الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والاتحاد هو: "شهود الوجود الحق المطلق الذي الكل به موجود بالحق فيتحد به الكل من حيث كون كل شيءٍ موجودًا به معدومًا بنفسه لا من حيث إنَّ له وجودًا خاصًّا به"
(1)
.
وكذلك يراد به "اختلاط الذات الإلهية بالذات البشرية لتصبحا ذاتًا واحدة"
(2)
.
ثانيًا: موقفه من الحلول والاتحاد
قال: "فلا وجود للأشياء مع وجوده، فانتفى القول بالحلول، إذا الحلول يقتضي وجود السوي حتى يحل فيه معنى الربوبية، والفرض أنَّ السوي عدم محض فلا يتصور الحلول
…
وتقرر أنَّ الأشياء كلها في حيِّز العدم، إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم، فانتفى القول بالاتحاد، إذ معنى الاتحاد هو اقتران القديم مع الحادث، فيتحدان حتى يكون شيئًا واحدًا وهو محال، إذ هو مبنيٌّ أيضًا على وجود السوي ولا سوي"
(3)
.
وقال أيضًا: "الاتحاد يطلق على معنيين: أحدهما: اختلاط جرمين حتى يصير جرمًا واحدًا، وهذا محال في حقِّه تعالى، وهو كفرٌ لمن اعتقده، ويطلق على الوحدة الحقيقية، يقال: اتحد الشَّيء إذا صار واحدًا"
(4)
.
وقال في موضع آخر: "وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة"
(5)
.
(1)
معجم اصطلاحات الصوفية، ص 49.
(2)
ينظر: التعريفات، ص 22، المعجم الصوفي، ص 11، المعجم الفلسفي، ص 106.
(3)
إيقاظ الهمم، ص 75.
(4)
شرح خمرية ابن الفارض، ص 80.
(5)
إيقاظ الهمم، ص 85.
قال ابن عربي: "إذا سمعت بالاتحاد من أهل الله، أو وجدته في مصنفاتهم، فلا تفهم منه ما فهمت من الاتحاد الذي يكون بين الوجودين؛ فإن مرادهم من الاتحاد ليس إلا شهود الوجود الحق الواحد المطلق، الذي الكل به موجود، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به معدومًا بنفسه، لا من حيث إنَّ له وجودًا خاصًا اتحد به، فإنه محال". ابن الفارض والحب الإلهي، ص 319.
ويقول: "إذا قال الفقير -أي الصوفي-:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
…
نحن روحان حللنا بدنا
(1)
قبل تحقق فنائه فما أبعده عن الصواب، وإذا تحقق فناؤه فلا يقوله إلا مع من يُصدِّقه في حاله، وإلا تعرض لقتله"
(2)
.
وردَّ ابن عجيبة على من يتهم الصوفية بالحلول والاتحاد
(3)
، فقال:"وسبب انتقاد أهل الظاهر على أهل الباطن: أنَّ أهل الباطن لما استشرفوا على بحار زواخر من التوحيد الخاص رام بعضهم للتعبير عن تلك الأسرار فضاقت عبارتهم عن ذلك، ففهموا منه غير ما أرادوه فرموا بالحلول والاتحاد، وليس ثم حلول ولا اتحاد"
(4)
.
ولذلك يرى سبب مقتل الحلاج أنه أفشى هذا السِّر، فقال: "كلُّ من أفشى سرَّ الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة فيباح دمه ويهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره
…
والمراد بسرِّ الربوبية التوحيد الخاص، الذي هو الشهود والعيان المخصوص بأهل العرفان"
(5)
.
وفسَّر قول الله تعالى: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
(6)
، "أي أفلا يرجعون عن تلك العقائد الزائفة والأقوال الفاسدة، ويستغفرونه بالتوحيد والتوبة عن الاتحاد والحلول"
(7)
.
(1)
ديوان الحلاج، ص 47.
(2)
الفتوحات الإلهية، ص 367.
(3)
ابن عربي، وابن الفارض، ومن تبعهم.
(4)
شرح نونية الششتري، ص 10.
