الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: الأحوال
أولًا: تعريف الحال في اللغة والاصطلاح
لغة: "حلَّ المكان، وبه يحل
…
نزل به، كاحتلَّه، وبه فهو حالٌّ"
(1)
، والحال:"نهاية الماضي وبداية المستقبل"
(2)
.
اصطلاحًا: "معنى يرد على القلب من غير تصنُّعٍ ولا اجتلابٍ ولا اكتساب"
(3)
.
قال ابن عجيبة: "الحال: معنى يرد على القلب من غير تعمُّدٍ ولا اجتلاب، ولا تسبُّبٍ ولا اكتساب"
(4)
.
ثم ذكر أنه قد يكون متسببًا في حصول الحال فقال: "وقد يكتسب الحال بنوع تعمُّل، كحضور حلق الذكر، واستعمال السَّماع، وقد يطلب اكتسابه بخرق عوائد النفس حين يعتريها برودة وفتور، وفرق وكسل"
(5)
.
وهذه الأحوال لا بدَّ من عرضها على الشرع فإن كانت موافقة له أُخذت وإلا طرحت.
فالأحوال تنقسم إلى: حال رحماني، وحال شيطاني، وما يكون لهؤلاء من خرق عادة بمكاشفة وتصرُّف عجيب، فتارة يكون من جنس ما يكون للسَّحرة والكُهَّان، وتارة يكون من الرَّحمن من جنس ما يكون من أهل التقوى والإيمان من وجل القلب،
(1)
القاموس المحيط، ص 1274.
(2)
التعريفات، ص 114.
(3)
التعريفات، ص 114.
(4)
معراج التشوف، ص 44.
(5)
المرجع نفسه، ص 43.
ودمع العين، واقشعرار الجسوم فهذه أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسُّنَّة
(1)
.
ومراد القوم من الواردات بيَّنه ابن عجيبة بقوله: "الوارد نور إلهي، يقذفه الله في قلب من أحبَّ من عباده، وهي على ثلاثة أقسام: على حسب البداية، والوسط، والنهاية، أو تقول على حسب الطالبين، والسائرين، والواصلين.
القسم الأول: وارد الانتباه، وهو نور يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، وهو لأهل البداية من الطالبين، فإذا تيقَّظ من نومه وانتبه من غفلته استوى على قدمه طالبًا لربِّه، فيقبل عليه بقلبه وبقالبه، وينجمع عليه بكليته.
والقسم الثاني: وارد الإقبال، وهو نور يقذفه الله في قلب عبده، فيحركه لذكر مولاه، ويغيبه عمَّا سواه، فلا يزال مشتغلًا بذكره، غائبًا عن غيره، حتى يمتلئ القلب بالنور ويغيب عمَّا سوى المذكور، فلا يرى إلا النور، فيخرج من سجن الأغيار، ويتحرَّر من رقِّ الآثار.
والقسم الثالث: وارد الوصال، وهو نورٌ يستولي على قلب العبد ثم يستولي على ظاهره وباطنه، فيخرجه من سجن نفسه، ويغيب عن شهود حسِّه"
(2)
.
بعد ذلك شرح القسم الثالث فقال: "أي إنما أورد عليك وارد الوصال بعد أن أهب عليك نفحات الإقبال، ليخرجك من سجن رؤية وجودك إلى فضاء، أي اتساع شهودك لربك، فرؤيتك وجودك مانعة لك من شهود ربك، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه، وجودك ذنب لا يقاس به"
(3)
.
(1)
ينظر: مجموع الفتاوى 22/ 521 - 522.
(2)
إيقاظ الهمم، ص 125 - 126.
(3)
المرجع نفسه، ص 126.
وعند التأمُّل في هذه الواردات، نجد أنها بعينها درجات الفناء، فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة السوى
(1)
.
"فالأول: هو فناء أهل الوحدة الملاحدة كما فسَّروا به كلام الحلاج، وهو أن يجعل الوجود وجودًا واحدًا.
