الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سوَّاه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة، وفضَّله عليهم بتعليمه أسماء كلِّ شيءٍ وبأن خلقه بيديه؛ وبغير ذلك، فهو وصالحو ذريته أفضل من الملائكة؛ وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين، وهؤلاء من نور"
(1)
.
ثانيًا: رأْيُ ابن عجيبة أنَّ الكون خُلِقَ من أجل محمَّد صلى الله عليه وسلم
-
يرى ابن عجيبة أنَّ جميع ما في الكون خُلِقَ من أجل النِّبي محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ويَسْتَدلُّ كغيره من الصوفية بشبهاتٍ أتوا بها من عند أنفسهم، وهي:
1 -
حديث: "لولاك ما خُلِقَت الكونُ، أو ما خُلِقَتِ الأفلاك"
(2)
.
وقال في شرحه لبيتٍ من أبيات البُردة:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةَ مَن
…
لولاه لم تَخرج الدُّنيا من العَدَم
"وكيف تدعو إلى طلب الدنيا والميل إليها ضرورة مخلوق عظيم لولاه لم تخرج هي من العدم، من كان سببًا في خلق الدنيا كيف يحتاج إليها وإنما خلقت من أجله"
(3)
، وشرحه لهذا البيت مستنبطٌ من الحديث الموضوع:«لولاك ما خلقت الدنيا»
(4)
.
2 -
حديث: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحقِّ محمَّدٍ لما غفرتَ
(1)
مجموع الفتاوى 11/ 94.
(2)
البحر المديد 5/ 9، وينظر: فضائل نور سيد المرسلين وذكر أطواره في العالمين، ص 272، تقييدان في وحدة الوجود، ص 8.
(3)
شرح البردة، ص 90.
(4)
ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال عنه: هذا حديثٌ موضوعٌ لا شكَّ فيه، وفى إسناده مجهولون وضعفاء، والضعفاء أبو السكين وإبراهيم من اليسع، وقال الدارقطني: أبو السكين ضعيف، وإبراهيم ويحيى البصري متروكان، وقال أحمد بن حنبل: حرقنا حديث يحيى البصري، وقال الفلاس: كان كذَّابًا يحدث أحاديث موضوعة. وقال الدارقطني: متروك. ينظر: الموضوعات 1/ 298.
لي؟ قال: وكيف عرفتَ محمَّدًا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائم العرش مكتوبًا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فعلمتُ أنَّك لم تضف إلى اسمك إلا أحبَّ الخلق إليك، قال: صدقتَ يا آدم ولولا محمَّدٌ ما خلقتُك»
(1)
.
وهذا باطلٌ، فالمقرَّر في نصوص الشريعة أنَّ الله عز وجل لم يخلق آدمَ ولا غيره من أجل أحد، بل خلق الكلَّ لعبادته، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
(2)
.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "هذه الغاية، التي خلق الله الجنَّ والإنس لها، وبعث جميع الرُّسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمِّنة لمعرفته ومحبَّته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه، وذلك يتضمَّن معرفة الله تعالى، فإنَّ تمام العبادة متوقِّفٌ على المعرفة بالله، بل كُلَّما ازداد العبدُ معرفةً لربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خَلَق اللهُ المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجةٍ منه إليهم"
(3)
.
أمَّا الحديث الذي ذكره الحاكم فقال عنه ابنُ تيمية رحمه الله: "
…
وأمَّا تصحيح الحاكم لهذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمَّة العلم بالحديث، وقالوا: إنَّ الحاكم يُصحِّح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث
…
؛ ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرَّد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر
(1)
أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين 2/ 615، والطبراني في معجمه الصغير 2/ 82، والبيهقي في دلائل النبوة 5/ 489، وضعَّفه الألباني في السلسلة الضعيفة 1/ 450.
(2)
سورة الذاريات: 56.
(3)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/ 318.
غلطه، وإنَّ الصواب أغلب عليه وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه
…
ومثل هذا لا يجوز أن تُبنى عليه الشريعة، ولا يُحتج به في الدين باتفاق المسلمين؛ فإنَّ هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها، التي لا تُعلم صحَّتُها إلا بنقلٍ ثابتٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم
…
ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحدٌ من ثقات علماء المسلمين الذي يعتمد على نقلهم"
(1)
.