(5)
شرح قصيدة يامن تعاظم، ص 20 - 21.
(6)
سورة المائدة: 70.
(7)
البحر المديد 2/ 203.
وذكر حديثًا يوهم بالحلول والاتحاد، فقال: يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن»
(1)
.
وهذا حديثٌ باطلٌ لا أصل له، قال السَّخاوي
(2)
: "ذكره الغزالي في الإحياء بلفظ (قال الله: لم يسعني) وذكره بلفظ (ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع) وقال مخرجه العراقي
(3)
:لم أر له أصلًا"
(4)
.
وقال السَّخاوي: "ورأيت بخط الزركشي
(5)
بعض أهل العلم يقول: هذا باطل وهو من وضع بعض الملاحدة، وأكثر ما يرويه المتكلِّم على رؤوس العوام علي بن وفا
(6)
لمقاصد يقصدها، ويقول عند الوجد والرقص: طوفوا ببيت ربكم"
(7)
.
وسئل ابن تيمية رحمه الله عمَّا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل قال: «ما وسعني لا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» ، فأجاب: الحمد لله،
(1)
إيقاظ الهمم، ص 420.
(2)
هو: أبو الخير، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي، عالم بالحديث والتفسير والأدب، أصله من سخا، من قرى مصر، ولد في القاهرة سنة 831 هـ، له مؤلفات منها: القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، المقاصد الحسنة، كانت وفاته سنة 902 هـ. ينظر: شذرات الذهب 8/ 15.
(3)
هو: أبو الفضل، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي، ولد في 21 جمادى الأولى سنة 725 هـ، له مؤلفات منها: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، التقييد والإيضاح في شرح مقدمة ابن الصلاح، كانت وفاته سنة 806 هـ. ينظر: البدر الطالع في محاسن ما بعد القرن السابع 1/ 354.
(4)
المقاصد الحسنة، ص 589.
(5)
هو: أبو عبد الله، محمد بن بهادر بن عبد الله المصري، بدر الدين الزركشي، فقيهٌ أصوليٌّ محدِّث، تركي الأصل مصري المولد، توفي سنة 749 هـ. ينظر: الدرر الكامنة 3/ 397 - 398.
(6)
هو: علي بن محمد بن وفاء، ابن لصاحب الطريقة الوفائية، ولد سنة 761 هـ، ومات سنة 801 هـ، ينظر: طبقات الشعراني 2/ 20.
(7)
كشف الخفاء 2/ 1235.
هذا ما ذكروه في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه وسع قلبه محبتي ومعرفتي، وما يروى:«القلبُ بيتُ الرَّب» هذا من جنس الأول؛ فإنَّ القلب بيت الإيمان بالله عز وجل ومعرفته ومحبته"
(1)
.
ويقول رحمه الله رادًّا على من يختلق الأحاديث المكذوبة: "وكذلك مما حرَّمه الله تعالى أن يقول الرَّجل على الله ما لا يعلم مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحَّتها، أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من صفات النفي والتعطيل
…
أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل، مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض، أو يجالس الخلق
…
أو أنه سار في مخلوقاته إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله عز وجل "
(2)
.
وقال في موضع آخر: "وهؤلاء أقوالهم فيها تناقضٌ وفساد، وهي لا تخرج عن وحدة الوجود والحلول أو الاتحاد، وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق؛ بخلاف من يقول بالمعيَّن كالنصارى والغالية من الشيعة، ولهذا يقولون: إنَّ النصارى إنما كان خطؤهم في التخصيص، وكذلك يقولون في المشركين عُبَّاد الأصنام إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقًا على وجه الإطلاق والعموم، ولا ريب أنَّ في قول هؤلاء من الكفر والضلال ما هو أعظم من كفر اليهود والنصارى"
(3)
.
ويقول أيضًا عنهم: "وهؤلاء يفرون من لفظ الحلول؛ لأنه يقتضي حالًا ومحلًّا، ومن لفظ الاتحاد؛ لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحد
(1)
مجموع الفتاوى 18/ 122.
(2)
المرجع نفسه 3/ 425.