وأما الثاني: -وهو الفناء عن شهود السوى-، فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين
…
وهو مقام الاصطلام
(2)
، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل
…
"
(3)
.
ولهذا صارت الأحوال تتصف بالتحول وعدم الثبات؛ يقول ابن عجيبة: "الفرق بين الحال والمقام: أن الحال يتحول فيذهب ويجيء، بخلاف المقام، فإنه رسوخ وتمكين"
(4)
.
وبسبب الواردات التي ترد على السَّالك تجد القوم يكثر عندهم الشطح والمخالفات العقدية سواء بالجوارح أو اللسان.
كما قال ابن عجيبة عن الأحوال: "ويظهر آثاره على الجوارح قبل
(1)
فهذا حال النبيين وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه؛ فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم، ويدخل في هذا: أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله فهذا هو الفناء الديني الشرعي الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. ينظر: مجموع الفتاوى 2/ 313.
(2)
الاصطلام: نعتُ وَلَهٍ يرد على القلب تحت سلطان القهر. ينظر: القاموس الصوفي، للمناوي ص 13.
(3)
مجموع الفتاوى 2/ 313.
(4)
معراج التشوف، ص 44.
التمكين
(1)
، من شطح ورقص، وسير وهيام، وهو أثر المحبة؛ لأنها تحرك الساكن أوَّلًا ثم تسكن وتطمئن، ولذا قيل فيها: أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون"
(2)
.
وإضافة إلى غموض رموز ومصطلحات الأحوال والمقامات إلا أن ابن عجيبة يرى بسرية الواردات التي ترد على السالك ولا يرى الإفصاح عنها.
فيقول: "إن هذه الواردات الإلهية والمواهب الاختصاصية أسرار من الكريم الغفَّار، لا يمنحها إلا لأهل الصيانة والأمانة، لا لأهل الإفشاء والخيانة"
(3)
.
ثم يقول أيضًا: "إن هذه الأمور أذواق باطنية، وأسرار ربَّانية، لا يفهمها إلا أربابها، فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها، وأيضًا هي أماناتٌ وسرٌّ من أسرار الملك، وسرُّ الملك لا يحلُّ إفشاؤه، فمن أفشاه كان خائنًا، واستحق الطرد والعقوبة، ولا يصلح أن يكون أمينًا بعد ذلك، فكتم الأسرار من شأن الأخيار، وهتك الأسرار من شأن الأشرار"
(4)
.
وسبب هذه الرموز والمصطلحات التي يستخدمها الصوفية في تعبيرهم عن الأحوال والمقامات خوفهم من أن تنكشف لغيرهم، وهذا تأويل منهم لتمرير الباطل والتلبيس على الناس، ولذلك يقال عن التصوف "إنه علم الإشارة؛ لأن شاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن التعبير عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحلَّ تلك المقامات"
(5)
.
(1)
التمكين: صفة أهل الحقائق فما دام السالك في الطريق فهو صاحب تلوين يترقى من حال إلى أخرى ومن وصف إلى آخر، حتى إذا وصل واتصل غدا صاحب تمكين ومن أهل الحقائق. ينظر: الرسالة القشيرية 1/ 252.
(2)
معراج التشوف، ص 43.
(3)
إيقاظ الهمم، ص 156.
(4)
المرجع نفسه، 156.
(5)
التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 106، وينظر: اليواقيت والجواهر 1/ 19.
ولذلك تجدهم أصحاب تصوف ظاهر، وتصوف باطن، وهذا قولهم بأنفسهم، فالبوزيدي عدَّ صفات ابن عجيبة أمام أصحابه فقال: "أحمد متصفٌ بالزُّهد والورع والتوكل والصبر والحلم والرضا والتسليم والشفقة والرحمة والسخاء والكرم، حتى عد اثني عشر مقامًا، فقال ابن عجيبة: يا سيدي هذا التصوف؟، فقال: هذا تصوف الظاهر وبقي تصوف الباطن، ستعرفه إن شاء الله
…
ثم جعلت
(1)
أزوره ببني زروال
(2)
حتى فتح الله علينا بالفتح الكبير"
(3)
.
