الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. أي: مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوما
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. أي: اضربوا القتيل ببعض البقرة المذكورة في الجزء الأول من القصة، وهذا الضمير هو الذي ربط بين جزئي القصة فضربوه فحيي فأخبر عن قاتله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى. أي: كهذا الإحياء يحيي الله الموتى يوم القيامة؟ وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. أي: يريكم دلائله على أنه قادر على كل شئ فتعملون على قضية عقولكم وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم الاختصاص، ثم عقب الله- عز وجل على ما مر بقوله:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. أي: من بعد إحياء القتيل أو من بعد كل الآيات المارة، ووصف القلوب بالقسوة بيان عنها أنها لم تعد تقبل موعظة ولا اعتبارا، واستعمال حرف العطف (ثم) الذي يدل على التعقيب المتراخي يشير إلى أن المفروض أن لا تقسو قلوبهم بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها كإحياء القتيل وغير ذلك من الآيات المارة. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً. أي: فهي في قسوتها كالحجارة وأشد قسوة، أو أن بعضها كالحجارة قسوة وبعضها أشد قسوة من الحجارة أي أن منهم من هو هكذا ومنهم من هو هكذا. وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ هذا بيان لزيادة قسوة قلوبهم على الحجارة، يعني أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير، ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا، وقلوبهم لا تندى ولا تنبض بقطرة خير، ومن الحجارة ما يتردى من أعلى الجبل من خشية الله وقلوبهم لا تخشى. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ هذا تهديد ووعيد وفيه إشارة إلى أن قسوة القلب ينتج عنها أعمال سيئة وأن الله لا يغفل عن عمل.
فوائد:
1 -
قالوا في خشية الحجارة وترديها، إنه مجاز في انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به.
وقالوا المراد بها الحقيقة: على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة، وعلى هذا قوله تعالى:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ .. (سورة الحشر) ومنه قوله عليه السلام في الحديث الصحيح عن أحد: «هذا جبل يحبنا ونحبه» ومنه حنين الجذع المتواتر، ومنه ما في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن» .
2 -
قال ابن كثير: والله تعالى قد ذكر في هذه السورة مما خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة، ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميما كما قال أبو داود الطيالسي .. عن أبي رزين العقيلي قال، «قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ قال أما مررت بواد ممحل ثم مررت به خضرا قال بلى قال: كذلك النشور أو قال كذلك يحيي الله الموتى».
3 -
قال ابن جريج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا شدد الله عليهم، وأيم الله لو لم يستثنوا «أي لو لم يقولوا إن شاء الله» لما بينت لهم آخر الأبد».
ومن ثم فعلينا أن نترك التشديد في الأمور، وأن نسارع إلى امتثال الأوامر وترك النواهي من غير تفتيش وكثرة سؤال.
4 -
قال بعض العلماء: إنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها لأنها أفضل قرابينهم، ولعبادتهم العجل.
5 -
قال المسيب بن رافع: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله وتصديق ذلك في كلام الله وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
6 -
نقل المفسرون أقوالا كثيرة في تحديد العضو الذي ضرب به القتيل.
وقال ابن كثير تعليقا: هذا البعض أي شئ كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى، ولكن أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
7 -
اختلف علماء العربية في معنى (أو) في قوله تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم:(أو) هاهنا بمعنى الواو، وقال آخرون:(أو) هاهنا بمعنى بل، وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، وقال بعضهم: معنى ذلك فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة، وهذا الذي رجحه ابن جرير.