٌ؛ فالإيمان بالقدر واجبٌ وهو أحدُ أركان الإيمان الستَّة، قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئِل عن الإيمان فقال:«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»
(7)
.
(1)
مخطوط رسائل في العقائد ل/2.
(2)
حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد، ص 189.
(3)
هو: أبو ظَبْيان، حصين بن جندب بن الحارث الجَنْبي الكوفي، من علماء الكوفة، مجمعٌ على صدقه، كان ممن غزا القسطنطينية مع يزيد بن معاوية سنة خمسين، مات سنة تسعين وقيل غير ذلك. ينظر: سير أعلام النبلاء 5/ 212.
(4)
أخرجه أحمد في مسنده 5/ 317، رقم 22759، والطبراني في معجمه الكبير 12/ 69، رقم 12500، ومسند الشاميين 2/ 398، رقم 1572، وعبد الرزاق في مصنفه 7/ 271، رقم 36003، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع 1/ 405، رقم 2017.
(5)
المطالب العالية 9/ 244.
(6)
المرجع نفسه 9/ 221.
(7)
أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامات الساعة، 1/ 40، رقم 8.