الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا الحديث لا دليل فيه للقائلين بوحدة الوجود، بل هو حجَّةٌ عليهم.
قال ابن تيمية رحمه الله: "والحديثُ حجَّةٌ عليهم من وجوه كثيرة:
- منها قوله: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» فأثبت معاديًا محاربًا ووليًّا غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.
ومنها قوله: «وما تقرَّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه» فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه وربًّا افترض عليه فرائض.
ومنها قوله: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه» فأثبت متقربًا ومُتقربًا إليه ومحبًّا ومحبوبًا غيره، وهذا كلُّه ينقض قولهم: الوجود واحد.
ومنها قوله: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» إلى آخره، فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور، وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد وهو عندهم هذه الأعضاء: بطنه وفرجه وشعره وكل شيء لا تعدد عندهم ولا كثرة في الوجود، ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر؛ فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم"
(1)
.
الجهة الرابعة: الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة
أ- قال ابن عجيبة: "ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حفظ عن أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء» ، وفي رواية «بعثه الله فقيهًا عالمًا»
(2)
(3)
.
(1)
مجموع الفتاوى 2/ 371 - 372.
(2)
مخطوط أربعون حديثًا في الأصول والفروع، الخزانة العامة بالرباط، ضمن مجموع يحمل رقم 2829 د، ل/1.
(3)
أخرجه أبو بكر الشافعي في الفوائد المشهور بالغيلانيات 2/ 374، وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/ 121، وابن حبان في الضعفاء والمتروكين 2/ 133، والحديث ضعيفٌ ضعَّفه الألباني في مشكاة المصابيح 1/ 55.
وكذلك قوله: «إنَّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة
(1)
بالله»
(2)
، ولقد شرح ابن عجيبة هذا الحديث المكذوب فقال: "قال بعضهم في شرح الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام
(3)
أنكروها ومن جهل شيئًا عاداه"
(4)
.
وهذه الأحاديث التي يستدلُّ بها الصوفية على عقائدهم الفاسدة هي في حقيقتها باطلة ليس إسنادها ثابتًا باتفاق أهل المعرفة ولم يرو في أمهات كتب الحديث المعتمدة فلا يحتاج إلى الكلام في تفسيره، وإذا قُدِّر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كلامٌ مجملٌ ليس فيه تعيينٌ لقولِ معيَّن فحينئذٍ فما من مدعٍ يدَّعي أن المراد قوله إلا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك
(5)
.
ب- ذكره لأدعية مبتدعة عند الوضوء:
1 -
إذا غسل وجهه قال: «اللهم بيِّض وجهي يوم تبيض وجوه»
(6)
.
2 -
إذا تمضمض قال: «اللهم لقِّني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة»
(7)
.
(1)
الغرَّة: أي الغفلة. ينظر: تاج العروس 13/ 224.
(2)
أخرجه الديلمي في 1/ 210، رقم 802، وأبو عبد الرحمن السلمى في الأربعين في التصوف 15/ح 32، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1/ 39:"إسناده ضعيف".
(3)
يقصد بهم علماء الشريعة، واستشهد بقول البوصيري:
قد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رَمَدٍ
…
وينكرُ الفم طعمَ الماءِ من سقمِ
(4)
الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، لابن عجيبة، على هامش (إيقاظ الهمم في شرح الحكم) له 1/ 29.
(5)
مجموع الفتاوى 13/ 260.
(6)
مخطوط الأنوار السنية في الأذكار النبوية، خزانة تطوان رقم 853 م. ل/3.
(7)
المرجع نفسه ل/3.
3 -
إذا غسل ذراعيه قال: «اللهم اعطني كتابي بيميني»
(1)
.
4 -
إذا غسل رجليه قال: «اللهم ثبِّت قدمي يوم تزلُّ الأقدام»
(2)
.
واستدلَّ ابن عجيبة على ذلك بما روي عن علي رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا علي إذا قمت لوضوئك فقل: بسم الله العظيم الذي هدانا للإسلام، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإذا غسلت فرجك فقل: اللهم حصِّن فرجي، فإذا تمضمضت فقل: اللهم أعني على تلاوة ذكرك، فإذا استنشقت فقل: اللهم أرحني رائحة الجنة، فإذا غسلت وجهك فقل: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه، فإذا غسلت ذراعك اليمنى فقل: اللهم اعطني كتابي بيميني يوم القيامة وحاسبني حسابًا يسيرًا، فإذا غسلت ذراعك اليسرى فقل: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، فإذا مسحت برأسك فقل: اللهم تغشني برحمتك، وإذا مسحت بأذنيك فقل: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فإذا غسلت رجليك فقل: اللهم اجعل سعيي مشكورًا وذنبي مغفورًا وعملي مقبولًا»
(3)
.
