الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والله سبحانه قد أخبر أنه يصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن النَّاس، والاصطفاء: افتعال من التصفية، كما أن الاختيار: افتعال من الخيرة، فيختار من يكون مصطفى
…
والله سبحانه اتخذ رَسُولًا فضَّله بصفاتٍ أُخرى لم تُكن موجودةً فيه من قبل إرساله، كما كان يُظهر لكلِّ من رأى موسى وعيسى ومحمَّدًا من أحوالهم وصفاتهم بعد النُّبُوَّة"
(1)
.
رابعًا: الإيمان بالنَّبيِّ محمَّد صلى الله عليه وسلم وذكر ما جاء في خصائصه
ذكر ابن عجيبة بعضًا من الأمور التي يتضمَّنها الإيمان بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وخصائصه وهي:
1 -
أنَّ رسالتَه عامَّةٌ للثقلين.
قال في تفسيره لقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
(2)
: "وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي: جميعًا، إنسهم وجِنّهم، عَربيّهم وعجميّهم، أحمرهم وأسودهم، وقدَّم الحال للاهتمام"
(3)
.
قال الطبري رحمه الله: "يقول -تعالى ذكره-: وما أرسلناك يا محمَّدُ إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصَّة، ولكنَّا أرسلناك كافة للنَّاس أجمعين، العرب منهم، والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا من أطاعك، ونذيرًا من كذَّبك {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أنَّ الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر"
(4)
.
(1)
النبوات 1/ 30.
(2)
سورة سبأ: 28.
(3)
البحر المديد 4/ 459.
(4)
جامع البيان 20/ 405.
وقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}
(1)
.
قال ابن كثير رحمه الله: "وهذا خطابٌ للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنَّه خاتمُ النبيين، وأنَّه مبعوثٌ إلى النَّاس كافة"
(2)
.
قال الطحاوي رحمه الله: "فهو المبعوث إلى عامَّة الجنِّ وكافَّة الورى، بالحقِّ والهُدَى وبالنُّور والضياء"
(3)
.
فنبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ للنَّاس عامَّة، قال تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}
(4)
.
قال القرطبي رحمه الله: "والمراد بالعالمين هنا، الإنس والجن؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان رسولًا إليهما جميعًا"
(5)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ إلى الثقلين باتفاق المسلمين"
(6)
.
وقال ابن القيم رحمه الله: "فأجمع المسلمون على أنَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الجنِّ والإنس، وأنَّه يجب على الجنِّ طاعته، كما يجب على الإنس"
(7)
.
(1)
سورة الأعراف: 158.
(2)
تفسير القرآن العظيم 3/ 489.
(3)
العقيدة الطحاوية، ص 39.
(4)
سورة الفرقان: 1.
(5)
تفسير القرطبي 13/ 4، وينظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص 166، ولوامع الأنوار 2/ 279، ومعارج القبول 2/ 496.
(6)
مجموع الفتاوى 11/ 303.
(7)
طريق الهجرتين وباب السعادتين 1/ 617.
(1)
.
قال الشنقيطي رحمه الله: " {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} منطوق هذه الآية أنَّ من أجاب داعي الله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وآمن به، وبما جاء به من الحق غفر الله له ذنوبه، وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها المعروف بدليل الخطاب، أنَّ من لم يجب داعي الله من الجن، ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرَّحًا به مبيَّنًا في آياتٍ أُخر، كقوله تعالى:{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
(2)
وقوله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
(3)
…
"
(4)
.
وبهذا يتبيَّن أنَّ غيره من الأنبياء رسالتهم خاصَّة لأقوامهم، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
(5)
.
(1)
سورة الأحقاف: 29 - 32.
(2)
سورة هود: 119.
(3)
سورة السجدة: 13.
(4)
أضواء البيان 8/ 52.
(5)
سورة إبراهيم: 4.
قال ابن كثير رحمه الله: "وقد كانت هذه سُنَّة الله في خلقه، أنه ما بعث نبيًّا في أُمَّةٍ إلا أن يكون بلغتهم، فاختصَّ كلَّ نبيٍّ بإبلاغ رسالته إلى أُمَّته دون غيرهم، واختصَّ محمَّد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس"
(1)
.
والأحاديث كثيرة تشهد لهذا المعنى، قال صلى الله عليه وسلم:«وكان النَّبيُّ يبعث إلى قومه خاصَّة وبُعثت إلى النَّاس عامَّة»
(2)
.
وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمَّدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمَّة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار»
(3)
.
