الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"والسموات والأرض خُلقت لما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ}
(1)
، أمَّا الحديث المذكور فهو مكذوبٌ على النَّبي صلى الله عليه وسلم لا أساسَ له من الصِّحَّة"
(2)
.
ثالثًا: تقسيم ابن عجيبة للنَّاس في طريقة صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم
-
قال: "قسمٌ يُصلَّون على صورته البشريَّة: وهم أهل الدليل والبرهان، فهم يشخصونها في قلوبهم في حال الصَّلاة عليه، فإذا أكثروا من الصَّلاة بالحضور ثبتت الصورة الكريمة في قلوبهم، فيرونه في المنام كثيرًا، وربما تشكل روحه الكريمة على صورة جسده الطيب فيرونه يقظة.
وقسمٌ يُصلَّون على روحه النورانية، وهم أهل الشهود من السائرين؛ فهم يصلون على نوره الفائض من الجبروت، فيشاهدونه في غالب أوقاتهم على قدر حضورهم وشهودهم.
وقِسمٌ يُصلَّون على نوره الأصلي، الذي هو نور الأنوار، وهم أهل الرسوخ والتمكين من أهل الشهود والعيان، وهؤلاء لا يغيب عنهم النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين"
(3)
.
ويقول أيضًا: "فمنهم من يدرك شيئًا من سره عليه السلام، ومنهم من يدرك روحه، ومنهم من يدرك عقله، ومنهم من يدرك نفسه عليه الصلاة والسلام، فأهل الرسوخ والتمكين يدركون سرَّه عليه الصلاة والسلام، ولا يغيب عنهم طرفة عين
…
"
(4)
.
(1)
سورة الطلاق: 12.
(2)
فتاوى اللجنة الدائمة 1/ 312.
(3)
الفتوحات الإلهية، ص 6.
(4)
شرح صلاة ابن مشيش، ص 22.
وهذا كلُّه باطل؛ إذ المعتقد الصحيح المستمد من الوحيين والمقرر في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، ولا يمكن لأحدٍ مهما بلغت منزلته أن يراه يقظة، بل حدثت بعد وفاته مصائب عظام وكان الصحابة رضي الله عنهم في حاجته، منها حرب صفِّين، وموقعة الجَمَل، ولا يعقل أن يغفلوا عن الأسباب التي تجعلهم يرونه يقظةً.
قال القرطبي معلِّقًا على قول الصوفية الذين جوَّزوا رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظةً: "وهذا قولٌ يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحدٌ إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آنٍ واحدٍ في مكانين، وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء، فيزار مجرَّد القبر ويُسلَّم على غائب؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل"
(1)
.
وقال ابن تيمية رحمه الله: "والنَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل في صورتي» قال ابن عباس: في صورته التي كان عليها في حياته، وهذه رؤية في المنام، وأمَّا في اليقظة فمن ظنَّ أنَّ أحدًا من الموتى يجيء بنفسه للناس عيانًا قبل يوم القيامة فمن جهله"
(2)
.
ويقول أيضًا: "وكثيرٌ من هؤلاء يظنُّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نفسه أو غيره من الأنبياء أو الصالحين يأتيه في اليقظة، ومن يرى ذلك ثم قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو الشيخ وهو صادق في
(1)
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم 8/ 153.
(2)
مجموع الفتاوى 13/ 94.
أنه إياه من قال: إنه النبي، أو الشيخ، أو قيل له ذلك فيه، لكن غلط حيث ظن صدق أولئك.
والذي له عقل وعلم يعلم أنَّ هذا ليس هو النبي صلى الله عليه وسلم تارة لما يراه منهم من مخالفة الشرع، مثل أن يأمروه بما يخالف أمر الله ورسوله، وتارة يعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يأتي أحدًا من أصحابه بعد موته في اليقظة، ولا كان يخاطبهم من قبره، فكيف يكون هذا لي، وتارة يعلم أنَّ الميت لم يقم من قبره، وأنَّ روحه في الجنَّة لا تصير في الدنيا هكذا"
(1)
.
وقال الصنعاني رحمه الله: "والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمعلوم من الضرورة الدينية، أنَّ من وَارَاهُ القبر لا يخرج منه إلا في المحشر، قال اللَّه تعالى:{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}
(2)
، ولم يقل: تَارَاتٍ أُخَرَ، وقال تعالى:{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ}
(3)
، وقال الله تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}
(4)
، وأمَّا الأحاديث النبوية فإنها متواترة: أنَّ من أُدْخِلَ قبره لا يخرج منه إلا عند النفخة الثانية في الصور
…
وبالجملة، فالقول بخروج الميت من قبره، وبروزه بشخصه لقضاء أغراض الأحياء قولٌ مخالف للعقل والنقل"
(5)
.
(1)
مجموع الفتاوى 13/ 78.
(2)
سورة طه: 50.
(3)
سورة عبس: 21 - 22.
(4)
سورة يس: 31.
(5)
الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف، ص 51.