وأمَّا حديث: "لولاك لما خلقت الأفلاك" فقال عنه: الشيخ الألباني: "إنه حديثٌ موضوع"، وتعقَّب قول القاري
(2)
فقال: "وأمَّا قول الشيخ القاري: لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي
(3)
عن ابن عباس مرفوعًا: «أتاني جبريل فقال: يا محمَّد لولاك لما خُلقت الجنة، ولولاك ما خُلقت النار» وفي رواية ابن عساكر
(4)
: «لولاك ما خلقت الدنيا» فأقول: الجزمُ بصحَّة معناه لا يَليقُ إلا بعد ثبوت ما نقله عن الديلمي، وهذا مما لم أرَ أحدًا تعرَّض لبيانه، وأنا وإن كنتُ لم أقف على سنده،
(1)
التوسل والوسيلة، ص 85، 87، وينظر: لسان الميزان 3/ 359 - 360.
(2)
هو: أحمد بن عبد الله القاري، ابن محمد بشير خان، قاض حجازي، من أصل هندي، ولد سنة 1309 هـ وتعلم في المدرسة الصولتية بمكة، وعلَّم بها، وعين قاضيًا لمدينة جدة سنة 1340 هـ وجعل من أعضاء مجلس الشورى سنة 1349 هـ فرئيسًا للمحكمة الشرعية الكبرى، فأحد أعضاء رئاسة القضاء سنة 1357 إلى أن توفي سنة 1359 هـ، له:(مجلة الأحكام الشرعية -خ) على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، في نحو ألف مادة، عاجله الأجل قبل طبعها. ينظر: الأعلام 1/ 163.
(3)
هو: شيرويه بن شهر دار بن شيرويه بن فناخسرو بفاء ونون وخاء معجمة وسين وراء مهملتين بعدهما واو، أبو شجاع الديلمي الهمذاني، ذكره ابن الصلاح فقال: كان محدثًا واسع الرحلة حسن الخَلق والخُلق، ذكيًّا صلبًا في السُّنَّة قليل الكلام، صنَّف تصانيف اشتهرت عنه منها: كتاب الفردوس، وكتاب في حكايات المنامات، وكتاب تاريخ همدان، ولد سنة 445 هـ، وتوفي في رجب سنة 509 هـ .. ينظر: طبقات الشافعية 1/ 285.
(4)
هو: أبو القاسم، علي بن الحسين بن هبة الله المعروف بابن عساكر، له مصنَّفات عدة منها: تاريخ ابن عساكر، الإشراف على معرفة الأطراف، كشف المغطى في فضل الموطأ، وكانت وفاته سنة 571 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 20/ 570.
فإنِّي لا أتردَّد في ضعفه، وحسبنا في التدليل على ذلك تَفرُّد الديلمي به
…
"
(1)
.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهل الحديث الذي يذكره بعض الناس: «لولاك ما خلق الله عرشًا ولا كرسيًّا ولا أرضًا ولا سماءً ولا شمسًا ولا قمرًا» ؟ ، فأجابَ: محمَّدٌ سيِّد ولد آدم، وأفضل الخلق وأكرمهم عليه، ومن هنا قال من قال: إنَّ الله خلق من أجله العالم أو إنَّه لولا هو لما خلق عرشًا، ولا كرسيًّا، ولا سماءً، ولا أرضًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، لكن ليس هذا حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولم ينقله أحدٌ من أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا يُعرف عن الصَّحابة رضي الله عنهم، بل هو كلامٌ لا يُدْرى قائله"
(2)
.
ويقول أيضًا: "هذا الحديث لم ينقله أحدٌ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم لا بإسنادٍ حسنٍ ولا صحيح بل ولا ضعيف يستأنس به، ويعتضد به، وإنما نُقل هذا وأمثاله كما تُنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب، وتُنقل عن مثل كعب
(3)
، ووهب
(4)
…
ومسلمة أهل الكتاب، أو غير مسلمتهم أو عن كتبهم
…
ويكفيك أنَّ هذا الحديث ليس في شيءٍ من دواوين الحديث التي يُعتمد عليها"
(5)
.
(1)
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1/ 450، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات 1/ 288 - 289، وقال عنه الشوكاني: موضوع، ينظر: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، ص 326.
(2)
مجموع الفتاوى 11/ 86.
(3)
هو: كعب بن ماتع الحميري، اليماني، العلامة، الحبر، الذي كان يهوديًّا، فأسلم بعد وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه فجالس أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان يحدثهم عن الإسرائيليات، حدَّث عنه: أبو هريرة، ومعاوية، وابن عباس، توفي بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه عن مائة وأربع سنين. ينظر: سير أعلام النبلاء 3/ 489.
(4)
هو: أبو عبد الله، وهب بن منبِّه بن كامل بن سيج الأنباري اليماني، أخذ عن بعض الصحابة رضي الله عنه كابن عباس، وقد امتحن، وحُبس، وضرب لاتهامه بالقدر، ولي قضاء صنعاء، مات سنة 114 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 4/ 544.
(5)
الاستغاثة في الرد على البكري، ص 431.