الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرط الرَّسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنَّ يوسف كان على ملَّة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون:{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ}
(1)
(2)
(3)
.
ثالثًا: رأيه فيما يجب ويستحيل في حَقِّ الرُّسل والأنبياء عليهم السلام وبِمَ تحصل النُّبُوَّة
بيَّن ابن عجيبة ما يجب ويستحيل في حقِّهم عليهم السلام، فقال: "وأمَّا بحقِّهم عليهم السلام فيجب عليه أن يَعتقد أنه يجب لهم الصدق، والأمانة، والتبليغ، وعصمهم الله عز وجل من المعصية، وصبَّرهم على الطاعة، ويستحيل في حقِّهم الكذب، والخيانة، والكتمان، ويجوز بحقِّهم الأعراض البشرية، كالمرض الخفيف الذي لا يؤدِّي إلى نقصٍ في مراتبهم العليَّة، وكالأكل والشُّرب، والنَّوم، والنِّكاح، والمشي في الأسواق، وكذلك يجب تصديقهم فيما أخبروا عنه من البعث، والحشر، والحساب، والحوض، والميزان، والصراط، والجنَّة، والنَّار
…
"
(4)
.
(1)
سورة غافر: 34.
(2)
سورة النساء: 163 ..
(3)
النبوات 2/ 718.
(4)
مخطوط رسائل في العقائد ل/6، وينظر: البحر المديد 4/ 588.
ورأي ابن عجيبة في حقِّ الرُّسل والأنبياء عليهم السلام هو الصواب، فقد ثبت عن النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:«أنا النَّبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب» ، قال رجل للبراء بن عازب رضي الله عنهما: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ قال: لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَفر، إنَّ هوازن كانوا قومًا رُمَاةً وإنَّا لمَّا لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسِّهام، فأمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَفر فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذٌ بلجامها والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول:«أنا النَّبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب»
(1)
.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب» : أي حقًّا، ويرجع مراده في ذلك إلى وجوده هناك حقًّا؛ ليعلمهم بنفسه فيثبتوا بثباته، أو يكون ثبتًا حقًّا، ومن صفات الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: أنهم لا يفرون، أو أنه لا كذب في حديثه، وما أخبرهم من غلبتهم وظهورهم على عدوهم، وليذكرهم بنبوته؛ لتقوى بصائرهم بوفاء عهده وظهور أمره"
(2)
.
والأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأُمَّة
(3)
، ولهذا كان الذي عليه سلف الأُمَّة وأئمَّتها أنَّ الأنبياء إنما هم معصومون من الإقرار على الذنوب.
والقول بأنَّ الأنبياء عُصموا عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف
…
حتى إنَّ هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقه، بل لم ينقل عن السَّلف والأئمة والصحابة والتابعين
(1)
أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الحرب، 6/ 69، رقم 2864.
(2)
إكمال المعلم بفوائد مسلم 6/ 132.
(3)
ينظر: مجموع الفتاوى 10/ 289.
وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول، أمَّا الصَّغائر فعامَّة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال
(1)
.
وقال القاضي عياض رحمه الله: "أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر والموبقات"
(2)
.
وقال ابن تيمية رحمه الله: "فإنهم متفقون -أي المسلمين- على أنَّ الأنبياء معصومون فيما يبلِّغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرِّسالة؛ فإنَّ الرَّسول هو الذي يبلِّغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرِّسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيءٌ من الخطأ"
(3)
.
ويقول أيضًا: "هم متفقون على أنهم لَا يُقَرُّونَ على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق، ولا كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله عز وجل فهم متفقون على تنزيههم عنه، وعامة الجمهور الذين يجوِّزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم"
(4)
.
وبهذه النقول عن أئمة السَّلف يتضح أنَّ ابن عجيبة وافق الصواب في رأيه عمَّا يجوز ويستحيل في حقهم.
وأما رأيه في كيفية إدراك النبوة وتحصيلها فيرى أنَّ النبوة لا تدرك بالنَّسب والمال، حيث قال في تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى
(1)
مجموع الفتاوى 4/ 319.
(2)
الشفاء بتعريف حقوق المصطفى 2/ 327.
(3)
منهاج السُّنَّة النبوية 3/ 372.
(4)
المرجع نفسه 1/ 472.
مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}
(1)
، "فإنَّ النبوة ليست بمجرَّد النَّسب والمال، وإنما هي بفضائل نفسانية يَخُصُّ الله بها من يشاء من عباده، بل بمحض الفضل والكرم، فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها"
(2)
.
وهو بهذا الرأي يوافق معتقد الفلاسفة والصوفية، ويُخالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأمَّا المتفلسفة القائلون بقدم العالم وصدوره عن علَّة موجبة، مع إنكارهم أنَّ الله -تعالى- يفعل بقدرته ومشيئته، وأنَّه يعلم الجزئيَّات، فالنُّبوة عندهم فيضٌ يفيضُ على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم.
ومن كان متميِّزًا في قوته العلمية بحيث يستغني عن التعليم، وشُكِّل في نفسه خطاب يسمعه كما يسمع النائم، وشخص يُخاطبه كما يخاطب النائم، -وفي العملية- بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا- كان نبيًّا عندهم، وهم لا يُثبتون ملكًا مفضَّلًا يأتي بالوحي من الله تعالى ولا ملائكة، بل ولا جنًّا يخرق الله بهم العادات للأنبياء إلا قوى النفس، وقول هؤلاء وإن كان شرًّا من أقوال كُفَّار اليهود والنَّصارى، وهو أبعد الأقوال عمَّا جاءت به الرُّسل، فقد وقع فيه كثيرٌ من المتأخرين الذين لم يُشرق عليهم نور النبوة من المدِّعين للنَّظر العقليّ، والكشف الخيالي الصوفي، وإن كان غاية هؤلاء الأقيسة الفاسدة، والشكِّ، وغاية هؤلاء الخيالات
(1)
سورة الأنعام: 124.
(2)
البحر المديد 2/ 167.
الفاسدة والشطح"
(1)
.
والقول الحق في ذلك أنَّ النبوة اصطفاء، كما قال الله تعالى:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}
(2)
.
قال ابن كثير رحمه الله: "يُخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رُسُلًا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن النَّاس لإبلاغ رسالاته"
(3)
.
وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رُسَلًا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم، ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن النَّاس أيضًا رُسُلًا"
(4)
.
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله: "أي يختار ويجتبي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس رسلًا يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرُّسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم ليس جاهلًا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئًا دون شيء، وإنما المصطفي لهم السميع، البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم عن علمٍ منه أنهم أهل لذلك، وأنَّ الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}
(5)
"،
(6)
.
(1)
النبوات 1/ 30.
(2)
سورة الحج: 75.
(3)
تفسير القرآن العظيم 5/ 454.
(4)
جامع البيان في تأويل القرآن 18/ 687.
(5)
سورة الأنعام: 124.
(6)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/ 546.