فهذه المقامات والأحوال ليست الهدف الأسمى الذي يسعى له الصوفية، بل هي وسيلة لمقصودهم للوصول إلى وحدة الوجود؛ لذلك اعتبروا الوقوف عند هذا الحد حجابًا وشغلًا عن الوصول إلى مقام الوحدة، ونصوص ابن عجيبة في هذا كثيرة، منها:
قوله: "شأن أهل الحجاب يُحبسون في المقامات والأحوال، تشغلهم حلاوة ذلك عن الله تعالى، فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا، وأهل الغنى بالله لا يقفون مع حال ولا مقام هم مع مولاهم"
(4)
، ويقول أيضًا:"وبقي حجابان آخران، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلِّم دون واسطة، أولهما: حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة، والوقوف مع المقامات أو الكرامات فإنها عند العارفين سموم قاتلة"
(5)
.
(1)
المقصود زيارة ابن عجيبة لشيخه وتردده عليه.
(2)
بنو زروال: من القبائل الجبلية الشهيرة بشمال المغرب، بربرية الأصل ثم تعربت تمامًا ولم يبق منها إلا الاسم شأن قبائل كثيرة بالمغرب، كدكالة، وتنقسم قبيلة زروال إلى خمس فخذات: بني إبراهيم، وبني مكة، وبني ملول وبو معان، وأولاد قاسم، يحدها شرقًا قبيلة كثامة، وغربًا قبيلة بنو مستارة، وجنوبًا قبائل سلاس. ينظر: قبيلة بني زروال، ص 8 - 9.
(3)
الفهرسة، ص 46.
(4)
البحر المديد 1/ 570.
(5)
المرجع نفسه 2/ 109.
وقال أيضًا: "فإن حلاوة الطاعة سموم قاتلة، يمنع الوقوف معها من الترقِّي إلى حلاوة الشُّهود ولذة المعرفة
…
"
(1)
.
فعندما يتكلمون بالتصوف الظاهر فهم يريدون التلبيس على الناس؛ لكي يُظن بهم أنهم على حقٍّ وأنهم موافقون لعموم المسلمين من تفسيرهم للأحوال التي تعرف عند المسلمين بأعمال القلوب، ومثال قول ابن عجيبة عن مفهوم الصبر، يتبين مراد القوم، فعندما عرفه قال بأنه:"حبس القلب على حكم الرب"
(2)
.
وهذا جيِّدٌ؛ إذ هو يوافق معنى الصبر المتعارف عليه بأنه حبس النفس عن الجزع
(3)
.
والصبر على المصائب واجب
(4)
.
وعند تقسيمه للصبر يظهر مدى تأثره بعقيدة وحدة الوجود.
فقال: "صبر العامة: حبس القلب على مشاق الطاعات ورفض المخالفات، وصبر الخاصة: حبس النفس على الرياضات، والمجاهدات، وارتكاب الأهوال في سلوك طريقة الأحوال، مع مراقبة القلب في دوام الحضور، وطلب رفع الستور، وصبر خاصة الخاصة: حبس الروح أو السر في المشاهدات والمعاينات، أو دوام النظر والعكوف في الحضرة"
(5)
.
أمَّا الصبر على طاعة الله، والصبر على امتحان الله، والصبر عن معصية الله فعند الصوفية تقسيم العوام.
(1)
البحر المديد 5/ 312.
(2)
معراج التشوف، ص 20.
(3)
ينظر: مجموع الفتاوى 17/ 233.
(4)
مجموع الفتاوى 8/ 191.
(5)
معراج التشوف، ص 20.