(3)
نفسه 2/ 296.
ويقولون: النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمَّموا لما كفروا.
وكذلك يقولون في عباد الأصنام: إنما أخطأوا لما عبدوا بعض الظاهر دون بعض، فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا عندهم، والعارف المحقق عندهم لا يضرُّه عبادة الأصنام"
(1)
.
ثم وضَّح مباينة الحلول والاتحاد بقوله: "حقيقة قول هؤلاء: إن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة، ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون بالحلول رأوه محجوبًا عن معرفة قولهم خارجًا عن الدخول إلى باطن أمرهم؛ لأن من قال: إنَّ الله يحل في المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال وهذا تثنية عندهم وإثبات لوجودين، أحدهما وجود الحق الحال، والثاني وجود المخلوق المحل وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة"
(2)
.
وقال أيضًا: "وأمَّا وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان، أحدهما: لا يرضونه؛ لأن الاتحاد على وزن الاقتران، والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون بوجودين أبدًا، والطريق الثاني: صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة"
(3)
.
ولهذا قال ابن عجيبة: "وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة"
(4)
.
ورأى ابن تيمية رحمه الله: "أنَّ كلَّ واحدٍ من الاتحاد والحلول إمَّا معيَّن في شخص وإمَّا مطلق، فالمعيَّن كقول النصارى والغالية من الأئمة من الرافضة، وفي المشايخ من جهال الصوفية فإنهم يقولون بالتعيين كاتحاد الله بالماء كاليعقوبية
(5)
من النَّصارى أو
(1)
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص 114 - 115.
(2)
مجموع الفتاوى 2/ 140.
(3)
المرجع نفسه 2/ 141.
(4)
إيقاظ الهمم، ص 85.
(5)
اليعقوبية: أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة: إلا أنهم قالوا انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده بل هو هو، وزعم أكثر اليعقوبية أنَّ المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين. ينظر: الملل والنحل 2/ 30.
بالحلول وهو قول النسطورية
(1)
، وبالاتحاد من وجه دون وجه وهو قو الملكانية
(2)
"
(3)
.
وتلحظ أنَّ أهل الحلول والاتحاد يثبتون الاثنينية؛ أمَّا أهل وحدة الوجود فلا تعترف إلا بالوحدة.
وعرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الاتحاد بالاختلاط والامتزاج بين الخالق والمخلوق، ثم قال:"وهذا حقيقة الاتحاد، لا يُعقل الاتحاد إلا هكذا"
(4)
.
ويتبيَّن مما سبق أن ابن عجيبة يرى كفر من يعتقد بالحلول والاتحاد، فنهاية الحلول والاتحاد وحدة الوجود.
تقول الدكتور سارة آل جلوي: "ويرى معظم الباحثين: أنَّ فكرة وحدة الوجود تطوُّرٌ طبيعيٌّ لفكرة الحلول والاتحاد التي قال بها بعض الصوفية، وذلك لأن الذات الإلهية إذا كانت تقبل الحلول في أجساد طائفة من الخلق، أو الاتحاد معها فلا يوجد ما يمنع أن يصحب هذا الحلول أو الاتحاد عامًّا يشمل جميع المخلوقات حيّها وجمادها، بحيث لا يكون في الكون شيءٌ إلا الله"
(5)
.
(1)
النسطورية: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمن المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه، وقال: إنَّ الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة، ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة، حي، ناطق، إله، وزعموا أنَّ الابن لم يزل متولدًا مع الأب وإنما تجسَّد واتحد بجسد المسيح حين ولد. ينظر: الملل والنحل 2/ 29.
(2)
الملكانية: أصحاب ملكان الذي ظهر بأرض الروم، واستولى عليها، ومعظم الروم ملكانية، قالوا إنَّ الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته، ويعنون بالكلمة أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ينظر: الملل والنحل 2/ 27.
(3)
مجموع الفتاوى 2/ 465.
(4)
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4/ 7 - 8.
(5)
نظرية الاتصال عند الصوفية، ص 39.