الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»
(1)
فيه ما فيه، وظاهره أنه بدعة استحسنوها قمعًا للنفس عن الاسترسال في الميل إلى الراحة وإيثارًا إلى ما يبنى عليه من المجاهدة"
(2)
.
ثالثًا: تجرُّد المريد عن المال
لا بدَّ للمريد أن يفتح على نفسه أربعة؛ ليدخل في طريق القوم: "يفتح باب الذُّل، ويغلق باب العز، ويفتح باب المجاهدة، ويغلق باب الرَّاحة، ويفتح باب السَّهر، ويغلق باب النُّوم، ويفتح باب الفقر، ويغلق باب الغنى"
(3)
.
وقصد القوم من المجاهدة الوصول للإلهام والكشف، قال الغزالي:"فبالمجاهدة والجلوس مع الله في الخلوة مع تطهير القلب عن شواغل الدنيا تنكشف دقائق علوم الدين، وتنفجر ينابيع الحكمة من القلب من غير عَدٍّ ولا حصر، فتصفية القلب والجلوس في الخلوة مع الله تعالى هو مفتاح الإلهام ومنبع الكشف"
(4)
.
"وكل مريد اشتغل بإصلاح حاله وبنظافة ثيابه، ولبس الأصواف الرفيعة وغيرها لا يفلح في طريق القوم، ولو كان شيخه من أكبر الأولياء"
(5)
.
(1)
أخرجه أحمد 2/ 108، وابن حبان في صحيحه 6/ 451، 2742، 8/ 333، 3568، لكن في الموضع الثاني بلفظ:«كما يجب أن تؤتى عزائمه» ، والبزار 12/ 250، رقم 5998، والبيهقي في كتاب الصلاة، باب كراهية ترك التقصير والمسح على الخفين وما يكون رخصة رغبة عن السُّنَّة، 3/ 140، والخطيب في تاريخه 10/ 347، والقضاعي في مسند الشهاب 1078، وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني. ينظر: 3/ 165 - 166، والحديث صحَّحه الألباني في الإرواء ح:564.
(2)
الاعتصام 1/ 237.
(3)
من كلام أبي مدين، مخطوط آداب المريد والشيخ، تطوان، ضمن مجموع رقم 1088، ص 140.
(4)
فاتحة العلوم، للغزالي، ص 29، وكذلك الوصول لوحدة الوجود، وهذا ما سوف يتبين أيضًا أثناء مناقشة الولاية، ووحدة الوجود.
(5)
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية 1/ 190.
وابن عجيبة سلك هذا المسلك إذ يقول: "وقد كنتُ قبل أن أدخل في طريق القوم متلبِّسًا بشيءٍ من الدنيا، كان عندي بستان وعرصتان من اللشين
(1)
، من قبل الحبس وبقرة تحلب وملاح الملح وخزانة من كتب العلم، فلما دخلت في الطريق ذهب ذلك كلُّه وبقيت كما قال تعالى:{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى}
(2)
، وبعت كتب العلم الظاهر، وأنفقت جلَّ ذلك على الشيخ
(3)
في بنيان داره وفي تزويجه"
(4)
.
والخروج عن المال بأن يصبح العبد ذليلًا، فارغ اليد، ليس من الدين في شيء، ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، "ولم يأمر أحدًا بالخروج عن ماله، ولا أمر صاحب صنعة بالخروج عن صنعته، ولا صاحب تجارة بالخروج عن ماله، ولا صاحب تجارة بترك تجارته، وهم كانوا أولياء الله حقًّا، والطالبون لسلوك طريق الحق صدقًا، وإن سلك من بعدهم ألف سنة لم يبلغ شأنهم ولم يبلغ هداهم، ثم إنه كما يكون المال شاغلًا في الطريق عن بلوغ المراد، فكذلك يكون فراغ اليد منه جملة شاغلًا عنه، وليس أحد العارضين أولى بالاعتبار من الآخر"
(5)
.
وترك ما يستعين به العبد على طاعة الله عز وجل ليس من الزهد المشروع
(6)
.
قال ابن القيم رحمه الله: "الزهد في الدنيا جملة، وليس المراد تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكُليَّة، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك
(1)
اللشين: البرتقال، الفهرسة، ص 53.