وهذا الحديث باطل، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علَّمه لصحابته رضي الله عنهم الذين لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة من هذا الدين إلا فهموها وعملوا بها فبارك الله لهم في العلم والعمل، ولو كانت هذه الأدعية صحيحة لعملوا بها، ولم يحفظ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأدعية.
(1)
مخطوط الأنوار السنية في الأذكار النبوية، خزانة تطوان رقم 853 م. ل/3.
(2)
المرجع نفسه ل/3.
(3)
أخرجه المستغفري في الدعوات، كما في النتائج، لابن حجر 1/ 1263، والديلمي في الفردوس 833، وهذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف، ينظر: ميزان الاعتدال 1/ 625، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية 1/ 228، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، 13.
وهذه الأحاديث سواء الضعيفة، أو الموضوعة، لا يجوز العمل بها ولا يعتقد ما فيها.
قال أبو محمد المقدسي رحمه الله
(1)
: "ينبغي أن يُعلم أن
…
الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة
(2)
ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إمَّا لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلة فيها لا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها، وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم"
(3)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولا يجوز الاعتماد على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة"
(4)
.
وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله: "ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منه، ولا علَّمه لأُمَّته ولم يثبت عنه غير التسمية في أوله"
(5)
، وقال أيضًا:"وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطله، ليس فيها شيءٌ يصح"
(6)
.
(1)
هو موفق الدين، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدم بن نصر المقدسي الجماعيلي، ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، له مؤلفات منها: المغني، مسألة العلو، توفي سنة 620 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 22/ 166.
(2)
الزنادقة هم: الذين لا يؤمنون بالآخرة، ووحدانية الخالق، وتطلق الزندقة على القائلين بدوام الدهر، وقد كانت المانوية المزدكية تسمى الزنادقة أو الزنديقية، وأصل هذه الكلمة بالفارسية نسبة إلى (زند وبازند) وهما كتابان وضعهما المجوس في مصالح الدنيا وعمارة العالم. ينظر: المقالات والفرق، ص 64، 193، بغية المرتاد، ص 338، الإيمان، ص 203، الرد على الرافضة، ص 134 - 135، لسان العرب 10/ 147 مادة (زندق).
(3)
ذم التأويل، ص 47.
(4)
مجموع الفتاوى 1/ 250.
(5)
زاد المعاد في هدي خير المعاد 1/ 195 - 196.
(6)
المنار المنيف، ص 120.
والحقيقة أن مصادر التلقي عند ابن عجيبة لا تعتمد على الكتاب والسُّنَّة وفق منهج السَّلف، وإن ذكر أحاديث صحيحة فهو يذكرها اعتضادًا لا اعتمادًا، بل المصادر المعتمدة هي أذواقٌ، وكشوفاتٌ، ووجد
(1)
، وهذا هو حال الصوفية وأهل البدع عمومًا.
قال الشاطبي: "ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سَياَّلةٌ لا تقف عند حدٍّ وعلى كلِّ وجه يصح لك زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة، قد رأينا وسمعنا عن بعض الكفَّار أنه استدل على كفره بآيات القرآن كما استدل بعض النصارى على تشريك عيسى عليه السلام في الربوبية بقوله تعالى:{وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}
(2)
، واستدلَّ على أنَّ الكفَّار من أهل الجنة بإطلاق قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}
(3)
، واستدل بعض اليهود على تفضيلهم علينا بقوله تعالى:{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}
(4)
وبعض الحلولية استدلَّ على قوله بقول الله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}
(5)
، والتناسخى استدلَّ بقول الله تعالى:{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}
(6)
.
(1)
سيأتي الحديث عنها في الفصل الثاني من هذا الكتاب، مصادر الصوفية في الاستدلال.
(2)
سورة النساء: 171.
(3)
سورة البقرة: 62.
(4)
سورة البقرة: 47.
(5)
سورة الحجر: 29.
(6)
سورة الانفطار: 8.
وكذلك كل من اتبع المتشابهات، أو حرَّف المناطات أو حمَّل الآيات ما لا تحمله عند السَّلف الصالح، أو تمسَّك بالأحاديث الواهية أو أخذ الأدلة بباديَ الرأي له أن يستدل على كلِّ فعلٍ أو قولٍ أو اعتقادٍ وافق غرضه بآيةٍ أو حديثٍ لا يفوز بذلك أصلًا، والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآيةٍ أو حديثٍ من غير توقف، فمن طلب خلاص نفسه تثبَّت حتى يتضح له الطريق، ومن تساهل رمته أيدى الهوى في معاطب لا مخلص له منها إلا ما شاء الله عز وجل "
(1)
.
(1)
الاعتصام 1/ 285.