الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأوضح وأصح مما عند المتكلمين، وهذه الآيات التي ندب الله عباده إلى النظر فيها، والاستدلال بها على توحيده، وثبوت صفاته وأفعاله، وصدق رسله هي آيات مشهودةٌ بالحس، معلومة بالعقل، مستقرِّة في الفِطَر، لا يحتاج الناظر فيها إلى أوضاع أهل الكلام والجدل، واصطلاحهم، وطرقهم البتة، وكلُّ من له حسٌّ سليم، وعقلٌ يميِّز به يعرفها ويقرُّ بها، وينتقل من العلم بها إلى العلم بالمدلول، وفي القرآن ما يزيد على عشرات ألوف من هذه الآيات البيِّنات، ومن لم يحفظ القرآن فإنَّه إذا سمعها وفهمها وعقلها انتقل ذهنه منها إلى المدلول أسرع انتقال وأقربه.
وبالجملة: فما كلُّ من علم شيئًا أمكنه أن يستدلَّ عليه، ولا كل من أمكنه الاستدلال عليه يحسن ترتيب الدليل وتقريره"
(1)
.
تاسعًا: زعم ابن عجيبة أن التوحيد الخاص سرٌّ لا يمكن لأحدٍ معرفته ولو ظهر لأبيح دم من أظهره
قال ابن عجيبة: "أنوار السرائر هي العلوم اللدنية والمعارف الربانية، ويجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير أهله، ومن أباحه أُبيح دمه؛ وهو الذي قتل بسببه الحلاج"
(2)
.
وقال في موضع آخر: "كلُّ من أفشى سر الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة، فيباح دمه ويُهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره
…
والمراد بسر الربوبية: التوحيد الخاص: الذي هو الشهود والعيان المخصوص بأهل العرفان"
(3)
.
(1)
مدارج السالكين 3/ 508.
(2)
إيقاظ الهمم، ص 286.
(3)
شرح قصيدة يامن تعاظم، ص 20 - 22.
وهذه دعاوى عارية من الصحَّة ولا مستند لها بل هي مصادمة لمنهج الأنبياء في بيان التوحيد.
يقول ابن القيم: "أفضل صفوة الرَّب تعالى: الأنبياء، وأفضلهم: الرُّسُل، وأفضلهم: أولو العزم، وأفضلهم: الخليلان عليهما الصلاة والسلام، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والذي ألاحه الله إلى أسرارهم من ذلك هو أكمل توحيد عرفه العباد، ولا أكمل منه، وليس وراءه إلا الشطح والدعاوى والوساوس، وهم -صلوات الله وسلامه عليهم- قد تكلَّموا بالتوحيد وأوضحوه وقرروه، بحيث صار في حيِّز التجلِّي والظهور والبيان، فعقلته القلوب، وحصَّلته الأفئدة، ونطقت به الألسنة، وأوضحته الشواهد، وقامت عليه البراهين، ونادت عليه الدلائل، ولا يمكن أحدٌ أن ينقل عن نبيٍّ من الأنبياء، ولا وارث نبيٍّ داع إلى ما دعا إليه أنه يعلم توحيدًا لا يمكنه النطق به، وأنَّ الله سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثِّه، بل كلُّ ما علمه القلب أمكن اللسان التعبير عنه، وإن اختلفت العبارة ظهورًا وخفاءً، وبين ذلك، وقد لا يفهمه إلا بعض الناس، فالناس لم تتفق أفهامهم لما جاءت به الرُّسُل.
كيف يقال: إنَّ أعرف الخلق وأفصحهم وأنصحهم عاجزٌ أن يبيِّن ما عرفه الله من توحيده، وأنَّه عاجزٌ عن بثِّه؟ فما هذا التوحيد الذي عجزت الأنبياء والرُّسُل عن بثِّه، ومنعوا من النُّطق به، وعرفه غيرهم؟ "
(1)
.
ولهذا كان مسلك أهل السُّنَّة والجماعة في بيان إثبات توحيد الربوبية مسلكًا شرعيًّا من القرآن والسُّنَّة، وهي طريقة منهج الأنبياء ومن سار على نهجهم من العلماء بخلاف ما اعتقده ابن عجيبة.
(1)
مدارج السالكين 3/ 535 - 536.
"وفي هذه الأُمَّة -ولله الحمد- لم يزل فيها من يتفطَّن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده، وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق، ورد الباطل رأيًا وروايةً من غير تشاعر ولا تواطُؤ"
(1)
.
(1)
مجموع الفتاوى 9/ 233.