قال سعيد بن جبير
(4)
: "ما بلغني حديثٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وَجهه إلا وجدتُ مصداقَه في كتاب الله تعالى، حتى قال «لا يَسمَعُ بي أحدٌ من هذه الأُمَّة، ولا يهودي ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمن بما أُرسلت به إلا دخل النار» قال سعيد، فقلتُ: أين هذا في كتاب الله؟ حتى أتيت على هذه الآية:
{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
(1)
تفسير القرآن العظيم 4/ 477.
(2)
أخرجه البخاري، كتاب التيمم، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا 1/ 74، رقم 335.
(3)
أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 1/ 134، رقم 153.
(4)
هو: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، مولى بني والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة؛ كوفيٌّ، أحد أعلام التابعين، أخذ العلم عن عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال له ابن عباس: حدِّث، فقال: أُحدِّث وأنت هاهنا؟ فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك، قتله الحجاج سنة 95 هـ، وله من العمر نحو خمسين سنة. ينظر: وفيات الأعيان 2/ 371.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}
(1)
قال: من أهل الملل كُلِّها"
(2)
.
2 -
أنَّه خاتم النَّبيين.
قال في تفسير قول الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}
(3)
:
"كان أيضًا صلى الله عليه وسلم خاتَمَ النَّبِيِّينَ أي: آخرهم الذي ختمهم، أو ختموا به على قراءة عاصم، بفتح التاء، بمعنى: الطابع، كأنه طبع وختم على مقامات النُّبوة، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيءٌ، فلا نبيَّ بعده، وعيسى ممَّن نُبِّأ قبله، وحين ينزل عاملًا على شريعته صلى الله عليه وسلم، كأنَّه بعض أُمَّته، ومَن قرأ بكسر التاء، فمعناه فاعل الختم"
(4)
.
قال السفاريني رحمه الله
(5)
: "ومعناه أنه لا تبدأ نبوةٌ، ولا تُشرع شريعةٌ بعد نُبوَّته وشريعته"
(6)
.
وقال ابن كثير: "فهذه الآيةُ نصٌّ في أنه لا نبيَّ بعده، وإذا كان لا نبيَّ بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى والأحرى؛ لأنَّ مقام الرِّسالة أخصُّ من مقام النُّبوة، فإن كلَّ رسولٍ نبيٌّ، ولا ينعكس"
(7)
.
(1)
سورة هود: 17.
(2)
تفسير الطبري 15/ 279.
(3)
سورة الأحزاب: 40.
(4)
البحر المديد 4/ 439.
(5)
هو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، ولد بقرية سفارين من قرى نابلس في فلسطين، عام 1114 هـ، من شيوخه: عبد القادر التغلبي، ومحمد حياة السندي، ومن تلاميذه: محمد مرتضى الزبيدي، ومن مصنفاته: الدرة المرضية في عقيدة الفرقة المرضية، وكشف اللثام في شرح عمدة الأحكام، توفي سنة 1188 هـ. ينظر: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر 4/ 31.
(6)
لوامع الأنوار 2/ 277.
(7)
تفسير القرآن العظيم 6/ 428.
وقال ابن جرير: "
…
ولكن رسول الله وخاتم النَّبيين، ختم النبوة فطبع عليها فلا تُفتح لأحدٍ بعده إلى قيام الساعة"
(1)
.
ولقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ رسالته خاتمة الرِّسالات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون ويعجبون ويقولون: هلا وُضعت هذه اللِّبنة؟ قال: فأنا اللِّبنة، وأنا خاتم النَّبيين»
(2)
.
يقول ابن حجر رحمه الله: "وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام، وفضل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على سائر النَّبيين، وأنَّ الله ختم به المرسلين، وأكمل به الشرائع"
(3)
.
فالإيمان بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم "واجبٌ متعيِّنٌ لا يتمُّ إيمانٌ إلَّا به، ولا يصحُّ إسلامٌ إلا معه"
(4)
، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمَّة يهوديٌّ ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار»
(5)
.
ولهذا كانت رسالة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عامَّةً وشاملةً لجميع النَّاس، ونسخ الملل كلّها.
قال ابن القيم رحمه الله: "وعموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنِّسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أُمَّته إلى أحدٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى
(1)
جامع البيان في تأويل القرآن 19/ 28.
(2)
أخرجه البخاري، واللفظ له، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين 6/ 558، رقم 3534.
(3)
فتح الباري 6/ 559.
(4)
الشفا بحقوق المصطفى 2/ 4.
(5)
أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل كلها 2/ 186، رقم 116.
من يبلِّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرَّق إليهما تخصيص، عموم بالنِّسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنِّسبة إلى كلِّ ما يُحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه؛ فرسالته كافية شافية عامَّة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلِّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عمَّا جاء به"
(1)
.
3 -
أنَّه سيِّد ولد آدم.
قال: "فإنه خُصَّ بالدعوة العامَّة، والحُجَجِ المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدَّهر، والفضائل العلميَّة والعمليَّة الفائتة للحصر، ولقد صرَّح النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بفضله على جميع الأنبياء بقوله:«أنا سيِّدُ ولد آدم ولا فخر»
(2)
"
(3)
.
وقد فضَّل الله تعالى نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بأنَّه ساد الكُل، فقال صلى الله عليه وسلم:«أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر» ، والسَّيِّد من اتصف بالصفات العليَّة والأخلاق السنيَّة، وهذا مُشْعرٌ بأنَّه أفضل منهم في الدارين، أمَّا في الدنيا فلما اتصف به من الأخلاق المذكورة، وأمَّا في الآخرة فلأنَّ جزاء الآخرة مرتَّبٌ على الأوصاف والأخلاق، فإذا فضَّلهم في الدنيا في المناقب والصفات، فضَّلهم في الآخرة في المراتب والدرجات.
(1)
إعلام الموقعين عن رب العالمين 4/ 285.
(2)
أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل النبي صلى الله عليه وسلم 5/ 548، رقم 3615، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة 2/ 1440، رقم 4308، وهو حديثٌ صحيحٌ بهذا اللفظ، ينظر: السلسلة الصحيحة للألباني، رقم 1571، وصحيح الجامع الصغير 1/ 309، رقم 1468، وأخرجه مسلم من غير زيادة ولا فخر، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق، ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي 15/ 438، رقم 2278.
(3)
البحر المديد 1/ 282.
وإنما قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر» ليُعرِّف أُمَّته منزلته من ربه عز وجل، ولما كان من ذكر مناقب نفسه إنما يذكرها افتخارًا في الغالب، أراد صلى الله عليه وسلم أن يقطع وَهم من يتوهَّم من الجهلة أنه ذكر ذلك افتخارًا، فقال:«ولا فخر»
(1)
.
4 -
النَّصر بالرُّعْب، وحلُّ الغنائم، وجعل الأرض مسجدًا طهورًا له، والشفاعة، وجوامع الكلِم.
(2)
(3)
.
قال ابن حجر رحمه الله: "وظاهرُ الحديث يقتضي أنَّ كلَّ واحدةٍ من الخمس المذكورات لم تكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك"
(4)
.
وكلامه صلوات ربي وسلامه عليه يحمل معاني جامعة مانعه، فألفاظه موجزة مع تناولها للمعاني الكثيرة جدًّا بخواتمها أي: كان يختم على المعاني الكثيرة التي تضمَّنها اللَّفظ اليسير فلا يخرج منها شيءٌ عن طالبه ومستنبطه لعذوبة لفظه وجزالته
(5)
، والشواهد على ذلك كثيرة فمنها قوله صلى الله عليه وسلم:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
(6)
.
(1)
ينظر: منية السول في تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم، ص 18.
(2)
أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، 1/ 370، رقم 521، وينظر: صحيح مسلم بشرح النووي 5/ 178.
(3)
البحر المديد 2/ 349.
(4)
فتح الباري 1/ 436.
(5)
ينظر: الديباج على صحيح مسلم 5/ 57.
(6)
أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، 15/ 205 رقم 6475.
وهذا توجيهٌ نبويٌّ؛ لِأَنْ يترك الإنسان ما لا يعنيه، وأن يشتغل بنفسه وإصلاحها وتهذيبها، ولكن لا يعني هذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ضوابط الشرع دون أن يترتب عليه مفسدة أكبر فهذا مما يعني الإنسان امتثالًا لقول الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
(1)
.
5 -
أنُزل عليه القرآن
(2)
.
عدَّ ابن القيم خصائص كثيرة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: "فمن ذلك أنه بُعث إلى الخلق عامَّة، وخُتم به ديوان الأنبياء، ونزل عليه القرآن الذي لم ينزل من السَّماء كتابٌ يشبهه، ولا يقاربه، وأنزل على قلبه محفوظًا متلوًّا، وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره، وأُوتي جوامع الكلم، ونُصر بالرُّعب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر، وجُعلت صفوف أُمَّته في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السَّماء، وجُعلت له ولأمته الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُسري به إلى أن جاوز السَّماوات السَّبع ورأى ما لم يره بشرٌ قبله، ورُفع على سائر النَّبيين، وجُعل سيِّد ولد آدم، وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، واتبعه على دينه أتباع أكثر من أتباع سائر النَّبيين من عهد نوحٍ إلى المسيح، فأُمَّته ثلثا أهل الجنَّة، وخصَّه بالوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنَّة، وبالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وبالشَّفاعة العُظمى التي يتأخَّر عنها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأعزَّ الله به الحقَّ وأهله عزًّا لم يعزه بأحدٍ من قبله، وأذلَّ به الباطل وحزبه ذلًّا لم يحصل بأحدٍ قبله، وآتاه من العلم والشَّجاعة
(1)
سورة آل عمران: 104.