(2)
سورة الأنعام: 94.
(3)
يقصد شيخه العربي الدرقاوي.
(4)
الفهرسة، ص 53.
(5)
الاعتصام 1/ 273 - 274.
(6)
ينظر: مجموع الفتاوى 11/ 28.
وهي في قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز
(1)
الذى يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدًا فيها"
(2)
.
ورأي ابن عجيبة وغيره
(3)
بعيد عن دين الوسطية والاعتدال، فالنفس لها إقبال وإدبار في ما تقوم به من أعمال، ولهذا بيَّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم المنهج الصحيح فقال:«لكلِّ عملٍ شرة، ولكلِّ شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سُنَّتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك»
(4)
، ومن لم تخرجه فترته من تضيع فرض أو تدخله في فعل محرَّم يُرجى له أن يعود أفضل مما كان عليه
(5)
.
ويقول ابن تيمية رحمه الله: "ومن عظَّم مطلق السهر والجوع، وأمر بهما مطلقًا فهو مخطئ، بل المحمود السَّهر الشرعي، والجوع الشرعي، فالسَّهر الشرعي كما تقدَّم
(1)
أبو حفص، عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي الدمشقي، أمير المؤمنين، ولي إمارة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، روى عن عروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سيرة، وغيرهم، وعنه الزهري وأبو بكر بن حزم، حديثه عند الستة، مات في رجب سنة 101 هـ، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف. ينظر: الجرح والتعديل 6/ 123، سير أعلام النبلاء 5/ 114.
(2)
طريق الهجرتين، ص 252.
(3)
ينظر: الآداب المرضية لسالك طريق الصوفية، ص 35، 353، سلوك الطريقة الوارية بالشيخ والمريد والزاوية، ص 73، 107.
(4)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 409، رقم 23870، والبزار في المسند 6/ 337 - 338، رقم 2345، و 2346، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح 2/ 258، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان 3/ 399، رقم 3878، وابن حبان في صحيحه 1/ 187، رقم 211، وحسَّنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان 1/ 380، وأخرجه الترمذي 2/ 74، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح، وصحَّحه الألباني في ظلال الجنة رقم 151.
(5)
ينظر: مدارج السالكين 3/ 131.
من صلاة، أو ذكر، أو قراءة، أو كتابة علم، أو نظر فيه، أو درسه، أو غير ذلك من العبادات"
(1)
.
وقال أيضًا: "وهذا هو الذي أدخل كثيرًا منهم في الرهبانية، والخروج عن الشرعية، حتى تركوا من الأكل والشرب، واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه، وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به
…
فلازموا الجوع والسَّهر، والخلوة والصَّمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق"
(2)
.
وقال الذهبي رحمه الله: "ثم قلَّ من عمل هذه الخلوات المبتدعة إلا واضطرب، وفسد عقله، وجفَّ دماغه، ورأى مرأى وسمع خطابًا لاوجود له في الخارج"
(3)
.
ويقول ابن تيمية رحمه الله: "وليس لأولياء الله عز وجل شيء يتميَّزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميَّزون بلباس دون لباس إذا كان مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفر إذا كان مباحًا، كما قيل كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التُّجَّار والصُّنَّاع والزُّرَّاع"
(4)
.
ويجب على المؤمن أن يسلك ما جاءت به النصوص الشرعية بتسديد العبد وتوفيقه من الله عز وجل.
قال الله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ
(1)
مجموع الفتاوى 22/ 308.
(2)
المرجع نفسه 10/ 715، 717 - 718.
(3)
سير أعلام النبلاء 34/ 80.
(4)
مجموع الفتاوى 11/ 194.
يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
(1)
.
قال ابن كثير رحمه الله: "أي: لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه، ويزكِّي النفوس من شركها وفجورها ودسِّها وما فيها من أخلاقٍ رديئة، كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرًا"
(2)
.
ولن تنعم هذه النفس في أنواع العبادات إلا إذا تزكَّت بتحقيق التوحيد العلمي الخبري والإرادي الطلبي، فالله عز وجل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسَّلوا بشكرها إلى زيادة كرامته
(3)
.
