الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: فتنة القبر
قال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله: عز وجل {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}
(1)
: "يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وهو لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحُجَّة الواضحة في الحياة الدنيا مدة حياتهم، فلا يزلون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، وفي الآخرة عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة"
(2)
.
وذكر اسم الملكين اللذين يسألان الميت فقال: وفي الخبر «إذا وضع العبد في القبر، أتاه منكر ونكير، أسودان أزرقان
…
»
(3)
.
وهذا ثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة وأقوال سلف الأُمَّة بأنَّ الميت يفتن في قبره ويسأله منكر ونكير.
(4)
.
وقد فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بفتنة القبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
(1)
سورة إبراهيم: 27.
(2)
البحر المديد 5/ 396.
(3)
شجرة اليقين بما يتعلق بكون رب العالمين، ص 202.
(4)
سورة إبراهيم: 27.
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}
(1)
»،
(2)
.
وأمَّا الأحاديث في إثبات فتنة القبر فمتواترة كما قال ابن القيم
(3)
، وأورد السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور منها من رواية ستة وعشرين من الصحابة رضي الله عنهم ومنها:
1 -
عن أسماء رضي الله عنها: «وإنه قد أوحي إليَّ أنَّكم تُفتنون في القبور مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجَّال»
(4)
.
2 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قُبر الميت، أو قال: أحدكم، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنوَّر له فيه، ثم يقال له، نَم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَم كنومة العروس
(5)
الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه
(6)
، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعتُ الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال
(1)
سورة إبراهيم: 27.
(2)
أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}
…
6/ 80، رقم 4699.
(3)
الروح، ص 52.
(4)
أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من الغشي المثقل، 1/ 80، رقم 184.
(5)
العروس: يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما، وقد يقال للذكر: العريس، وإنما شبّه نومه بنومة العروس؛ لأنه يكون في طيب العيش. ينظر: تحفة الأحوذي 3/ 134.
(6)
هذه العبارة تدلُّ على مكانته وعزته عند أهله، فيأتيه ليلة زفافه من هو أحب وألطف فيوقظه على الرفق واللين. ينظر: تحفة الأحوذي 3/ 134.
للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها مُعذَّبَّا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك»
(1)
.
3 -
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبد إذا وضع في قبره وتُوُلِّيَ وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل محمَّد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النَّار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنَّة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعًا، وأمَّا الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربةً بين أذنيه فيصيح صيحةً يسمعها من يليه إلَّا الثقلين"
(2)
.
4 -
وعن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر»
(3)
.
وتسمية ابن عجيبة للملكين بمنكر ونكير موافقٌ لما قرَّره أهل العلم المحققون، قال أبو بكر الإسماعيلي: "ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}
(4)
"،
(5)
.
(1)
أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، 2/ 374، رقم 1071، وابن حبان، باب اسم الملكين اللذين يسألان الناس في قبورهم 7/ 386، رقم 3117، وابن أبي عاصم في ظلال الجنة، باب في القبر وعذاب القبر، 2/ 114، وقال الألباني: حسن صحيح. ينظر: التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان 5/ 99، رقم 1319.
(2)
أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، 1/ 410، رقم:1338.
(3)
أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من المآثم والمغرم، 4/ 166، رقم 6368.
(4)
سورة إبراهيم: 27.
(5)
اعتقاد أهل السُّنَّة شرح أصحاب الحديث 1/ 152.