(2)
ينظر: البحر المديد 4/ 75.
والسَّماحة والصَّبر والزُّهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية والمعارف الإلهية مالم يؤته نبيٌّ قبله، وجُعلت الحسنة منه ومن أُمَّته بعشر حسنات مثلها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وتجاوز له عن أُمَّته الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وصلى الله عليه هو وجميع ملائكته، وأمر عباده المؤمنين كلهم أن يصلوا عليه ويسلموا تسليمًا، وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر الله ذكر معه، كما في الخطبة والتشهُّد والأذان، فلا يصحُّ لأحدٍ أذانٌ ولا خُطبةٌ ولا صلاةٌ حتى يشهد أنه عبده ورسوله، ولم يجعل معه أمرًا يطاع، لا ممَّن قبله ولا ممَّن هو كائن بعده إلى أن تُطوى الدنيا ومن عليها، وأغلق أبواب الجنَّة إلا عمَّن سلك خلفه،
واقتدى به، وجعل لواء الحمد بيده، فآدم وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وجعله أول من تنشقُّ عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفَّع، وأول من يقرع باب الجنَّة، وأول من يدخلها، فلا يدخلها أحدٌ من الأولين والآخرين إلا بشفاعته صلى الله عليه وسلم، وأعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله تعالى، والعزيمة على تنفيذ أوامره، والرضا عنه، والشكر له، والتنوع في مرضاته، وطاعته ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية، في نفسه وفي الخلق، ما لم يعطه نبي غيره، ومن عرف أحوال العالم، وسير الأنبياء وأممهم، تبيَّن له أنَّ الأمر فوق ذلك، فإذا كان يوم القيامة ظهر للخلائق كلهم من ذلك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر أنه يكون أبدًا"
(1)
.
6 -
الإسراء والمعراج.
قال: "إنَّ الإسراء بالجَسَد مخصوصٌ به صلى الله عليه وسلم وقيل مرَّة أو مرتين، وأمَّا الإسراء بالرُّوح فيقع للأولياء على قدر تصفية الرُّوح
…
"
(2)
.
(1)
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى 2/ 366.
(2)
البحر المديد 3/ 180 - 181.
وما ذكره ابن عجيبة في ما يتضمنه الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من خصائصه موافقٌ لما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ولكنه -عفا الله عنه- لم يوفق للصواب في مسألة الإسراء والمعراج، وخالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة وفق منهج السلف الصالح وهو أنَّ نبيَّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم أُسري بروحه وجسده مرة واحدةً يقظةً لا منامًا، وما ذهب إليه في مسألة الإسراء بروح الولي وافق فيه الصوفيه في غلوهم في الأولياء ورفعهم فوق منزلة النبيين والمرسلين، ولا يشكُّ عاقلٌ في خطأهم وعدم صوابهم، لكونهم خالفوا ما دلَّت عليه النصوص في مسألة الإسراء والمعراج، وأنها خاصَّةٌ بالنَّبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم، وهي من المعجزات العظيمة الدالة على صدقه وأنه مرسل من الله تعالى.
قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله
(1)
: "وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسري به إلى فوق سبع سماوات ثم إلى سدرة المنتهى، أُسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عُرِج به إلى السَّماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح"
(2)
.
وقال ابن القيم رحمه الله: "ثم أُسري بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى فوق السماوات بجسده وروحه إلى الله عز وجل، فخاطبه وفرض عليه الصلوات، وكان ذلك مرَّةً واحدة، هذا أصحُّ الأقوال"
(3)
.
(1)
هو: أبو محمد، تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي، ولد بجماعيل من أرض نابلس، سنة 544 هـ، حدَّث عنه ابن خالته الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وأولاده الحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد الله، والفقيه أبو سليمان، والحافظ الضياء المقدسي، وكانت وفاته سنة 600 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 21/ 467 - 468.
(2)
عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي مع شرحها تذكرة المؤتسي، ص 258.
(3)
زاد المعاد في هدي خير العباد 1/ 99.