ومن تأمَّل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجده أفضل الهدي في مطعمه ومشربه وملبسه، "يأكل ما تيسَّر إذا اشتهاه، ولا يردُّ موجودًا، ولا يتكلَّف مفقودًا، فكان إن حضر خبزٌ ولحمٌ أكله، وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله، وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله، وإن حضر حلو أو عسل طعمه أيضًا، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان يأكل القثَّاء بالرطب، فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة، وكان أحيانًا يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولا يأكلون إلا التمر والماء، وأحيانًا يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان لا يعيب طعامًا فإن اشتهاه أكله، وإلا تركه
…
وكذلك اللباس كان يلبس القميص والعمامة، ويلبس الإزار والرداء ويلبس الجُبَّة
(4)
والفروج
(5)
، وكان يلبس من القطن والصوف وغير ذلك
…
وكان يلبس مما يُجلب
(1)
سورة النور: 21.
(2)
تفسير القرآن العظيم 6/ 30.
(3)
ينظر: مدارج السالكين 1/ 144.
(4)
الجُبَّة: ثوب سابغ واسع الكُمِّين مشقوق المقدم يلبس فوق الثياب. ينظر: المعجم الوسيط 1/ 104.
(5)
الفروج: شبه القباء، وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص ويتمنطق عليه. المرجع نفسه 2/ 713.
من اليمن وغيرها، وغالب ذلك مصنوعٌ من القطن، وكانوا يلبسون من قباطي مصر، وهي منسوجة من الكتان، فسُنَّتُه في ذلك تقتضي أن يلبس الرَّجل ويطعم مما يسَّره الله ببلده من الطعام واللباس، وهذا يتنوع بتنوع الأمصار.
وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل اللحم ونحوه، وعلى الامتناع من تزوج النساء، فأنزل الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}
(1)
.
وفي الصحيحين عنه أنه بلغه أنَّ رجالًا قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال:«لكنِّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
(2)
.
وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
(3)
، فأمر بأكل الطيبات والشكر لله فمن حرم الطيبات كان معتديًا، ومن لم يشكر كان مفرطًا مضيعًا لحق الله. وثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إنَّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها»
(4)
…
فهذه هي الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وانحرف عنها قوم ابتدعوا
(1)
سورة المائدة: 87 - 88.
(2)
أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، 9/ 117، رقم 5073، 5074.
(3)
سورة البقرة: 172.
(4)
أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، 17/ 210، رقم 2734.
رهبانية لم يشرعها الإسلام، وأحدثوا مجاهدات مبتدعة موهومة لتحقيق التقوى
…
وأمَّا مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعًا لنا بل أمرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا"
(1)
.
والتقوى إذا كان صاحبها معتصمًا بالكتاب والسُّنَّة كان في خير، وبمنأى عن قياس فلسفي أو خيال صوفي نتيجة رياضة النفس، قال ابن تيمية رحمه الله:"الحق أنَّ التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم، لكن لا بدَّ من الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة في العلم والعمل، ولا يمكن أنَّ أحدًا بعد الرسول يعلم ما أخبر به الرسول من الغيب بنفسه بلا واسطة الرسول، ولا يستغني أحد في معرفة الغيب عمَّا جاء به الرسول، وكلام الرسول مبيِّن للحق بنفسه، ليس كشف أحد ولا قياسه عيارًا عليه، فما وافق كشف الإنسان وقياسه وافقه، وما لم يكن كذلك خالفه، بل ما يسمى كشفًا وقياسًا هو مخالف للرسول فهذا قياس فاسد وخيال فاسد"
(2)
.
فغاية الإنسان أن يجعل عبادته وأعماله لوجه الله عز وجل، متبعًا في ذلك سُنَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، مبتعدًا عن كلِّ مشقَّة مؤذية للنَّفس والبدن، قال الله عز وجل:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
(3)
.
(1)
مجموع الفتاوى 22/ 312، بتصرف.
(2)
الرد على المنطقيين، ص 511.
(3)
سورة البقرة: 286.